Sunday 2nd July,200612330العددالأحد 6 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"وَرّاق الجزيرة"

قصر ميثاء الأثري في نعام قصر ميثاء الأثري في نعام

تزخر بلادنا الحبيبة بالعديد من المواقع والآثار المجهولة التي لا يعرف عنها إلا القليل وتحتاج للمزيد من البحث والدراسة للكشف عن تاريخها من قبل الباحثين والآثاريين، ومن بين تلك الآثار والمباني القديمة المبنى المعروف بقصر ميثاء الواقع في بلدة نعام بوسط نجد، ذلك القصر المجهول الذي يلفه الغموض إذ لا يعرف بالضبط تاريخ بنائه ولا من تكون صاحبة هذا القصر المسماة ميثاء التي ينسج العامة حولها الأساطير، تلك المرأة التي ارتبط القصر باسمها.
المعروف عن هذا القصر أنه بني في ما قبل القرن الثالث عشر الهجري، وقد وقفت على هذا القصر في زيارة ميدانية يوم الخميس 20 من ربيع الثاني 1427هـ برفقة بعض من الزملاء الأكارم الذين أرشدوني إلى موقعه مشكورين، يقع قصر ميثاء عند بداية مدخل أحد الشعاب الجنوبية إلى يسار القادم لبلدة نعام من الحوطة، وقد سقط حائطاه الشمالي والشرقي بفعل السيول وعوامل التعرية فيما يظهر، وأما حائطاه الجنوبي والغربي فصمدا وهما في وضع جيد، وباب القصر ضيق ويقع في وسط الحائط الجنوبي، ولم أشاهد أثراً لجدران تشير إلى وجود غرف بداخله، ويوجد خارج القصر عدد من الآبار المستخدمة لسقي الماشية وأكثرها مدفون، وتوجد بعض الأملاك الزراعية شمالي القصر وقد حمل إحداها اسم القصر لوقوعه بقربه، والقصر مربَّع المساحة والتصميم وحيطانه يبلغ ارتفاعها ما يقرب من 6 أمتار، ويبلغ سمك جداره حوالي ربع المتر، واستخدمت الحجارة الصغيرة إلى جانب الطين في أساسات البناء بارتفاع متر واحد تقريباً، والملفت للنظر هو الدقة في تشكيل العروق الطينية للجدران ويظهر لي أن هذه الطريقة في البناء غير معروفة محلياً في نجد بل هي طريقة بناء وافدة من خارج المنطقة، وهي نفس الطريقة المستخدمة لبناء بعض أسوار المزارع في نعام التي شاهدتها خلال تجوالي في البلدة، سألت أحد كبار السن من أهالي نعام عن هذا القصر فأجاب بما معناه: (بأنه قصر قديم لا يُعرف عنه شيء، وهو عجيب البناء يجعل المرء يسأل كيف بناه الأولون، وأهل هذا الوادي كانوا يزرعون الحنطة ويأكلون منها ولباسهم منسوج من القطن الذي يزرعونه).
ومن الآثار الموجودة في نعام المرتبطة في نظري بقصر ميثاء ما يعرف بمجرى سيح نعام (عين الخريبية) وهو عبارة عن ساقي للمياه لا تزال بعض آثاره باقية لوقتنا الحاضر والبعض الآخر دفن ولم يعد معروفاً لكن يعثر عليه من حين لآخر عندما تحفر بعض الخزانات الأرضية للمياه وهو يسقي شعبان القيعة ثم الكلبة ثم السرحة ويجري حتى يصل للسوط بالحوطة، ماراً بمحاذاة الشعبان المذكورة وقاطعاً إياها.(1)
وإذا انتقلنا من نعام إلى بلدة الحوطة نجد كذلك ذكراً لقصر آخر يعرف بالقصير - تصغير قصر - ومن أجله مد هذا الساقي ليغذيه بالمياه من سيح نعام، وهو مربع المساحة، شبيه في البناء والتصميم بقصر ميثاء، وقال عنه الأستاذ المؤرخ علي بن سعود الصرامي: (القصير، بقايا قصر قديم مبني بين الحوطة ونعام أقيم على أكمة ليكون بعيداً عن جرف السيول)(2)، ولم يعط تفصيلاً أكثر، وفي وقتنا الحاضر لم يبق منه سوى أطلاله، سألت والدي - أطال الله بقائه - عنه فقال: (كنا نمر به مسافرين على ظهور الإبل من الحوطة إلى الرياض قبل ما يزيد على خمسين سنة وهو مقابل شعيب أبوسْحَرَة، ومجرى سيل الحوطة شرق القصر وقد رأيته قد سقط سقفه وما بقي منه سوى حواميه قدر المتر وبابه جهة الشمال والقصر مبني من عروق الطين على حزم، ويقال أن هذا قصر ميثاء امرأة ثرية من أهل نعام)(3)، وتقول الرواية المحلية المتداولة حول هذا القصر بأن زوج ميثاء كان حاكماً لوادي نعام والحوطة، وأثناء إقامته في هذا القصر كانت على وشك الولادة فاتفقت مع زوجها أن تضع أترجة في الساقي الممتد من نعام إلى الحوطة وهي مقيمة في قصرها بنعام لكي يحملها الماء إلى نهاية الساقي دلالة على أنها وضعت مولودها، وأنها فعلت ذلك وانطلق كذلك أحد الفرسان على فرس ليعلم زوجها بالمولود فوصلت الأترجة إلى القصر قبل الفارس، وفي رواية أخرى أنه كان يوضع لها ثمر الأترج في الساقي من قصرها في نعام ويصلها إلى قصرها الآخر في الحوطة الذي كانت تقيم فيه أيام الربيع عندما يخضر بطن السوط، وفي كلتا الروايتين إشارة إلى سيح نعام الذي ذكرته كتب التراث وإلى قوة جريان مائه ووجود علاقة بين القصرين.
