كلنا يتحدث عن ضرورة الإسراع في عملية سعودة سوق العمل، وإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة في كل القطاعات، بعد أن أخذت أعداد العاطلين عن العمل شيئاً فشيئاً تتزايد ونسبتهم ترتفع سنة بعد أخرى، وبعد أن ضاق سوق العمل، الذي يكاد يكون مغلقاً، عن استيعاب آلاف الشباب الذين تخرجهم جامعاتنا ومعاهدنا المختلفة.
ولا أحد بالطبع يقف في وجه هذا الطلب العاجل والملح والهام للغاية، خاصةً وقد أصبحت مدننا أشبه ما تكون ببابل التي تتحدث بألف لسان ولسان، وأغرقها طوفان العمالة الوافدة، بل حتى العطالة الوافدة.
إلا أن للمشكلة وجه آخر، وهو في الحقيقة أخطر من مجرد سرقة فرصة العمل التي يجب أن تعود إلى ابن البلد. ويتمثل هذا الوجه الثاني في أن طوفان العمالة الوافدة الذي غطى كل مساحات السوق، يعمل، بهدوء لا يحس به أحد، ولا يشعر به أحد، على تغيير الخارطة الاجتماعية، وذلك عن طريق زعزعة منظومة القيم الاجتماعية وإحلال منظومة قيم هجين، تأخذ شيئاً من قيمنا وتخالطه بشيء من (القيم الوافدة) لتنتج في النهاية منظومة من القيم الهجين. فلا هي تعبر عن القيم الوافدة تعبيراً مكتملاً ولا هي تعبر عن قيمنا الخاصة تعبيراً كاملاً.
وليس طوفان العمالة الوافدة وحده هو المسئول عن هذه العملية الانقلابية في القيم، إذ إن الغزو الفكري والوجداني الذي يتعرض له المجتمع السعودي بكل قطاعاته وفئاته، عن طريق وسائل الإعلام والثقافة الشعبية في شاشات القنوات التلفزيونية والمجلات والأشرطة الموسيقية والإنترنت والكتب، يعمل بقوة على إجراء أكبر عملية غسيل دماغ جماعية تتعرض لها الشعوب، في ظل هيمنة الثقافة الغربية الأوروأمريكية وسيطرة آلتها الإعلامية الجاذبة العملاقة.
وإن ما تفعله هذه الآلة هو بالضبط عملية تفريغ وإعادة شحن فكرية ووجدانية لهذه الشعوب، إذ تقوم بتفريغها من مضامينها وهويتها الأصلية، لتشحن فكرها ووجدانها بمضامين ثقافية غربية تتشكل على ضوئها وعلى أساسها هوية جديدة، إلا أنها ليست غربية مائة في المائة. ولكنها في الوقت نفسه ليست هي الهوية القديمة ذاتها. وهكذا يمكن أن نسميها بالهوية (المسخ). التي لا تعبر عن ذات معينة.. ولكنها يمكن أن تعبر عن أي ذات أخرى.
إذن فالخطر يحدق بناء وبمجتمعنا من كل جانب. ونستطيع بشيء من الرصد المتأمل أن نلاحظ سمات، أو بعض سمات هذا التغيير الذي أخذ يصيب هوية مجتمعاتنا فى الكثير من المفاهيم والأنماط السلوكية.
ولعل الممارسات التي بدأت تطفو على السطح مثل الرشوة والمحسوبية والتحايل على النظم، وغيرها من الظواهر السلبية تصلح خير دليل على ما بدأ يعتري المنظومة القيمية والأخلاقية من تغيير، فقد كان المجتمع يزدري مرتكب هذه الممارسات وكانت من الأشياء المشينة المنبوذة، إلا أنها الآن لم تعد تُواجه بنفس القسوة والصرامة، بل إن البعض أخذ يجاهر بها، أو لا يستهجنها بالقدر الكافي من الإدانة الذي كانت تستهجن به، إذ أصبحت في نظر هذا البعض علامات (للفهلوة) والذكاء وسعة الحيلة.
وإن مَنْ يطالع صحفنا تصدمه يومياً هذه الأخبار التي أخذت تتزايد في السنوات الأخيرة عن الجرائم المختلفة التي تُرتكب. وإذا كانت الجريمة لا موطن لها، لأن المنحرف والمجرم هو ظاهرة ظلت تتكرر في كل المجتمعات، ومنذ فجر المجتمعات البشرية. إلا أننا لا نقيس كم ونوع الجريمة هنا بمثيلاتها في أمريكا مثلاً. ولكننا نقيسها مقارنةً بما كان عليه وضعها في المجتمع السعودي قبل عقدين مثلاً، وهذا هو القياس السليم. ودون الحاجة إلى أي دراسات، فإن هذا الارتفاع الكبير في معدلات الجريمة في السنوات القليلة المنصرمة، أوالعقد الأخير من القرن الماضي ينبئ بأن ثمة تغييراً طرأ على المنظومة الاجتماعية، وهذا التغيير لا بد أن يكون شاملاً: أي اقتصادي، ثقافي... الخ، ليعزز مثل هذا التحول على مستوى القيمة والأخلاقيات والمعايير.
وبمراجعة لحساب الربح والخسارة لهذه الظاهرة لا بد أن يكون التغيير شاملاً وعميقاً حتى تصل تأثيراته إلى مستوى الضمير الأخلاقي، لأن هذا الضمير الأخلاقي هو البوصلة التي تحدد للإنسان معياريته الفكرية والسلوكية، وأنها المحكمة الداخلية للفرد التي تحدد له (مشروعية) أفكاره وسلوكياته. أي هي التي تحدد للفرد مدى مطابقة أفكاره وسلوكياته لقوانين وأعراف مجتمعه.
ونتيجة للعوامل الاقتصادية وتطوراتها المختلفة، وكذلك العوامل الثقافية التي تغذت من رافدي: الغزو الثقافي وطوفان العمالة الوافدة، لم تتغير فقط أشكال الحياة المعيشية اليومية فحسب، ولا نمط الحياة عند الفرد والمجتمع نتيجة لعملية التحديث الشاملة التي شهدتها المملكة بدءاً من الوفرة التي طرأت عام 1973م فقط، بل طال التغيير حتى منظومة القيم الاجتماعية، والمعايير الأخلاقية. وتجد مَنْ عايشوا المجتمع قبل (الوفرة) وبعدها يكاد يصيبهم التحسر والحزن على ذلك الزمن الجميل، رغم أنهم كانوا حينها يعيشون حالة أقرب إلى الفقر والعوز، وكانت حياتهم شاقة وصعبة، ولكنها كانت تستقر على أسس ثابتة راسخة، ويحسون بأننا مقابل ما أخذنا من وسائل حديثة، ومساكن مهيأة صيفاً وشتاءً، ومقابل الرفاه المادي، فقدنا أشياء هم يحسون بأنها كانت أقيم وأغلى مما كسبنا. فقد خسر المجتمع ذلك الدفء الذي كان يستمده الفرد من المجموعة، وفقدنا العلاقات الإنسانية الحقيقية، لتحل محلها هذه العلاقات المادية المصلحية القاسية، والمشوهة، الكاذبة.
والملامح الضائعة ربما تكون مآل كل المجتمعات، وثمن التطور الذي تدفعه مقابل تشابك العلاقات، وتعدد مستوياتها وتنوعها وتعقدها، إلا أن الشيء الذي لا مجال إلى تبريره هو هذا التشوه الذي لحق بالمجتمع فلم يعد هو ذات المجتمع. إذ عدا اللباس - الثوب والعقال - لم يعد هناك شيء في حياة الناس يخبر عن هويتهم، لا على مستوى التفكير، ولا على مستوى السلوك. وينطبق الشيء نفسه على النساء والأطفال؛ بل إن الأطفال هم التجسيد النموذجي لفقدان الهوية، فلا اللسان ولا الملبس، ولا المأكل، ولا الذوق الجمالي، كل هذا لا ينتمي إلى مجتمعنا السعودي الأصيل. وهذا بشكل أساسي يعود إلى أن طوفان العمالة الوافدة لاحق المواطن وتسلل إلى مطبخه ومرقده وكل زوايا البيت، وترك في كل زاوية بصمةً قد لا تزول، خاصةً بعد أن تسللت وشكلت وجدان أطفالنا الذين تركناهم تحت رعاية الخادمة. كل هذا يزيد من مسؤوليتنا في تغيير هذا الوضع المائل وإعادته إلى الوضع الصحيح.
لذا فإننا علينا حين نتحدث عن السعودة أن نضع في اعتبارنا أن حياتنا الآن أصبحت مشوهة بعد أن تشوهت هويتنا.. وأن السعودة، قبل أن تعني إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة لتوفير فرص العمل لأبنائنا لتصب أموالنا في جيوبهم بدلاً من جيوب الوافد.. يجب أن تعني سعودة الحياة.. أي أن تعيد إلى حياتنا ملامحها التي كادت تضيع، أي أن نجعل حياتنا حياة سعودية، فَمَنْ يعيد لنا ملامحنا؟؟!!
* أكاديمي وكاتب سعودي
|