مما لا شك فيه أن اليونانيين قد طوَّروا الكثير من العلوم والفنون بشكل يثير الإعجاب، إلا أنها كانت بحاجة إلى أدوات جديدة ومتغيرة من أجل دفعها إلى الأمام بطرق علمية ودقيقة، وهنا كان الإسهام الإسلامي العظيم والمميز؛ فلقد استقدم الخليفة المأمون خلال فترة حكمه (813- 833م) علماء بارزين إلى (بيت الحكمة)، وهو إحدى ثمرات التعاون بين هؤلاء العلماء في ذلك الزمن، وتحسيناً لما قدَّمه بطليموس وغيره من العلماء اليونانيين (انظر: موسوعة تاريخ العلوم العربية، الجزء الأول، ص 279). وفي نفس الاتجاه يعتبر أبو الوفاء البوزجاني (328-388هـ) من أبرز علماء الرياضيات والفلك، فله شروح وتعليقات ونقد على مؤلفات إقليدس وديوفانتوس وبطليموس. والجدير بالذكر أن العلماء الرياضيين العرب والمسلمين يزاوجون بين النظريات الأكاديمية الخالصة وتطبيقاتها العملية المستخدمة في علوم الفلك والحياة اليومية، فقد كان أبو الوفاء من أبرز أولئك العلماء الذين طبَّقوا هذا المنهج، ولذلك يقول (قدري طوقان) في كتابه (تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك): (إن البوزجاني من ألمع علماء العرب الذين كان لبحوثهم ومؤلفاتهم الأثر الكبير في تقدم العلوم، ولا سيما الفلك والمثلثات وأصول الرسم، وفوق ذلك كله كان أبو الوفاء من الذين مهَّدوا السبيل لإيجاد الهندسة التحليلية)، ولذلك يقول المستشرق (سيديو) في كتابه (تاريخ العرب العام): (إن أبا الوفاء البوزجاني ذلك العالم الذي يتردَّد اسمه كثيراً خلال المناقشات الأكاديمية في أوروبا قد صحَّح أخطاء الفلكيين الذين سبقوه).
ومن المعروف أن علماء المسلمين في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) اهتموا بسير القمر واختلاف مسيرته من سنة إلى أخرى، (وكان لاهتمامهم هذا بواعث دينية بجانب البواعث العلمية، وخصوصاً لارتباط القمر بالعبادات في الإسلام)، ولذلك اهتدى أبو الوفاء إلى معادلة مثلثية توضِّح مواقع القمر سمَّاها (معادلة السرعة)، ومع ذلك عمد العالم الفلكي الدنماركي (تيخو براهي) إلى تضليل الناس بادِّعائه أنه أول من عرف هذا الخلل في حركة القمر، ولكن من حُسْنِ الحظّ أن من بين الباحثين الغربيين من جَهَرَ بالحق وبيَّن أن أبا الوفاء هو صاحب الفكرة ومكتشفها الأول، ولذلك قام بعضهم بإطلاق اسمه على فوهة بركان على سطح القمر تخليداً له.
ولا ننسى العالم المسلم ثابت بن قرة (توفِّي سنة 901م)؛ حيث يقول عنه المؤرخ المعاصر (أدولف ب): (بفضل طريقة المجاميع التكاملية - في كتابه (قطوع الأسطوانة وبسيطها) الذي وجد في إسطنبول، مخطوطة آيا صوفيا، 4832 - أحيا ابن قرة طريقة طواها النسيان، فضلاً عن ذلك احتسب بواسطة هذا الأسلوب وللمرة الأولى التكامل عند إعطاء قيمة كسرية للأس ن، وخلال قيامه بهذا المسعى عمد كذلك وللمرة الأولى إلى تقسيم مجال التكامل إلى أجزاء غير متعادلة)، وذلك مشابهة إلى حد ما بالطريقة التي تعرف الآن بطريقة (فيرمات) الذي عاش في أواسط القرن السابع عشر الميلادي. كما أن ابن قرة قد توصل إلى نفس المجموع المستخدم في تعريف تكامل (ريمان)، وفي هذا يتبين لنا أن المجاميع التكاملية لثابت أكثر شمولية وعمقاً من مجاميع أرخميدس في كتابه (الكرة والأسطوانة). وفي نفس السياق يقول العالم الأمريكي المعاصر (بوريس أ. روزنفيلد): (بقي بعض الأوروبيين على جهلهم باكتشافات العلماء العرب والمسلمين التي اكتشفوها بأنفسهم فيما بعد.. وكذلك بالرسائل العربية عن نظرية المتوازيات؛ حيث حلَّت وبوضوح صيغ عديدة متكافئة محل مصادرة إقليدس الخامسة).
