(3) الكاتب أحمد بن سليمان بن أحمد بن فركون:
ترجم له لسان الدين بن الخطيب في (الإحاطة في أخبار غرناطة) 1 - 220، أيام رضاه عنه، قال: (أحمد بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد القرشي، المعروف بابن فركون، يكنّى أبا جعفر .. شُعلة من شُعل الذكاء والإدراك، ومجموع خلال حميدة، على الحداثة، طالب نبيل، مدرك، نجيب، بَذّ أقرانه كفاية، وسما إلى المراتب، فقرأ، وأعْرب، وتَمّر، وتدرَّب، واستجاز له والدُه شيوخ بلده، فمن دونَهم، ونظم الشعر، وقيّد كثيراً، وسبق أهل زمانه في حسن الخطّ، سبقاً أفرده بالغاية القصوى، فيراعه اليوم، المشار إليه، بالظرف والإتقان، والحَوَا، والإسراح، اقتضى ذلك كله ارتقاءه إلى الكتابة السلطانية، ومزية الشفوف بها، بالخلع والاستعمال، واختصّ بي، وتأدّب بما انفرد به من أشياخ تواليفي، فآثرتُه بفوائد جَمَّة، وبَطَن حوضه من تَحَلُّبه، وترشّح إلى الاستيلاء على الغاية).
وانفجر لسان الدين بن الخطيب في (الكتيبة الكامنة) ص 305 - 307، فجاء الذمّ أكثر من المدح، حيثُ يقول: (الكاتب أحمد بن سليمان بن أحمد بن فركون: خديمي في النسخ من يد الكَتَبَة، وربيبي .. جَرو محقور، وفي جلدة كلب عقور، ولسان ناقور، سمعُ المجد عنه موقور، وشرارة قَدْحَتُها شرور، أخرق نشا من صَلف، ورمى من الوضاعة والدناءة بكلف، فلو تعلَّق بسبب من أبي دُلَف، لسعى عليه في تَلف، ولو شهده مجمع الثريا لم يعد إلى مؤتلف، وفرد لا ينطبق وصف اللؤم إلاّ عليه، وسفيه يقال عند ذكره كفاك الله شَرّ من أحسنت إليه، رضع الغدر في مجثم أمه، وصافن أباه المرور في قارورة سمه، فلن تنفع المداراة في أفعوانه، ولا تمنع المصانعة من عدوانه، جليد على شرّه، وسيئة مختومة على مره، أهداه إليَّ أبوه سليمان معدن الحمق الذي أعيا الراقي، وسحر المركب العراقي، جَرواً مسدود العينين، منسوباً إلى جنين هجينين، يغطّ في السيرة، ويحار في طلب الثدي الكلبي أعظم الحيرة، فأنفتُ من إضاعته، واحتلتُ لرضاعته، ثم انتخبتُ له المرس، وعلّقتُ في عنقه الجرس، ثم جلّلتُه الحرير، ومهّدتُ له بجنب السرير، ثم علّمتُه قصَّ أثر الحُجَيْلَة، مخضوب البنان والرجيلة، ثم أغريتُه بالذَّبِّ عن المنديل، ثم درَّبتُه على إمساك القناديل، ثم أغريتُه على القطوط، ثم أرسلتُه على القنائص السارية على الشطوط، وبعد ذلك رَقَّيْتُهُ من طَوْرِ المسخ، إلى الاستعمال في مهنة النسخ، ثم نقلتُه محتمل العتاب، إلى بيت الكتاب، فأصبح جروه ممرحاً بالمصيد، باسطاً ذراعيه من كهفهم بالوصيد، مجارياً في نظم المقطوعة وإنشاد القصيد؛ فلما ظهر أيده، واستقام صيده، انصرف إليَّ كيدُه، فلم ألقَ شَرّاً من لهثته المجلبة، وعضته الكلبة، فأنكر المعروف، ونسي الظرف والمظروف، وأوسع البيّنات هدماً، ووجوه الجاه لدماً، وعَضَّ عرقوبي فأدمى، وأفرط في الشعار، وخُلق السُّعار، ولم يدع وجهاً من وجوه العار، والأطواق تحجّه، والأحداق تثجّه، والكفران يصحمه، والنِّعم تخصمه، والله تعالى لا يعصمه .. فتركها مثلاً في الإجراء، ومُزهِّداً للمكلّبين في اصطناع الجراء، وهرول بعدما لهت ونقر، وعَضَّ وعَقَر، والفضلاء تصيح خلف مهربه، والكلاب تفرّ من طلبه، وعَدْوَى جَرَبِه، وعدل الله تعالى كفيل بإتباعه، وقَصّ باعه، ومجازاة خَتْلِه، وإهداء كبده إليَّ من بَعْدِ قتله، ليُجعل منها على العَضَّة الدامية، ويُشْوَى باقيها على النار الحامية، وعلى ذلك فخطّه الذي نَفَقَ من كَساده، واغتفر لصلاحه كل قبيح من فساده، مسرح الطرف، ومعدن الظرف، وأدبه يطريه سوق الصرف ..).
وقال المقّريّ في (نَفْح الطيب) 7 - 287 - 288 في ترجمة ابن فركون: (ورأيتُ بخطّ الوادي آشي ما صورته: وجدتُ بخطّ لسان الدين، وخاتمة أعلام البيان المجيدين، ذي الوزارتين أبي عبدالله ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - في طُرَّة اسم الكاتب أحمد بن سليمان بن فركون، المختصّ به، المتأدّب بما انفرد به من انتساخ تواليف ابن الخطيب ما نصّه: (يُسقط هذا الساقط من الديوان .. انتهى).
(4) الكاتب أبو القاسم محمد بن محمد بن أحمد بن قُطبة الدَّوْسيّ:
ترجم له لسان الدين بن الخطيب في (الإحاطة في أخبار غرناطة) 2 - 250 - 253 أيام رضاه عنه، وأورد شيئاً من مقطّعاته، قال: (محمد بن محمد بن أحمد بن قُطبة الدَّوْسيّ: من أهل غرناطة، يكنّى أبا القاسم .. مجموع خِلال بارعة، وأوصاف كاملة، حَسَن الخطِّ، ذاكرٌ للتاريخ والأخبار، مستولٍ على خصال حميدة من حُسْن رواء وسلامة صدر، إلى نزاهة الهِمَّة، وإرسال السَّجيّة، والبُعد عن المُصانعة، والتحلّي بالوقار والحِشْمَة، شاعر، كاتب .. ومناقِبُه يقْصُر عنها الكثير من أبناء جنسه، كالفروسيّة، والتجنُّد، والبسالة، والرِّماية، والسِّباحة، والشطرنج، متحَمِّد بحَمْل القَنا، مع البراعة، مديم على المروءة، مُواس للمحاويج من معارفه .. ارتسم في الديوان فظهر غِناؤه، وانتقل إلى الكتابة، معزَّزَة بالخُطط النبيهة العِلْمية، وحاله الموصوفة متّصلة إلى هذا العهد، وهو معدود من حَسَنات قُطره.
وثبت في (التاج المحلّى): سابقُ رَكْض المُحَلَّى، أتى من أدواته بالعجايب، وأصبح صدراً في الكتاب، وشَهْماً في الكتايب .. وكان أبوه - رحمه الله -، بهذه البلدة، قُطْبَ أفلاكها، وواسطَة أسلاكها، ومؤتمن رواسيها وأملاكها، وصدرَ رجالها، وولِيّ أرباب مجالها، قد نَثل ابنه سهامَها، فخبر عدالةً وبراعةً وفهماً، وألقاه بينهم قاضياً شهماً، فظهر منه نجيباً، ودعاه إلى الجهاد سميعاً مجيباً، فصَحِب السَّرايا الغريبة المُغيرة، وحضر على هذا العهد من الوقائع الصغيرة والكبيرة، وعلى مُصاحبة البعوث، وجَوْب السُّهول والوعوث، فما رفض اليراعة الباتِر، ولا ترك الدَّفاتر للزمان الفاتِر).
وانقلب في (الكتيبة الكامنة) ص 272- 274 إلى الفحش، حيثُ يقول: (الشيخ الكاتب أبو القاسم محمد بن محمد بن أحمد بن قُطبة الدَّوْسيّ: كلأه الله تعالى، هذا الرجل ممن ينتحل الشعر، ويكسد سوق حظه فيغلي الشعر، ويوجب لنفسه ما يوجبه المغرور، ويهتف لسانه بما لا يهتف به إلاّ الممرور، فهو مرحمة، وإن رأى نفسه فارس ملحمة، ومشفقة، وإن زعم أنه يجري على عطارد نفقة.
وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه: مفحاش مهذار، لا يتعقّب زلاته اعتذار، ولا يَزعه من بَعْد خطّ الزوال بمَفرقه إنذار، سخيف العقل، عَديم الصَّقل، حجّة قوله أخبر تقل، منسف من سرير الهرقل، إلى مطرح البقل، رأسه مكفوف، ومخّه منشوف، ودنه عقير، وبيته من البِرِّ والبُرِّ فقير، يَقرع من بعد المشيب باب الشَّقا، ويدنّس الصحائف بالكبائر من بَعْدِ الإنقا، فيتبجّح بقتال العَمْدِ العدوان، ويَفخر بالزنا بنساء الإخوان، ويشبّب بالقيان، بعد فراغ الخِوان، وانطواء الديوان، وذهاب العنفوان، وقد فار تنّور البياض ينذر بالطوفان، ويذكر لونه بألوان الأكفان، قد تطابق معناه في القبيح ولفظه، وساء في العاجلة والآجلة حظه، فأَخْسِس بشأنه وأَصْغِر، إن تخطاه عفو مَن يَقبل توبة العبد قبل أن يُغرغِر، وشعره شَعث الشعر، مشوب غرضه بالبَعر ..).
(5) الخطيب أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبيّ:
ترجم له لسان الدين بن الخطيب في (الإحاطة في أخبار غرناطة) 4 - 253 - 255 أيام رضاه عنه، قال هناك: (فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبيّ: من أهل غرناطة، يكنّى أبا سعيد .. هذا الرجل من أهل الخير والطهارة، والزَّكا والديانة، وحُسن الخُلُق، رأس بنفسه، وحُلِّي بفضل ذاته، وبرَّز بمزية إدراكه وحفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل عليه بدار الشُّورى، وإليه مرجع الفتوى ببلده، لغزارة حفظه، وقيامه على الفقه، واضطلاعه بالمسائل، إلى المعرفة بالعربية واللغة، والمران في التوثيق، والقيام على القِراءات، والتَّبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب .. جيّد الخط، ينظم وينثر .. قعد ببلده للتدريس على وفور المسجد، ثم استقلَّ بعدن ووُلِّي الخطابة بالمسجد الأعظم، وأقرأَ بالمدرسة النَّصرية ..).
وتحوّل في (الكتيبة الكامنة) ص67 - 70 إلى القول: (الخطيب أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبيّ: وهو لهذا العهد بقيد الحياة .. هذا الرجل توكئ عليه لما عدم الزمان الوساد، وخلت الديار فساد، وخلف ثعلبانه الآساد، لم يستند إلى أبوّة ترعى، ولا ناظر عن أصل الأصالة فرعا، إنّما هو اكتساب لا انتساب، ونجابة لم يقع عليها حساب، جعلت العلم درجا، وأجلبت عليه بسببه فرجا، فنالت من أهلها ما اشتهت، واستأثرت بجنى السَّحوق، الجامحة عن اللحوق، وقد زهت، حتى إذا حصل المطلوب، فبدا له، وحطت الحال الصالحة لأدالة، وعزلت الجرحةُ العدالة، وساء الاعتقاد، وعَظم من الناس الانتقاد، ونيطت الهنات، وهدمت الصروح المبتناة، وفكّت الألسن العناة، وقبحت من بعد المشيب القالة، وشهدت بفساد المعاملة الأولى هذه الاستقالة، والشيخ لا يبالي بعذل العاذل، في مهاودة الطبع الخاذل، وليس بأول مَن أبق، وفكّ الربق، وأعجبه أصيل العمر فاغتبق ..).
* * *
ثم ماذا:
إنّ لسان الدين بن الخطيب يَفتقر إلى أهم مقوّمات المؤرِّخ الحقّ، فهو غير متجرّد عن الهوى، ولا يملك ذرّة من الإنصاف، وهو غير نزيه لا في حياته الشخصية ولا في علمه، وهو قليل الدِّين فاسد، وهو مؤرِّخ كذّاب متناقض لا يُوثَق به، يمدح في حال الرضا وينحطّ إلى السباب المقذع والهجاء في حال الغضب؛ فلا يمكن الوثوق بما يتفرّد به، وأوضح مثال على ذلك كتابه (نُفاضة الجراب) فلا يمكن الوثوق بما تفرّد به في هذا الكتاب - وفي كثير من كتبه - لا تاريخاً ولا تراجم، إلاّ بوجود مصدر آخر غير متكئ عليه.