ولا شك في أن القصرين لا يزالان مجهولان وارتبطا باسم امرأة مجهولة أيضاً، والسؤال الذي يطرح نفسه هل ميثاء فعلاً شخصية حقيقية كان لها وجود؟ وما الغرض من بناء القصرين ؟، لن يجيب على هذا التساؤلات سوى الباحثون والآثاريون المستعدون لبذل الجهود لكشف هوية هاذين القصرين وما يرتبط بهما من آثار أخرى.
وفي وجهة نظري أن هذين القصرين - كغيرهما من القصور والمباني الأخرى مثل: قصور وأبراج آل زامل في ماوان(4) - لا يعدوان كونهما حصنان لحامية عسكرية مبنية في عصر الخلافة العباسية أو بعدها في فترة الخلافة العثمانية والهدف من إقامة هذه القوة العسكرية هو حكم البلد وتأمين طريق قوافل الحجاج القادمين من جهات الأحساء المتجهين إلى بيت الله الحرام واستضافتهم وتوفير المؤن لهم والأعلاف لدوابهم، وأما ميثاء الذي تذكرها الرواية المحلية وحمل القصر اسمها فهي شخصية أسطورية ذكرت في إحدى الأساطير الشعبية المشهورة في الجزيرة العربية عن رحلة الضياغم وما جرى لهم من حرب مع سلطان مارد وهو قائد تركي في عهد بني العباس أراد الزواج من ميثاء أخت عمير بن راشد، وقد أشار إلى هذه القصة عبدالله العبودي عند حديثه عن قصر مارد الواقع في بلدة الأسياح.
وواديي نعام والحوطة (بَُريْك والمجازة سابقاً) معروفان عبر التاريخ فهما منطقة جذب للسكان لغناهما بالمياه والزراعة ولوقوعها على طريق الحجاج، وقد ورد ذكرهما في الكتب التي تصف المنازل والديار، نقل الشيخ عبدالله بن خميس في معجم اليمامة عن ابن الفقيه قوله: (وبالمجازة نهران، وبأسفلها نهر يقال له سيح الغمر وبأعلاها قرية يقال لها نعام بها نهر يقال له سيح نعام)(5).
وتحدث ابن فضل الله العمري وهو من أهل القرن الثامن الهجري عنهما فقال: (البَُريْك والنعام، قريتان في واد منيع إذا حصِّن مدخله بسور كان أمنع بلاد الله.
قال ابن عَرَّام: وإلى هذا الوادي أزمع تنكز سيف الدين أبوسعيد نائب سلطنة الشام على الهرب حين خاف من الملك الناصر. وعليه طريق ركب الحَسَا، وعليه ممر الركب من الحسا والقطيف. وفيه يقول بعضهم: لعللك توطيني نعاماً وأهله ولو بان بالحجاج عنه طريق)(6).
ورغم الأهمية التاريخية للقصرين فإنهما يعانيان الإهمال وعدم الاهتمام وبقية الآثار في محافظتي نعام والحوطة تحتاج إلى التفاتة وعناية لنحافظ على ما تبقى منها قبل أن تختفي بفعل عوامل التعرية أو تلتهما المزارع أو تتعرض للهدم والإزالة فنفقد بذلك جزءًا من ذاكرتنا التاريخية والأثرية.
ولعلي أختم حديثي بأبيات أوردها الشيخ عبدالله بن خميس في كتابه (من القائل؟) لأبي يعلى عبدالباقي المعري قالها عندما مر بقصور سِيَات قرب معرّة النعمان والناس يهدمونها ويأخذون أنقاضها:
مررت برسمٍ في سياتٍ فراعني
به زَجَلُ الأحجار تحت المعاولِ تنازعها عبل الذراع كأنما
رمى الدهر فيما بينهم حرب وائل أتهدمها شلّت يمينك خلّها
لمعتبر أو زائر أو مسائل
منازل قومٍ حدّثتنا حديثهم
ولم أرَ أحلى من حديث المنازل
وهذه الأبيات تنطبق على كل من تعرّض للآثار بالهدم والإزالة.
عبدالعزيز بن عبدالله المضحي
المصادر:
(1) موقع منتديات بلدة نعام على الإنترنت.
(2) الصرامي، علي بن سعود، حوطة بني تميم تاريخها وجغرافيتها، 1408هـ، ط1، 251 - 252.
(3) قصر ميثى الغامض، مجلة المها،ع4، يناير 2005م، 41.
(4) البراك، عبدالعزيز بن ناصر، الدلم في مائة عام 1320 - 1420هـ، ط1، 1425هـ،76 - 78، 80،408.
(5) ابن خميس،عبدالله بن محمد، معجم اليمامة، ط2، 1400هـ، 2- 419.
(6) العمري، أحمد بن يحيى، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار،تحقيق دوروتيا كرافوسكي، المركز الإسلامي للبحوث - بيروت، ط1، 1406هـ، 149 - 151.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved