Wednesday 26th July,200612354العددالاربعاء 1 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

مجلس التعاون .. شظايا حروب لبنان مجلس التعاون .. شظايا حروب لبنان
بقلم السفير: عبدالله بشارة

رغم الجمال الجذاب للطبيعة في لبنان، ورغم حيوية شعبه، وخيالية أفراده وشطارتهم في الحياة، تظل السياسة في لبنان أكثر الطرق الوعرة في طبيعته وأعقد الممرات في مسالكه الرسمية، وأكثر إفرازاته تلوثاً وفساداً، وحياة لبنان السياسية شيء مختلف عن سحر لياليه، وإبداع مواطنيه، كما يقول الكاتب اللامع سمير العطا الله في صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الأربعاء الماضي 19يوليو الجاري (يرى المواطن أمامه سيركاً ومهرجين وكذبة.. ويدرك أنه عاجز عن أي شيء. فالسيرك في مكان وهو في مكان آخر وبلد آخر ومصير آخر).
هذا السيرك جلب إلى لبنان حياة ملونة بكل لون، نسمعها في مداخلات المؤيدين والمعارضين، نشاهد من يدافع عن سوريا وحزب الله، ونقرأ لمن يعاني من تفرد حسن نصرالله الذي أنشأ امبراطورية صغيرة أقوى من لبنان، وأوسع من طموحاته، وأكبر من قدرته، بمساعدة مالية ثابتة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تحالفت استراتيجيا مع حزب الله في لبنان، وتمكنت بفضله من ممارسة دور مؤثر في أحداث الشرق الأوسط يصل إلى داخل الضفة الغربية وإلى الأردن ويتداخل في الشأن الفلسطيني، ويمارس نفوذاً ضخماً في دمشق.
هل معقول أن يقبل شعب لبنان وحكومته بالتعايش مع سيادة مخترقة، ومع قوة حزبية مسلحة تخدم مصالح إيران، ولا تراعي مصالح لبنان، وتتجاهل ظروفه.
هذه مشكلة لبنانية في بدايته وعربية في تداعياتها وإيرانية في خططها، وراديكالية في أهدافها. لم يستطع وزراء العرب في اجتماعهم الطارئ أن يتصدوا للواقع اللبناني المؤلم والمخترق لأن الذين شاركوا يختلفون في المصالح والأولويات والأجندات.
يقول وزير خارجية العراق في لقاء مع صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الأربعاء الماضي: (هناك قوى تحاول التحكم بقرارات دول المنطقة وجرها لأهداف وغايات هناك حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، وجيش المهدي في العراق) ويشير إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي شارك فيه منتقداً الدعوة إلى التجييش والشعارات والضجيج.
ونوجز ملاحظاتنا بما يلي:
أولاً: في الظروف الساخنة التي انعقد فيها مؤتمر وزراء الخارجية في القاهرة، وفي الوضع العربي المنقسم والمتباعد في اجتهاداته، كنت أتصور أن تتم مشاورات واتصالات بين دول مجلس التعاون للاتفاق على موقف عام ليس بالضرورة متطابقاً وإنما متقارباً، يمكن هذه المجموعة القوية والتي تتمتع بمصداقية كبيرة أن تتحكم في مسار المداولات وترسم طريقة إلى نهاية واقعية ومريحة للجميع، فهي التي يصدر منها الصوت المقبول إقليمياً وعالمياً، وهي التي تقدر أن تسكت السيرك اللبناني الذي يغني فيه سياسيو لبنان، كل واحد لبلد وكل واحد لمشروع وكل واحد لكرسي بينما لبنان يئن فقراً وخوفاً - كما يقول الكاتب سمير عطا الله.
لم تتم المشاورات الخليجية التي كانت النهج المتبع، وذهبت وفود الخليج باجتهادات مختلفة وقراءات متباينة، وحماسات وأناشيد غير معتادة.
كان موقف الأمير سعود الفيصل واضحاً يناصره الوزير الكويتي الحريص على التنسيق والخارج من معاناة الاحتلال والعارف بإشكالية الحروب، ويشاركه الوزير البحريني العقلاني في دفاعه عن شرعية الدولة اللبنانية مثل أية دولة أخرى تعالج شرعيتها حكومة واحدة وليس منظمات بولاءات خارجية.
شاهدت الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني - النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير خارجية قطر - في أعقاب الجلسة يتحدث إلى الصحفيين في فناء مبنى الجامعة العربية، كانت مفرداته نارية، وعباراته ثورية، وتعاطفه مع حزب الله يشجع الذين جاءوا بترسانة ضخمة من الشعارات الحماسية التي تزيد مصائب لبنان ولا تعالج جذور المأساة.
وشعرت أيضاً بالزعل عند مشاهدتي في المساء شخصيات على لائحة كوبونات صدام حسين النفطية المشهورة تظهر على قناة الجزيرة طعنا وقذفا لمواقف المملكة العربية السعودية شاهدت السيد واكيم يستعرض بالأرقام مبالغ السعودية إلى أفغانستان وحجبها عن فلسطين، مع إعطاء الضيوف من هذا النوع الوقت الواسع لاستخراج كل أكياس الحقد على أهل المملكة.