وفي علم الصيدلة، طوَّر المسلمون هذا العلم وأبدعوا في إضافة المئات من المواد الكيميائية الجديدة، واستخدموا المعدات الجديدة والمختبرات، فلا عجب أنهم أنتجوا المستحضرات العلاجية من النباتات، وطوَّروا أشياء جديدة تجاوزت بكثير ما وصل إليها (هيبوكراتيس وجالينوس)، حتى إنهم وصفوا مرض الجدري الذي لم يكون موجوداً عند اليونانيين. ومن العلماء المسلمين الذين لهم إسهامات ضخمة في هذا المجال يفوق ما توصل إليه التراث القديم هو أبو بكر الرازي؛ حيث انتقد وردَّ بعض أفكار جالينوس الطبية في كتابه (الحاوي في الطب) عن طريق التجارب والملاحظات، وزيادة على ذلك يحتوي هذا الكتاب على بعض الحالات المرضية السريرية المختلفة، ولا عجب أن يقول عنه المستشرق (ف. ت. تيلر) في كتابه (الخيمياء أساس لعلم الكيمياء): (أنه موسوعة تمشي على قدمين، وعلاَّمة العصور كلها، وكانت مؤلفاته الكثيرة والمتنوعة مرجعاً للعلماء أجمع).
حقاً، إن الأخطاء اليونانية المصحَّحة من قبل العلماء العرب والمسلمين تحمل في طياتها (بذور تغيير) على مستوى العلم البشري إلى عصرنا الحاضر، والأخطر والأمر أن علماء المسلمين المعاصرين يجهلون هذه الإنجازات، والذي يتكرم علينا - في الأغلب - العلماء غير المسلمين بإخبارنا عن نقطة من بحر الحقيقة التي نجهلها. وفي المقابل: كيف يواجه العقل العربي هذا الطوفان من الأكاذيب والتضليل المتعمد لإبعاد عقل الإنسان المسلم عن التفكير في تراث أجداده؟ وما الدور المطلوب من العلماء والمفكرين العرب لكي ينهضوا به لتقديم براهين صادقة أقرب إلى الموضوعية والحقائق التاريخية، ويؤهلهم للدفاع عن علماء المسلمين العباقرة، وتكون هذه القراءة أكثر صدقاً وعقلانية من بعض القراءات التي تبنى وفق منهج غير علمي يضخمون من خلاله الدور اليوناني وإسهاماته العلمية في الحضارة الحديثة متناسين دور عظماء العباقرة العرب والمسلمين؟ (انظر: (العملاق المدفون) يستيقظ ليحاكم (المثقفين الكارهين ذواتهم)، الجزيرة، العدد 12104).
في هذه المقالة حاولنا أن نلمم ببعض الحقائق حول العنوان المطروح، غير أنه لا يمكن الإجابة عنها في مقالة أو بحث مختصر، بل تحتاج إلى جهد منظم من العلماء العرب والمسلمين ومراكز البحوث ووسائل الإعلام، وعليه فهي واجب علمي وعبء ثقافي على كل غيور لاستنهاض الأمة والأجيال الشابة التي تعيش عصر الانبهار بالحضارة الغربية، وتحول بينها وبين رؤية الحقائق العلمية الصادقة والدقيقة. وما أحوجنا إلى برامج علمية وفق رؤية واضحة!.
(يتبع)
* الكلية التقنية في بريدة |