سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة الأستاذ خالد بن حمد المالك، وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد اطلعت على ما تم نشره في صفحة اقتصاد يوم الأحد 23-4- 1427هـ عدد 12288 تحت عنوان (قبل أن ينسحب المستثمرون في التعليم رسالة مفتوحة لوزيري العمل والتربية والتعليم) للدكتور إبراهيم بن عبد الرحمن العقيل.
فلقد لامس الدكتور بموضوعه الجرح الذي نعاني منه طويلا في المدارس الأهلية، وإن كان هو من المستثمرين في التعليم الأهلي، فأنا أتحدث كوني مديراً لفترة طويلة في المدارس الأهلية حيث نعاني من تلك القرارات التي تصدر من مسؤولين بعيدين عن الميدان التربوي، ولا يعانون من آثار تلك القرارات، وما يترتب عليها من مشكلات.
وإن التعليم الأهلي لم يعد ترفاً، بل نكاد نجزم بأنه ضرورة في وقتنا الحاضر، فجميع الإحصائيات والدراسات الميدانية، والرؤى المستقبلية، تؤكد أنه ينمو بسرعة وذلك لعدة أسباب:
1 - نظرة الدولة - حفظها الله - إلى التعليم الأهلي على أنه رافد للتعليم الحكومي، ومخفف عنها بعض الأعباء المالية، فهي تشجعه وتقدم له المعونات المالية للملاك سنوياً، وكذلك المعونات العينية ومنها المقررات الدراسية مجاناً، وكذلك فهي تعيّن مديراً لكل مرحلة في المدارس يتقاضى راتبه من وزارة التربية والتعليم.
2 - إقبال أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في مجال التعليم إذ العائد في هذا المجال مضمون ونسبة المخاطرة فيه قليلة.
3 - توفر أعداد كبيرة من المقيمين الذين يرغبون في إلحاق أبنائهم بالمدارس الأهلية.
4 - ما أقدمت عليه كثير من المدارس الأهلية من إدخال مواد وأنشطة إضافية للطلاب لتنمية مواهبهم ومهاراتهم، مع قلة الأعداد في الفصول، وتوفير الخدمات كالمواصلات، جعل أولياء الأمور يسعون إلى إلحاق أبنائهم بتلك المدارس.
5 - حرص وزير التربية والتعليم على عقد اجتماع سنوي مع ملاك المدارس الأهلية لتطوير العمل، وحل المشكلات، ومكافأة المتميزين تشجيعاً لهم. (وهذا ما أوضحه الدكتور نور الدين محمد عبد الجواد في كتاب تطور نظام التعليم في المملكة العربية السعودية فصل التعليم الأهلي).
وما ذكر جعل المدارس الأهلية تدخل مجال التنافس فيما بينها فالبقاء للمتميزين ولمن تملك أهدافاً ورؤية واضحة تسعى للتطوير والتحسين المستمر ومواكبة العصر.
ولعل من أعظم مشكلات المدارس الأهلية هذه الأيام موضوع السعودة، التي ذكرها الدكتور وأسهب عنها في مقاله، وتتمة لما ذكره، فلا يشك أحد أن مبدأ السعودة مبدأ نبيل ومطلب وطني، يجب علينا جميعاً السعي في تحقيقه وأن يكون من أولوياتنا، ولكن يجب ألا يكون على حساب المصالح العامة، فما ذكره الدكتور إبراهيم العقيل (إن سعودة العقول خطأ استراتيجي تتحمل مسؤوليته وزارتا العمل والتربية، وسنظل اليوم كما الغد بحاجة إلى كفاءات عربية وعالمية نستجلبها وفقاً لمعايير الجودة ومتطلبات التنمية، ولم تستغن أمةٌ - مهما علتْ - عن الترحيب بالعقول المتميزة المهاجرة)، هذا يكون بالتعليم المتقدم والتخصصات النادرة، والدراسات العليا، فتعليمنا العام لا يحتاج إلى عقول مهاجرة وخبرات أجنبية، فالقائمون عليه فيهم الخير والبركة.
وأمّا موضوع السعودة في المدارس الأهلية فإنني أتحدث من واقع خبرة في الميدان فهو أمر ضروري لا بد منه، وقد لمسنا نتاجه وفوائده على الطلاب من الناحيتين التعليمية والتربوية، كما أنه يحرس المدرسة من تفشي كثير من الظواهر السيئة، وليس كما زعم الدكتور (كوارث وطنية على مستقبل الأمة وغد أجيالها) و(مآسي معرفية وسلوكية) بل الواقع خلاف ذلك، فمتى كان نهجنا نقد الكوادر الوطنية والقدح في السعودة لأغراض شخصية فلن نرتقي إلى الأفضل، ولو سلمنا جدلاً بما قاله لانسحب ذلك حتى على تعيين المعلمين في المدارس الحكومية، ولاحتجنا معلمين من الخارج يعلمون أبناءنا، وهذا ما لا يرضاه مخلص لهذا البلد.
وحتى نكون منصفين ونعطي كل ذي حق حقه، فلا بد أن تكون سعودة المدارس الأهلية بضوابط، حتى تستقر المدرسة وتحقق أهدافها، وتتميز بتعليمها ونشاطاتها، فمن الظلم أن يتعاقب على الطلاب في أقل من فصل دراسي أربعة معلمين لمادة واحدة، كما أنه من الصعوبة أن يترك المعلم طلابه قبل بدء الاختبارات النهائية بثلاثة أسابيع، ولك أن تتخيل الآثار السلبية المترتبة على ذلك بالنسبة للطالب والمدرسة، فالمشكلة ليست تعني وزارة التربية والتعليم فقط بل وسائر الوزارات.
لذا فإنني أرى ضرورة العمل بالضوابط التالية حتى تتم الاستفادة من سعودة المدارس الأهلية بآلية محكمة (فلا ضرر ولا ضرار).
1 - ضرورة احتساب سنوات التعليم الأهلي كسنوات خدمة للمعلم.
2 - وضع سقف أدنى لرواتب المعلمين السعوديين في المدارس الأهلية توازي رواتب زملائهم في الحكومة - عند أول تعيين لهم - حتى يزول الفرق بين معلم الحكومة ومعلم المدرسة الأهلية.
3 - لا يتم التعيين لأي معلم على رأس العمل في المدارس الأهلية إلا بعد نهاية العام الدراسي (خلال الإجازة الصيفية) سواء في وزارة التربية والتعليم أو في غيرها من الوزارات.
4 - يُحرم المعلم من التعيين في الحكومة لمدة زمنية إذا ثبت انسحابه من المدرسة قبل نهاية العام دون مبررات واقعية مقنعة.
5 - إلزام المدارس الأهلية بعلاوة سنوية للمعلمين أسوة بمعلمي الحكومة.
6 - ضرورة إيجاد التأمين الصحي، وهذه ميزة يتفرد بها معلم المدارس الأهلية عن زميله في المدارس الحكومية.
7 - لا ينهى عقد المعلم السعودي من المدرسة الأهلية إلا بأسباب واضحة (فنية أو مسلكية) مخلة بالعقد، أو مؤثرة على سير عمل المدرسة، (فمتى أحسّ المعلم بالأمن النفسي والاستقرار أبدع وأنتج).
8 - يتم الاتفاق مسبقا على أن أقل مدة للتدريس في المدارس الأهلية ثلاث سنوات، فإذا ما تم العمل بالضوابط السابقة، تتم الفائدة والاستقرار للطلاب والمدرسة، ولا يكون هناك فرق بين معلم المدارس الحكومية ومعلم المدارس الأهلية.
ولعل من فوائد ما ذكر:
1 - سعي المدارس الأهلية في اختيار الأفضل لإيجاد الكوادر الوطنية المتميزة والمحافظة عليها وتدريبها.
2 - مردود ذلك في المستقبل يعود على المدارس الحكومية، حيث سيلتحق بها كوادر من المعلمين مدربين ومهيئين وذوي خبرة.
إن موضوعاً كهذا يحتاج إلى طول تأمل، وجدية في التفكير، وشفافية في الطرح، وتقديم المصلحة العامة، فهو يتعلق بتربية وتعليم الأجيال القادمة، كما أنه يتعلق بشريحة كبيرة من الشباب الخريجين الباحثين عن فرص للعمل، والأمن والاستقرار الوظيفي الذي يسعى إليه الإنسان بطبعه.
والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
محمود بن عبد الله القويحص/إدارة التربية والتعليم |