ويخطئ كثيراً مَن يمضي بالانجرار العاطفي مع لسان الدين متجاهلاً حقائق التاريخ، فقد كان الوضع السياسي المتقلّب المضطرب وقيام الدويلات مُشَكِّلاً للناس وعقلياتهم وأخلاقهم؛ فكل يضرب الآخر لمصلحته، وإنْ وَقَعَ لسان الدين بن الخطيب ضحية، فقد أوقع ضحايا من قبل.
لقد بلغ لسان الدين بن الخطيب درجة عالية من الاستبداد، وهذا الاستبداد حتّم كثرة ضحايا لسان الدين بن الخطيب الذين سعى بهم وتمكن من استئصالهم أو إقصائهم؛ تخلُّصاً من منافستهم، ولعل في هذا ما زاد من خصومه .. ومن هؤلاء الضحايا: عثمان بن يحيى بن عمر (شيخ الغزاة)، فقد مضى لسان الدين في تحريض الغني بالله وتحذيره من نفوذ عثمان؛ حتى نُكب عثمان ووالده وإخوته في شهر رمضان سنة 764هـ، وأودعوا السجن ونُفوا بعد ذلك.
ومن الضحايا أيضاً: علي بن أبي يفلوسن، وابن ماساي.
وكذلك لما لجأ ابن خلدون إلى الغني بالله (وكانت لابن خلدون سابقة خدمة للغني بالله ولابن الخطيب أيام لجوئهما إلى فاس)، فقد استقبله السلطان الغني بالله أحسن استقبال، وأنعم عليه، وبقي عند السلطان مدة عامين .. وذلك ما جعل لسان الدين يسعى لإبعاد ابن خلدون؛ خوفاً من منافسته وما ناله من حظوة كبيرة لدى الغني بالله، ونجح في مسعاه، وقد أدرك ابن خلدون ذلك من تغيّر الغني بالله عليه.
ويصور ابن خلدون استبداد ابن الخطيب بعد أن نجح في نكبة عثمان بن يحيى بن عمر بقوله: (وخلا لابن الخطيب الجو، وغلب على هوى السلطان، ودفع إليه تدبير المملكة، وخلط بينه بندمانه وأهل خلوته، وانفرد ابن الخطيب بالحلّ والعَقْد، وانصرفت إليه الوجوه، وعُلِّقت به الآمال، وغشى بابه الخاصة والكافة، وغصّت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفنّنوا في السعايات فيه).
وقد ألمح القاضي النُّباهيّ إلى كثرة ضحايا لسان الدين في ردّه عليه، بعد أن ذكر هرب لسان الدين من غرناطة، فقال: (... اللهم إلا إن كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قَتَلَ مئة نفس، وسألَ أعلم أهل الأرض فأشار عليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب، واكتسب بها العيوب، فأمر آخر، مع أن كلام العلماء في هذا الحديث معروف).
إنّ لسان الدين بن الخطيب والقاضي النُّباهيّ وابن زَمْرَك كلهم موظّف لدى السلطان، ومنهم مَن أصاب وأخطأ .. وما تَحَرُّك النُّباهيّ وابن زَمْرَك في شأن لسان الدين بن الخطيب إلا بتكليف من قِبَل السلطان.
ولسان الدين بن الخطيب حقيقة شخص لا يَعرِف الوفاء، فبعد أن نُفي سلطانه الغني بالله إلى المغرب سنة 761هـ بقي مُصانعاً للسلطان إسماعيل الثائر على أخيه، وخاطبه بقصيدة خائبة يقول فيها:
مَولايَ، يا خيرَ مُلوكِ الوَرَى
ونُخْبَةَ النَّصْرِ وأَرْبَابِهِ
قُمْتَ بأمرٍ، أنتَ أهلٌ لهُ،
فَلْتَأْتِ هذا الأمرَ مِنْ بابِهِ