ما هي المصلحة الخليجية في هذا النوع من التغطية الملتبسة؟ وما هو النفع الذي تجنيه هذه المواقف لصالح مجلس التعاون؟ أتصور حجم الدمار الذي ينتج عن هذا الأسلوب على مسيرة مجلس التعاون التي تعاني الكثير من الفتور.
يقول الكولونيل ديكسون في مذاكراته - الكويت وجاراتها - في صفحة 488 عندما زار الملك عبدالعزيز في مدينة الرياض في أكتوبر 1937م بأن الملك تحدث ساعة ونصف عن فلسطين وعن خراب سياسية بريطانيا - يقول له الملك: (يا ديكسون متى ستدرك حكومتك في لندن أننا نحن العرب يمكن لأي شخص أن يأسرنا جسداً وروحاً بكلمة طيبة أو صنع جميل، ولكننا نتحول إلى أعداء لا نعرف الهدوء أو السكينة أبد الدهر لكل من يعاملنا بجفاء أو يحيد عن العدل في علاقته بنا).
يكفي الأمير سعود أن يقرأ محضر ذلك اللقاء الذي تم في الرياض في عام 1937م ليستذكر الالتزام التاريخي للمملكة بالشأن الفلسطيني.
ثانياً: الخطر الأكبر الذي يواجه دول الخليج في خططها المستقبلية وفي تصميمها على التطور السريع هو التحالف الإيراني - السوري مع حزب الله وحماس والمنظمات الفلسطينية الراديكالية الأخرى، وهو ائتلاف تلعب فيه إيران الدور المؤثر وتستفيد فيه سوريا في ممارسة الدور الإقليمي، وترتكز عليه حماس في التآخي الثوري مع حزب الله، ويتمتع الحزب بشرعية لبنانية في الجغرافيا وفي السياسة ويتحرك وفق قراءات وقناعات لا علاقة لها بمصالح لبنان.
ومن المصلحة الخليجية أن ينفرط هذا التحالف ويتلاشى فأبرز أهدافه هو تقويض العملية السلمية في فلسطين، ومقاومة استعادة لبنان شرعيته، وممارسة التصدي للوعي الواقعي والتوجه العقلاني البناء في المنطقة، وهذا التحالف له أنصاره خارج دائرة الأعضاء، له دعم من جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن والخليج وله دعم من بقايا الأحزاب القديمة مثل البعث والقوميين والناصريين.
وليس من مصلحة الخليج أن يرى انتصاراً للتطرف سواء في لبنان أو في غزة أو الضفة بل المصلحة هي الترابط مع المجتمع الدولي ودعم مساعي مجلس الأمن والالتزام بالشرعية الدولية وقراراتها.
ونلاحظ بأن قرارات مجلس الجامعة العربية منسجمة مع هذا التوجه ومتناغمة مع مواقف الشرعية الدولية بسبب المداخلات القوية لجبهة الاعتدال العربية.
نتائج معركة لبنان الحالية ستفرز الكثير من المواقف وسترسم خريطة جديدة غير التي نعرفها وكل ما نتمناه أن تتجاوب الجهات اللبنانية خاصة حكومة لبنان مع هذه التحولات التي ستكون لصالح الشرعية في لبنان وستنهي وبشكل بارز الوضع الشاذ الذي يتيح العيش لحكومات متنوعة داخل حكومة لبنان.
رابعاً: لابد للمسؤولين في مجلس التعاون معالجة الوضع المتباعد في السياسات وفي الإعلام وفي المواقف والواضح أن هذه السياسة ليست اجتهادات أو قراءات مختلفة، وإنما هي انعكاس لمواقف حادة وتوترات في العلاقات أحياناً تنساب بهدوء وفي معظم الأحيان تظهر في بيانات صاخبة لا تريح أعضاء المجلس.
قوة مجلس التعاون في وحدة مواقفه؛ فهو يملك الطاقة التي ترسم القرار العربي، وتغذي المواقف العربية وتمنح الجدية لهذه المواقف وتوفر الاحترام والقبول لدى المجتمع الدولي، كل ذلك مشروط برساخة وحدة الرأي وتلاقي وجهات النظر.
علينا الوضوح بأن إخراج المنطقة لا سيما في لبنان وفلسطين من نفوذ إيران وتطويق التطرف هو لصالح الخليج ومصالحه، وعلينا الوضوح أيضاً بأن دعم السيد ابو مازن وحكومة لبنان الموحدة واستعادة شرعيتها ودعم حكومة المالكي في العراق كلها مسارات تمنح القوة لمجلس التعاون وللاعتدال.
وأعتقد أن التباعد بين دول المجلس ضربة للنهج المعتدل، يضر بمواقف الأردن ويزعج مصر ويضعف السلطة الفلسطينية ويحرم دولة مثل سوريا من الثقل السياسي الخليجي في عواصم العالم.
شظايا حروب لبنان وصلت إلى مجلس التعاون والمطلوب من الحريصين على السلامة الخليجية خاصة في الكويت الاهتمام بالواقع المؤذي الذي يجب معالجته قبل أن يستفحل.
جوهر حروب لبنان يتمحور حول النظام الإقليمي، حزب الله يتحداه وإسرائيل تسعى لاستبداله والعالم في الانتظار يراقب.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved