من أخطر القضايا التي واجهت الإنسان قديماً وتواجهه اليوم هي النظر إلى دور العقيدة في الحياة، فقد كانت هذه القضية مصدر خير وفلاح وسعادة وتقدم لأمم رعتها حق رعايتها واتبعت هداها، والتزمت قيمها وحدودها.
فالإيمان بالله عز وجل هو الغذاء الكافي لقوى النفس في الإنسان، وهو المداد الخالد لحيويتها وتفتحها وإشراقها، وليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوته، أو تدانيه في ضمان استقامة الفرد ويقظة ضميره ومتانة خلقه، ثم تماسك المجتمع وتضامن أبنائه وتعاونهم على الخير والبر. وسر ذلك أن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست أنظمة الأمم والجماعات مهما بلغت من الدقة والإحكام والمراقبة والتنظيم بكافية وحدها بمعزل عن العقيدة لإقامة حياة فاضلة كريمة تحترم فيها الحقوق وتؤدى الواجبات على وجه مقبول، فإن الذي يقوم بواجبه خشية العقاب لا يلبث أن يسيطر عليه الإهمال متى أطمأن إلى أنه سينجو من العقاب.
ومن أجل هذا كان لا بد من العقيدة في الحياة لتملأها بالخير والصدق والحق والاستقامة، بل إن الحياة بغير عقيدة ضياع وعبث وقلق مستمر ثم نهاية ومصير بائس. وقد قال الله عز وجل لبيان شأن العقيدة في الحياة وأثرها في مهمة الإنسان منذ خلقه لعمارة الأرض:
(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (سورة طه 123 - 127)
وإن من فضل الله علينا أن أكرمنا بهذا الدين الذي جاء هدى وموعظة ونوراً يضيء لنا معالم الطريق ويدلنا إلى كل خير وفلاح ويصل ما بيننا وبين المثل والقيم الرفيعة بأوثق سبب وأشرف نسب حتى نكون دائماً على بصيرة واعية في هذه الحياة.
ولا شك أن صلة الإنسان الدائمة بربه بقوة الإيمان واستقامة العمل دعامة ذلك كله، فإذا كانت هذه الصلة صحيحة قوية دائماً تحرك فكر الإنسان وضميره في رحاب الحق والعدل فلا انحراف عن الهدى ولا ضياع في الغفلة والأهواء. وبهذه يستحق أن يكون ممن ينال الدرجات العالية والثواب الجزيل.
وإن هذه الصلة بالله تغمر بالاستقامة والخير كيان الإنسان كله، فهي تنبثق كالنبع المتفجر من فطرته الطيبة التي فطره الله عليها، شأنها في ذلك شأن العين الجارية التي تفيض بالماء على الأرض، فتشيع الحياة في أرجائها وتنبت وتزهر وتثمر وينتفع بها الإنسان والحيوان والطير.
ويتطلع المسلمون اليوم إلى وضع يكونون فيه أحسن حالاً وأكثر صلابة وعزماً وأشد قدرة على تخطي الأزمات. وإذا كانت وسائل العلاج متعددة فإن ثمة حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أحد وهي أن الطبيعة الأصلية لهذه الأمة أنها عقيدة مبناها التوحيد الخالص الذي حررها من الخضوع لغير الله وأنقذها من التمزق والتخلف والفساد إلى قمة الوحدة والتقدم والاستقامة. وهي أمة نظام كامل شامل شرعه الله للناس كافة، فهو منهاج حق وعدل ومصدر قوة لا تضعف. وفي ذلك يقول عز جلاله:
(قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة 15 - 16).
وإن أمة شعارها (الله أعلى وأجل) لا يمكن أن تغلب ما آمنت بهذه العقيدة، وعملت بمقتضاها، وكافحت لإعلائها وجاهدت تحت رايتها.
قوله عز وجل: (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (21) سورة يوسف.
(*) عميدة كلية التربية للبنات بالأحساء (الأقسام الأدبية) |