انظر القصيدة في (الديوان) 1 - 134 - 135، والمخجل أن لسان الدين أورد القصيدة في (نُفاضة الجراب) فحذف مطلعها (مَولايَ، يا خيرَ مُلوكِ الوَرَى)، مدعياً أنه نظم القصيدة في منفاه ولم يُلقِها على مسمع إسماعيل، ولكن فاته أن يفعل ذلك في ديوانه .. ولَمّا لم يُفلِح لسان الدين في شيء عاد ليتنقّصه في ترجمته له التي يقول فيها بعد هربه في كتابه (نُفاضة الجراب) ص103 - 113، وشمل في الهجاء الوزير محمد بن أبي الفتح (ويسمّيه العقرب الرديء)، وابن عمّه رئيس الشرطة العليا إبراهيم بن أبي الفتح (ويسمّيه الأصلع الغوي)، وهو ما يمثل أحقاده السوداء بجلاء: (ولم يكد الرسول يتوسّط سفره، حتى أظلّ ما كان من استلحام سلطان الأندلس إسماعيل بن الأمير أبي الحَجّاج بن نصر، الباغي على أخيه أحانه الله لسوء سيرته شؤم مولده، من رَبِيِّ مومسة وحبيس سجن لم يكسبه اعتباراً ولا خشية، مضفور الوفرة بخيوط الإبريسم إلى عُصْعُصِه، قد فَضَلَتْ من لحمه ضفيرة جَمَّة ذات عُقَدٍ مموَّهة، شديد الخِسَّة والتَّنَزُّل، يعكف وأمُّه العُشبة الناشئة في المنبت السوء، والأَرُومَة الخبيثة على أسلاب المنكوبين، وماعون المحرومين يتجاذبان آلة الغزل، ودقيق الخرط، ويمسحان بأكمامهما ما علاه من الشَّعَث، ويختبران بألسنتهما قُوَى المُرَكَّبات، وبرز إلى الجو من قَفَص العُقْلَة، ملقياً بيده في مساقط المئجنة والتخلُّف، غير مستتر بالقاذورات، ولا مُوَرٍّ بأخابث الشهوات .. وغَصَّ بمكان ابن عمّه (يقصد البرميخو) مولاه لغة وعُرفاً، الذي أوطأه السَّنام والذِّروة، واستخلص له المُلك من لَهاة الليث، واستنزله من سُكاكِ الجو، فتجهَّم له، وانفرد بالخالص دونه، وشرع في القبض عليه لو وفِّق، فأقصر المذكور مليّاً مرضياً إياه بانقباضه، ومتمكناً من استجماعه، آخذاً صفقة سرّ أخيه. وفي زوال يوم الأربعاء ثامن شعبان كبس مثواه، المضاع القَفل، الخامل المَسْلحة، فتخطّاه بالرجال بعد أن ألزم حفظه (... ) وحزّ رأسه معزّزاً برأس صنوه قيس، وألحق بهما عَبّاد (خديمه) وابنه، وماردان من أخابث الخراب، فلم تَبْك عليهم سماء ولا أرض ولا حقّ فيهم غير هذا .. ووزيره الحرّ الأمين محمد بن أبي الفتح المواصل للجشأ من خوانه، المُفْعَم المعا من سريط جفانه، المغرى اليد باكتساح ذخيرته، المحشو الكم بدسائس الرشا الجانية على ماله، وابن عمّه العضرفوط ثور النقل وبالوعة النبيذ، الباكي خَزُّ خِلَعه من روحه المتظلمة يكنف من أنفاس حُشِّه، وثقة بابه المورورى، الموطوء العقب بعزه، والأعصم المؤمر على التيوس بصكّه، والأمير المعتقد كرسي الشرطة العليا بتنويهه (...).
وفي العشر الأول من رمضان تقبّض على الوزير المشوم، وابن عمّه القويّ الغشوم، مرسل الضفيرة، أبعد الناس في مهوى الاغترار، يَختال في السرق والحيلة، سمّ من سموم القوارير، وابتلاء من الله لذوي الغيرة، يروح نشوان العشيات، يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف يعاقرون النبيذ في السكك الغاصّة، وولدى العقرب الرديء بضده قماءة وتقطّباً، تنبو عنهما العيون ويبكي منهما الخزّ، كأنهما صمتا صمتا عند المحاورة، وإظلاماً عند لألاء النادرة، من أذلاء بني النضير، ومهتضمي خيبر، فثقفا مليّاً، وبودر بهما إلى ساحل المنكب.
قال المخبر: فما رأيتُ منكوبَيْن أقبح شكلاً ولا أفقد صبراً من ذينك التيسين الحَبِقَيْن، صلع الرؤوس ضخام الكروش، مبهوري الأنفاس، متلجلجي الألسنة، قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار، وافترت بطونهم عن سرر كأسمعة الفرا، لا يثيرون دمعاً ولا يستنزلون رحمة، ولا يمهدون عذراً، ولا يتزودون من كتاب الله آية، فقد طَبَعَ اللهُ على قلوبهم، وأخذهم ببغيهم، وعجّل سوء سعيهم.
وللحين أركبوا هم وجِراؤهم في جفن غزوى تحفّ بهم المساعير من الرجال، واقتفى بهم إثر قرقورة تحمل حاجاً إلى الإسكندرية تورية بالقصد، فلَمّا لججوا في البحر قُذف بهم في لُجّه بعد استخلاص ما خبثوا به، وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحه أشعر بها هديه، واختلط العقرب الرديء فنال من جناب الله سخطاً وضيقاً تعالى الله عن نكيره، فكان فرعون هذا الزمان جبروتاً وعتوّاً وميتة، عجّل الله لهم العذاب وأغرقهم في اليَمّ، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله، ولا تنفسخ الآماد مع منازعته رداء كبريائه، مرغم الأنوف، وقاطع دابر الكافرين) .. ثم دوّن قصيدة قذرة شامتة.
ومن هذا النصّ نلمح قلّة دين لسان الدين بن الخطيب بجرأته على رمي المُحصنات، فقد نَبَز (مريم) زوج سلطانه الأسبق أبو الحَجّاج، وهي أمّ إسماعيل، بأكثر من تسمية تتهمها في عِرْضِها مثل قوله: (رَبِيّ مومسة)، و(ثم ماتت تلك المومسة)، و(تلك الإباحية) .. ولم يقدّم لسان الدين دليلاً واحداً على صدق اتهامه لها في عِرضها، ولا يمكن أن يُفسَّر هذا الفعل إلا بقلّة الدين من جهة، وعدم الوفاء من جهة أخرى؛ فلو عَرَفَ فيها سوءاً أصغر مما ادعاه هنا لكان واجب الوفاء لسلطانه الأسبق (زوجها) يحتّم عليه ستر السوء والعورة.
ولَمّا قُتِلَ إسماعيل وأخيه قيس كتب لسان الدين شماتة قال فيها:
(بإسماعيلَ) ثم أخيهِ (قَيْسٍ)
تَأَذَّنَ ليلُ همّي بانبلاجِ
دَمُ الأَخَوَيْنِ داوى جُرْحَ قلبي
وعالَجَني، وحَسْبُك مِنْ عِلاجِ
وليت لسان الدين بعد هربه وسماح الغني بالله بإرسال أهله وولده إليه رَدَّ على هذه البادرة بالوفاء، وتجنّب محاولة إلحاق الأذى بغرناطة وسلطانها، فقد مضى بتحريض عبدالعزيز المريني لغزو غرناطة وضمّها إلى ملكه، ففتح أبواب الشر على نفسه .. وقد شنّع عليه القاضي النُّباهيّ وفضح موقفه في قوله: (.. ولو لم يكن في الوجود من الدلائل على صحة ما رضيتم به لنفسكم من الاتّسام، بسوء العَهْد والتجاوز المحضّ، وكفران النِّعَم، والركون إلى ما تحصَّل من الحطام الزائل إلا عملكم مع سلطانكم مولاكم وابن مولاكم أيّده الله بنَصره، وما ثبت من مقالاتكم السيئة فيه وفي الكثير من أهل قُطره؛ لكفاكم وَصْمَة لا يغسِلُ دَنَسها البحر، ولا يَنسى عارها الدهر، فإنكم تركتموه أولاً بالمغرب عند تلوّن الزمان، وذهبتم للكدية والأخذ بمقتضى المقامة الساسانية، إلى أن استدعاه الملك، وتخلَّصتْ له بعد الجهد الأندلس، فسقطتم عليه سقوط الذباب على الحلواء).
وما أصدق قول القاضي النُّباهيّ في ردِّه على لسان الدين: (وكلامكم في المدح والهجو، هو عندي من قَبيل اللغو، الذي نَمُرُّ به كراماً والحمد لله، فكثِّروا أو قَلِّلوا من أيّ نوع شئتم، أنتم وما ترضونه لنفسكم، وما فهت لكم بما فهت من الكلام، إلا على جهة الإعلام، لا على جهة الانفعال، لما صدر أو يصدر عنكم من الأقوال والأفعال، فمذهبي غير مذهبكم، وعندي ما ليس عندكم).
ورحم الله لسان الدين بن الخطيب؛ لِمَا لقي من ظلم شنيع في نهاية حياته المأساوية البشعة .. وقبّح الله لسان الدين بن الخطيب؛ لاستبداده السياسي، ولفساده الإداري والمالي، وغروره، وخُلق الكلاب الذي استمرأه من المنّ المؤذي لأناس نفعهم لجدارتهم لا لجدارته .. وقبّحه الله أيضاً لكذبه وقلّة دينه وجراءته على رمي المحصنات والناس في أعراضهم.