Thursday 29th June,200612327العددالخميس 3 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

أحسن الله لنا العوض فيك يا عبدالله أحسن الله لنا العوض فيك يا عبدالله
إبراهيم بن سعد الماجد



وما نحنُ إلا مثلهم غير أننا
أقمنا قليلاً بعدهم وترحَّلوا

بينما الموبذ عند المأمون بمرو وهو يكلِّمه إذا وردت عليه خريطة من الحسن فيها أخبار العراق، وموت ابن الموبذ، فقال المأمون: أحسن الله لك العوض وعليه الخلف! فأجابه بصالح الأدعية. فعجب المأمون، وقال: أتدري ما أردت؟ قال لا. قال: يقال إن ابنك مات، قال: قد علمت ذلك! قال ومن أين علمت ذلك والخريطة الساعة وردت؟ قال: قد علمت ذلك يوم وُلد!!
ذكرت هذا يوم رحيل ابن الخال (عبدالله بن محمد المهنا) رحمه الله المفاجئ لنا جميعاً، لقد كانت صدمة عنيفة استقبلناها بكل ألم وحزن وقد كنت أدور حول نفسي يوم تلقيت النبأ ليس لأنه رحل فجأة فحسب، بل كيف سأجد والده ووالدته؟ وكانت المفاجأة يوم دخلت فإذا والده كالموبذ، بل أشد صلابة وإيماناً! يا الله ما هذا الإيمان القوي؟! كأن شيئاً لم يكن لقد صار هو من يصبِّرنا بدل أن نصبِّره!! قيل لأحد الفلاسفة ما علة موت ابنك؟ قال وجوده!
هي الحياة آجال محدّدة لا يمكن أن نتقدَّم ولا نتأخَّر والكل راحل وإنما يختلف سبب الرحيل.


من لم يمت بالسيف مات بغيره
تعدّدت الأسباب والموت واحد

قيل للربيع بن خثيم في مرضه: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (38) سورة الفرقان. لقد كان فيهم أطباء فما أرى المداوي بقي ولا المداوى صلح! هلك الناعت والمنعوت له، لا تدعوا لي طبيباًَ!!
نعم الكل هالك والسعيد من أعدّ عدة هذا الرحيل بما يوصله إلى بر الأمان، قبل أن تقول النفس { يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}.
قيل لإعرابي: فلان مات أصح ما كان! فقال: أو صحيح من الموتُ في عنقه؟!


وما المال والأهلون إلا وديعة
ولا بد يوماً أن ترد الودائع

يروى أن الإسكندر لما مات وقف عليه أحد الفلاسفة فقال: طالما كان هذا الشخص واعظاً بليغاً، وما وعظ بموعظة في حياته أبلغ من عظته في مماته!
إن كل مصيبة إذا عُلم أنها مقدّرة قبل خلق الإنسان هانت عند من أيمانهم بالقدر خيره وشره صادق، لا إيمان الضعف والانهزام.


وإذا أتتك مصيبة تشجى بها
فأذكر مصابك بالنبي محمد

لما مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه رثاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:


ذهب الذين أحبهم
فعليك يا دنيا السلام
لا تذكرين العيش لي
فالعيش بعدهم حرام
أني رضيعُ وصالهم
والطفل يؤلمه الفطام

ولما توفيت فاطمة رضي الله عنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمثَّل عند قبرها فقال:


لكل اجتماع من خليلين فرقة
وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحدٍ
دليل على أن لا يدوم خليل

سبحان من له الدوام حي لا يموت قيوم لا ينام.
ذكر القضاء والقدر عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى في فيه، فرقم بهما باطن يديه وقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب.
ورحل صاحب الابتسامة المشرقة والخلق النبيل صديقي، بل صديق كل من عرفه فقد كان - رحمه الله - نبيلاً في خلقه سمحاً في تعامله واصلاً لرحمه ابتسامته لا تفارقه حتى في لحظات تكدر خاطره، رحيل مُرّ علينا وعلى كل من عرفه أو سمع عنه ولكن الذي يعزينا أننا نحسبه والله حسيبه من أهل جنات عدن رحمه الله عزَّ وجلَّ.
أخي (عبدالله) رحمه الله عرف بروحه المرحة التي لا تعرف إلا حب الآخرين ومحاولة إضفاء جو من الفرح والانبساط على أي مجلس يحضره، كان - عليه رحمة الله - كثيراً ما يمازح هذا وذاك بغية إسعاد الآخرين بأسلوب محبّب إلى النفوس، كان باراً بوالديه عطوفاً على زوجه وأولاده واصلاً لرحمه تقياً ورعاً ذو قار.
في يوم رحيله توافد المئات على منزل والده ويوم صلي عليه كان الحضور يُعد بالآلاف وأيام العزاء كان أيضاً شيئاً مهولاً وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عظم الفاجعة على الجميع وحبهم الكبير له (رحمة الله عليه).
ماذا أكتب وماذا أدع عن أخي الغالي (عبدالله)؟ أأكتب بحبر أو بدمع..؟؟ أأكتب معزياً أم معزى..؟ والله إننا في الحزن سواء على رحيلك أيها الغالي فلست ابن خال فقط، بل أنت أخ وصديق وحبيب وفقدٌ عظيم نحتسب الأجر من الله في رحيلك.
أيبكيك أبٌ عظيم الصبر تقي القلب أم تبكيك أمٌ أرضعتك الحب والحنان فهي صابرة محتسبة مسترجعة ترجو لك المغفرة ولها عظيم الأجر في فقدك. أم تبكيك زوجة كنت لها ملء القلب والبصر بمودتك ولطفك المشهود؟ أم صبية ثلاثة وأختهم الرابعة؟ أم أخوة كنت لهم الأنيس والصديق والحبيب؟ أم أبكيك.. (أنا) بحروف لو جاز لها أن تكون دموعاً لصارت.


أحسنت ظنك بالأيام إذا حسنت
ولم تخف غبّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي ما اغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر

وبعد..
ونحن مؤمنون كامل الإيمان بأن رحيل أي حبيب أو قريب أو بعيد كان في اللوح المحفوظ وما كان له أن يتقدَّم أو يتأخَّر نشعر بكامل الرضا بقضائه وقدره ونحتسب الأجر من الله في عظم الفاجعة ولا نقول إلا ما يرضي الرب - سبحانه وتعالى - {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
وختاماً:
إلى سلمان كبير القلب:
شكر الله لكم أيها الأمير الكبير بقلبه الكبير بحبه لأهله صاحب المواقف التي لا تُنسى مع جميع أبنائه وإخوانه في هذا الوطن الكبير.. شكراً أبا فهد على حضوركم غير المستغرب منكم.. حفظكم الله. شكراً لكل من واسى وعزَّى من علماء وأمراء ووجهاء وأحباب ولا أراكم الله مكروهاً وأعظم لكم المثوبة.
ولله الأمر من قبل ومن بعد...

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved