Thursday 29th June,200612327العددالخميس 3 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

الصحافة العرجاء.. والأهواء المزاجية! الصحافة العرجاء.. والأهواء المزاجية!
حسين أبو السباع

تعاني صحافتنا العربية من عرج في قوتها الإعلامية كوسيلة رئيسة من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الفرد العادي في تلقي معلوماته أو في تغطيات الأخبار.. فلم تعد الصحافة خبرية، أو تعمل على نقل الخبر إلى القارئ، لأن سرعة نقله فاقت حدود الخيال، ففي يدك تليفون جوال، يمكنك من خلاله تلقي آخر الأخبار والمستجدات العالمية، أو عبر الشريط الأحمر التلفزيوني الذي لا يكف أبداً عن السير من اليمين إلى اليسار محملاً بآخر الأخبار، ولأن الخبر مثل البحث العلمي لا يمكن استخدام الأهواء المزاجية فيه، يتم نقله حرفياً عبر وكالات الأنباء إلى يد وعين المتلقي، فلا يستطيع أحد اليوم الوقوف ضد سرعة انتشار الخبر أو العمل على تعتيمه في جميع أنحاء العالم، مثلما كانت تقع أخبار في منتهى الأهمية، إذ كان يتم التعتيم عليها لاعتبارات تهاوت الآن، وهذا على مستوى الأفراد قبل المؤسسات الإعلامية، لكن التدخل يكون في التغطية الناتجة عن وقوع الخبر، هنا تتدخل الأهواء الذاتية والعرج المهني الصحفي، فدائماً تهتم التغطية بالمكاسب والعلاقات الشخصية من دون الولوج مباشرة إلى الجوهر والمضمون، لأن هذا النوع من الصحافة ككروت شحن الجوال، مسبقة الدفع، أي أنه تم شراؤها من الذين تهمهم التغطية، أو التعتيم على التغطية أو غض الطرف ولو قليلاً عنها.
أما المواطن العادي الذي يمشي على قدمين، فليست له قيمة على الإطلاق في القضية سوى العمل على أدلجته وتوجيهه الوجهة المرادة، وإذا كان يرغب في الحقيقة التي لن يجدها بسهولة، فعليه البحث عنها بنفسه من خلال التقليب والتنقيب في المواقع الإخبارية على الإنترنت، ومواقع الصحف العالمية، فإذا كذبت التغطية في مكان، لا يمكن أن تكذب في كل الأماكن.. فمنذ سنوات ليست بعيدة جداً كانت تنتشر مقولة (إذا كنت في بيروت وأردت أن تعرف شيئاً حدث في القاهرة فاستمع إلى إذاعة لندن)، أما الآن فليس مهماً أين أنت؛ فالخبر -أي خبر- سيصلك أينما كنت قبل أن يرتد إليك طرفك.
لكن الصحافة العربية ومع الأسف (جلدها سميك)؛ بحيث تشعر بالوجع عند الحاجة إلى البتر فقط، ولا تهتم بالمصداقية التي تهم ملايين المتلقين الذين ينتظرون بشغف هائل هذه التغطيات ليقطفوا منها ما يفيدهم ويهمهم.
الصحافة تعد أداة من أدوات ممارسة الحرية الديمقراطية في مقابل القمع، باعتبار وجود ارتباط بين الدال والمدلول بلاغياً، فإذا ذُكِرت الحرية ذُكِرت الصحافة، هكذا كنَّا نتعلم في الماضي، لكن مع الاصطدام بالواقع، عانينا من السرقات الصحافية، ومن الكثيرين من منعدمي الضمير ومنعدمي الثقافة، ومن الدخلاء على الحقل (هبوطاً بالباراشوت) بفضل الواسطة التي لا تملك القدرة على التمييز، اللهمَّ إلا فئة قليلة جداً ممن بدءوا حياتهم بضميرهم الذي لا ينام، يبحثون وينقبون عن الحقيقة أينما وُجدت، وهؤلاء وما أقلهم في هذا التوقيت يواجهون احتمال الموت رمياً بالرصاص، أو بالتفجير، أو بالتشهير سيئ السمعة، ومَنْ يحيَ الآن يهاجمْ أو يتم قمعه، أو يضيق عليه بسبل كثيرة حتى تخرج صحافته عرجاء، لكنهم ماضون في طريقهم حاملين شموعهم وأقلامهم ليبصروا الطريق، ويُبَّصروا غيرهم من المتعطشين إلى المصداقية.
هذه الفئة القليلة جداً في عالمنا العربي هي التي بحق تستطيع أن تقول ما تفعل، وما تشاهد، ولا تكيل بمكاييل، أولئك هم حقاً أصحاب الرسالة الصحافية النزيهة التي تعمل على كشف المستور لعلاجه، وتقصي الحقيقة، وأسباب وقوعها، لا صحافة التشهير، والتضليل، والأغلفة العارية.
الصحافة العربية -الآن- في حاجة إلى إعادة نظر، وتنقيح الرؤى لتصحيحها، ثم بثها في ثوب جديد قبل أن تصبح كلها عرجاء، وتسير وفقاً للأهواء المزاجية... حتى لا تغيب عنها شمس الحقيقة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved