(كارثته المثلى أن أحداً لا يمر منذ ثلاثة عشر عاماً. اليوم تهطل بانطفاء سبقه ذبول عام حتى للمكان الذي ألف انطواءه عن الشمس والهواء، صارت الأشياء كائنات تعيش وتنبض بعشرة للجسد الخامل تماماً إلا أن رغبة أخيرة من يغيث شهوة تسيل من حجر).
دار صغيرة نأت لأطراف القرية تستفرد بها الريح كما تفعل الوحوش بالفريسة وهو بباطنها يرسم وجه الغراب من أزل الفقد.
سقف هرم تضطرب أطرافه على جدران ترهقها غبرة وفي غير محل من تلك الجدران تلتصق صور مهملة لعائلة تفرقت في المحن.
هذه العائلة كانت تقاسمه الدار ورغيف الحياة وكانت بعينيه غرس حلم أجفل طواعية ليأس مقيم لأنه لم يقدم شيئاً لأمانيها التي تعددت بتعدد وجهاتهم في الرحيل ووجهة الفراق لا تبدأ إلا بوجهة واحدة الشمال.
الشمال الذي قرض من أعمارهم الشيء الكثير وهم في انتظاره وردتان بأم غادرت لتبكر في الذهاب نحو الله قبيل تقاعده من الجيش بقليل صبر ونيف سؤال.
ثلاثة عشر عاماً ولا أحد يمر!
ويرقد للمعركة الأخيرة
بصره يشحذ رجاء من تلك الصور التي تحكي بعضه القديم ووجوها لم تعد تتعرف عليه لكونها لم تعد من ظلال غيابها البعيد.
ظلت الصور بحلل شاحبات وصلاتها من فوقه مشاهدة خرساء يحثها لمساندته الحديث معه في اللحظة الأخيرة.
من قبل لم يسكب عليها نظرة بحرقة وداع كهذاء المساء.
اليوم منية بلا احتفاء يذكر تحط هودجها بين رئتيه كأنها ذابلة في ذيل الزمن تجيء ليس لها مستقر غير هذا الجسد السخيف عظاماً بعد أن أكله داء السكر وكأنه لم يكن ذاك الجندي الهمام تضعضعت بجوانبه محفزات الأمل منذ أمد راح يربو عمراً جافاً ويقل صحة شيئاً فشيئاً.
الآن هو يذرع النفس الأخير زفرة زفرة جهد المكابدة يمد حشرجة مثلومة كسكين متعبة.
ظله المحبوس من خلفه يسجل الشهادة لنضاله إنه الوحيد في المكان حاضر وزيه العسكري الذي ينام في الجدار مصلوباً من ياقته الترابية كوجه الهزيمة لن يشفع له بتاريخ مجيد ويستمد من شبابه قدرة على النهوض.
انبلاج من جسد محتدم، ينذر باستمرار معركة.
أصابع تهمس في الباب الخارجي
والبصر يشارك في صورة العائلة ضراعة من هلع
إنه لا يستطيع معرفة الطارق
لقد أسعفه السمع بذلك الهمس
من هناك؟
يا إلهي!
رغبة أخيرة..
(من هناك.. البقال لا يمكن أن يمر في هذا الوقت، مضى وقت طويل جداً على مرور أحدهم في وقت غير مناسب كهذا لابد أنه قادم غريب).
بذلك يحدث من تجابه عناده في التشبث بالحياة.
فقط يريد أن يعرف ثم لهذه المنية أن تكمل شد القافية!
موثوق بثقل أسود لا يرى
الباب.. عليه تتكلم الأصابع سائلة ولو مواربة صغيرة!
أمنية واحدة فقط..
(أريد أن أعرف هل يحمل الطارق حقيبة؟
فلربما قفز أحدهم من إحدى هذه الصور
ليواري ألم غيابهم رمل اللقاء)
مهلهل الحيلة
والباب تصرخ فيه الأصابع الغريبة
ولا مندوحة من عجزه العظيم!
رغبته في محادثة الطارق قائمة
لكن من دونها مثابرة موت لا تبارح.
|