Sunday 16th July,200612344العددالأحد 20 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"وَرّاق الجزيرة"

مجلة الدارة والتألق التاريخي مجلة الدارة والتألق التاريخي
عبدالرحمن بن محمد العقيل

مجلة الدارة مجلة فصلية محكّمة تصدر عن دارة الملك عبدالعزيز، وهي من المجلات الرائدة في المملكة التي تعنى بنشر البحوث والوثائق والترجمات التي تتعلق بتاريخ المملكة العربية السعودية وجغرافيتها وآدابها وآثارها الفكرية والعمرانية بخاصة، والجزيرة العربية والعالم العربي والإسلامي بعامة.
وشهدت المجلة - وتشهد - تطوراً مستمراً في شكلها وفي مضمون ما تطرحه، وذلك ما يجعلها تستوعب كل المستجدات الثقافية في إطارها التاريخي.
ويذكر ويشكر - في هذا الجانب - هيئة تحرير المجلة، وعلى رأسها رئيس التحرير الدكتور فهد بن عبدالله السماري، على الجهود الحثيثة التي يبذلونها في تطوير المجلة التي أصبحت مصدراً أولياً لكل من يتناول تاريخ المملكة والجزيرة العربية.
ويبقى التساؤل الأهم: متى تدخل مجلة الدارة المجال الرقمي، فتصدر في قرص مدمج ينتقل به الباحث من صفحة في السنة الأولى أو الثانية أو الثالثة إلى صفحة في السنة الثلاثين في ثوانٍ معدودة.. فهذا مما يخدم العدد الأكبر من القراء الذين لا يملكون الأعداد السابقة من المجلة، ويتأكد هذا إذا عرفنا أن المجلة لا تسعى إلى الربح المادي من طبعها، فسعر العدد من المجلة هو خمسة ريالات، على الرغم من تميّز نوعية الورق المستخدم في الطباعة، ولابد أن كلفة البيع أقل من كلفة الطباعة.
***
وبين يدي (العدد الثاني - السنة الثانية والثلاثون 1427هـ) الواقع في (255 صفحة).
افتتح العدد بحوثه ببحث (العالم الأثري الشيخ صالح الفلاني وجهوده السلفية في المدينة المنورة 1166 - 1218هـ/ 1753 - 1803م) كتبه الدكتور محمد بيومي، شغل هذا البحث الصفحات (9 - 58) في ترجمة هذا العالم الذي أسس مدرسة إصلاحية في المدينة المنورة سعتْ - فيما سعتْ إليه - إلى فتح باب الاجتهاد ونبذ التقليد والتحذير من البدع والخرافات التي عَلِقَتْ بالدين.
والشيخ صالح الفلاني نسبته إلى القبيلة الفلانية، وهي قبيلة رعوية حامية من البربر استقرت في منطقة شرق أفريقيا.. ولكن الباحث الدكتور بيومي يقول: (ينسب المؤرخون وكُتّاب التراجم الشيخ صالح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويشكك في هذه النسبة بعض الباحثين على أساس أن القبيلة الفلانية في الأساس حامية بربرية، وليست عربية، وبالتالي تستبعد المصادر التاريخية هذه النسبة).
هكذا، ولم يذكر الباحث أيّاً من كتب التراجم التي تنسبه إلى عمر.. ثم يقول: (إلا أنه بالرجوع إلى الروايات التاريخية يتضح أن النسبة إلى عمر بن الخطاب تبدو صحيحة وحقيقة تاريخية).
ثم احتج الباحث لرأيه بأن عقبة بن نافع أرسل جيشاً اختلط بالقبائل في بلاد السودان، ومنها القبيلة الفلانية، وتزاوجوا فيما بينهم، ولا مانع من أن يكون الشيخ صالح من أحفاد أحد الجنود العرب المسلمين.. كما احتج بأن الشيخ صالح نفسه رفع نسبه إلى عمر بن الخطاب.
هذا ما ذكره الباحث من دعاوى، والحقيقة أن أنساب الناس لا يؤخذ فيها بالدعاوى ولعل وربما، والشيخ صالح الفلاني - في نهاية الأمر - من البربر، وليس من العرب، وقد يكون في استيطانه المبكر للمدينة المنورة ما حفّزه ليلصق نفسه بالعرب ولو زوراً! وقد يكون هناك من زيَّن له هذه النسبة ممن يلفّقون الأنساب.
والباحث بيومي في دفاعاته عن الفلاني يبالغ في الحماسة حتى يتقمّص شخصية الفلاني نفسه، وقد يتخذ موقفاً سلبياً في تعامله مع الأفكار، ومن ذلك شخصية الشيخ محمد بن سنة الفلاني (المعمّر) التي أنكر حقيقة وجودها بعض العلماء كالغماري، وقد بقي ابن سنة - بزعم تلميذه - يقرأ الكتب الكثيرة وهو في الأربعين بعد المئة من العمل!؟.
وفي الصفحات (59 - 114) يأتي البحث الثاني (مآل المخطوطات النجدية بعد سقوط الدرعية) للأستاذ حمد بن عبدالله العنقري، وكان حقّ هذا البحث أن يكون أول البحوث؛ لأنه أنفس محتويات العدد بإطلاق وأغناها وأكثرها إثارة.. وهو جزء من دراسة شاملة أعدّها الباحث العنقري، وستصدر قريباً ضمن إصدارات دارة الملك عبدالعزيز، كما ذكرت المجلة، ولا شك أن دراسة العنقري سيكون لها شأن كبير بين الباحثين؛ وذلك لريادتها في كشف مصير مئات المخطوطات النجدية التي كانت متوافرة في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - حتى استيلاء الجيش العثماني على الدرعية وهدمها عام 1234هـ/ 1819م؛ فقد ارتكبت القوات الغازية جنايتها الشنيعة على المخطوطات النجدية، وانتهت إلى فقدان عدد من تلك المخطوطات التي كانت متوافرة آنذاك في منازل العلماء ومكتباتهم، إذ جمعت قوات الجيش العثماني عدداً وافراً من المخطوطات النجدية ونقلتها إلى المدينة المنورة، وفُقِدَ جزء مما نُقل.
ويشير العنقري إلى أنه على الرغم من ذلك إلا أن بعض العلماء النجديين نقلوا مكتباتهم خارج نجد، كما أن بعض الأسر العلمية احتفظت ببعض المخطوطات النجدية إلى اليوم.. ويتضمن البحث قائمة ببعض أسماء المخطوطات النجدية الباقية إلى اليوم في المكتبات العامة مما سَلِمَ من الضياع.
وقد بدأ الباحث بحثه بالحديث عن نشاط علماء نجد وعنايتهم بجمع الكتب ونسخها، وركز على أهمية عمل النساخ واحتراف عدد من العلماء في نجد لهذه المهنة.. وتتبع الباحث أسماء مجموعة كبيرة من علماء نجد ممن عُرفوا بكثرة نسخ الكتب كالشيخ عبدالرحمن بن عتيق، وعدد من آل إسماعيل، والشيخ عبدالله بن محمد بن بسام، والشيخ سليمان بن علي آل مشرّف (جد الشيخ محمد بن عبدالوهاب)، وغيرهم.
كما تناول الباحث قيام المكتبات الشخصية في نجد، وموضوع إعارة الكتب.. إلى أن وصل إلى موضوع بحثه (مآل المخطوطات النجدية بعد سقوط الدرعية) مستعرضاً العوامل التي كانت لها علاقة مباشرة بانتقال الكتب والمخطوطات خارج نجد أو بقائها فيها، وهي: أولاً: الحملات العسكرية العثمانية ودورها في فقدان المخطوطات النجدية.
ثانياً: نقل القوات العثمانية المخطوطات النجدية إلى خارج نجد.. فقد جمعت القوات العثمانية مجموعة كبيرة من المخطوطات النجدية، فصودرت مجموعات، وأحرقت ونهبت مجموعات، ونقلت مجموعات أخرى إلى المدينة (منها ما بقي فيها، ومنها ما أعيد إلى نجد، ومنها ما خرج إلى أمريكا وأوروبا وتركيا).. وكان مجموع ما نقل إلى المدينة (992 مجلداً) من المصاحف وأجزاء المصاحف والكتب، فأودعت الكتب في المكتبة المحمودية، ووزّعت المصاحف على أهالي المدينة المنورة!!.
ثالثاً: قيام بعض العلماء النجديين بنقل مكتباتهم إلى خارج نجد.
رابعاً: احتفاظ بعض الأسر العلمية ببعض المخطوطات النجدية وبقائها إلى اليوم.
وشغل الصفحات (115 - 156) بحث الدكتور إبراهيم الشتوي بعنوان (المكان الروائي في (سقيفة الصفا)، وهذا البحث أبعد ما يكون عن مجلة الدارة لا في شكلها ولا في مضمونها، ويحسب على المجلة نشرها مثل هذا البحث البعيد تماماً عن الموضوعات التي تهتم المجلة بنشرها.
وبعد ذلك يأتي البحث الرابع من مجموع بحوث العدد للدكتور سالم بن طيران بعنوان (أسماء أعلام عربية جنوبية قديمة: دراسة في مدلولاتها اللغوية والدينية) الذي شغل الصفحات (157 - 192)، والبحث يدرس أسماء الأعلام المركبة التي يكون أحد أجزاء العَلَم اسماً لمعبود من المعبودات القديمة، أو ما يدل عليه من الصفات التي أطلقها الناس عليها، وعرفوها عنها كالحماية والمحبة والشفاء من المرض، ومنح الخير والبركة ونحو ذلك.
ويكشف هذا البحث جانباً من أوجه الثقافة الدينية في مجتمع جنوب الجزيرة العربية القديم، التي تستمد من النقوش المكتشفة في جنوب الجزيرة العربية.
ونذكر مثالاً كاشفاً من بحث الدكتور ابن طيران، يقول: "هـ ح ي ث ت: ومعنى الاسم (هَحيَ عَثت) في هذه الحالة يكون (أحيا - المعبود - عثت) أي: أن المعبود عثتر قد منح الحياة (ربما لصاحب الاسم أو المولود).
ويأتي العَلَم هـ ح ي ع ث ت في النقوش السبئية بصيغة أخرى هي هـ ح ي ع ث؛ كما نجد عَلَماً شبيهاً له في النقوش الحضرمية هو هـ ح ي إل، هحيا إل بمعنى (أحيا الإله).
وعثتر (أو: عثت، عث، عت في أسماء الأعلام) من المعبودات الأساسية عند عرب جنوب الجزيرة العربية ومن أكثرها انتشاراً، ويُعدّ الركن الثالث من أركان الثالوث الكوكبي المقدس في ديانة اليمن القديم، فهو يمثل كوكب الزهرة أو نجمة الصباح ونجمة المساء، وارتبط في تصور عرب الجنوب بالخصب والخير والمطر والسقاية والزراعة، وبحماية المعابد والمقابر والمنشآت الخاصة والعامة، واحتلّ مكانةً عظيمة جعلته في الفترة التاريخية المبكرة يقف على رأس مجمع الآلهة في سبأ ومعين وقتبان وحضرموت.
وهكذا يمضي الباحث في تتبّع مجموعة كبيرة من أسماء الأعلام المركبة.
ويعرض الدكتور سهيل صابان في الصفحات (193 - 206) في باب الوثائق لوثيقتين عثمانيتين حول الاتصالات بين الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود والسلطان العثماني سليم الثالث، وتعود الوثيقة الأولى إلى عام 1212هـ/ 1797م، كما تعود الوثيقة الثانية إلى عام 1216هـ/ 1801م.
ويأتي في باب البحوث المترجمة في الصفحات (207 - 248) ترجمة لتقرير الكولونيل إس.
بي.مايلز بعنوان (من رحالة شبه الجزيرة العربية: الكولونيل إس.بي. مايلز ويوميات رحلة في عمان) ترجمة محمد همام فكري.. وقد كتب مايلز يوميات رحلته عبر وادي الطائيين في عمان، وقد مرت الرحلة بمرحلتين: الأولى حول مسقط، والثانية في المنطقة الشرقية من عمان إلى وادي الطائيين.. وواجهت هذه الرحلة بعض المخاطر جراء الأمطار، واجتياز بعض المنحدرات الوعرة، وقد رصدت الرحلة كثيراً من المواقف مع بعض أهل القرى والمدن التي مرّت بها، بالإضافة إلى وصف بعض المظاهر الجيولوجية والجغرافية.
وينتهي العدد بباب ملخّصات بعض الكتب، وأراها تسمية خاطئة، والصحيح (عروض الكتب) أو (جديد الكتب)، ويؤخذ على هذا الباب أنه يعرض لكتب صدرت قبل أربع سنوات أو ثلاث سنوات، والأولى أن يعرض لكتب صدرت حديثاً (في عام نشر المجلة)، وفي هذا خدمة للقارئ وتنبيهه إلى جديد الكتب.
***
وختاماً، أتمنى على إدارة تحرير مجلة الدارة أن تعيد النظر في جانب من أسلوب الإخراج المتبع الذي يشوّه أسطر الصفحات، أعني تلك العناوين باللون الأحمر التي تقطع الأسطر وتمتدّ إلى الحاشية، كالذي في الصفحات (48، 67، 129، 162، 194، 218) وغير ذلك، فهذه العناوين أليق بالصحف وبعض المجلات، وهي لا تليق يقيناً بمجلة محكّمة مثل مجلة الدارة، ولا ينتفع بها الباحث الجاد في شيء أبداً.
ويلاحظ على مستوى الإخراج أيضاً صغر حجم بعض مصورات الوثائق بطريقة مزعجة، وجعلها في إطار يمتدّ إلى الحاشية، كالذي في الصفحات (66، 83، 91، 101) وغير ذلك، والأولى أن يتمدّد إطار الوثيقة المصورة على مستوى السطر كله.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved