(لا.. لست نادمة على شيء.. أي شيء
لا الخير الذي قدم إلي، ولا الشر.. كل شيء يتساوى عندي
أشعلت النار في ذكرياتي.. أحزاني وأفراحي، لم أعد أحتاج إليهم
تخلصت من الماضي وعدت إلى نقطة الصفر لكي أبدأ في حبك)
***
أغنية للمطربة (أديث بياف) غنتها (كريستين) بطلب من (زكي الدسوقي) الابن الأصغر لعبدالعال باشا الدسوقي.. القطب الوفدي المعروف الذي تولى الوزارة أكثر من مرة، وكان من كبار الأثرياء قبل ثورة يوليو..
(زكي الدسوقي) أقدم سكان (عمارة يعقوبيان)..
عمارة ما زالت قائمة حيث أنشئت بطلب من مليونير أرميني..
فكر هذا المليونير، أو (هاغوب يعقوبيان) عميد الجالية الأرمينية في مصر، عام 1934م في إنشاء عمارة سكنية تحمل اسمه، فتخير لها موقعا في شارع سليمان باشا (طلعت حرب حالياً) وسط القاهرة، وتعاقد لبنائها مع مكتب هندسي إيطالي شهير وضع لها تصميماً جميلاً.. عشرة أدوار شاهقة على الطراز الأوروبي الكلاسيكي الفخم.. الشرفات مزدانة بتماثيل بوجوه إغريقية منحوتة على الحجر، والأعمدة والدرج والممرات كلها بالرخام الطبيعي..
استمرت أعمال البناء عامين..
على سطح العمارة بنيت خمسون غرفة صغيرة بعدد شقق العمارة لا تتجاوز مساحة الغرفة مترين، جدرانها وأبوابها جميعاً من الحديد الصلب، تغلق وتسلم مفاتيحها لأصحاب الشقق.
تخزن في تلك الغرف المواد الغذائية، وتبيت الكلاب فيها..
سكان العمارة من الأرستقراطيين والأجانب.
في عام 1952م قامت الثورة فتغير كل شيء، خرج الأجانب واليهود من مصر وبدأ ضباط القوات المسلحة في الاستيلاء على الشقق، فاستخدمت زوجات الضباط الغرف الحديدية في السطح في أغراض مختلفة للسفرجية، والطباخين، والشغالات الصغيرات، وتربية الدواجن..
عمارة احتضن سطحها شرائح اجتماعية مثلت الطبقات الدنيا، والمهمشة في مجتمع القاهرة..
(زكي الدسوقي) أحد سكان (عمارة يعقوبيان) الأرستقراطيين.. هناك الحاج (محمد عزام) ملمع الجزم سابقاً.. (طه الشاذلي) ابن بواب العمارة.. (حاتم رشيد) من ترك تحت رعاية خادم تسبب في وقوعه في براثن شذوذ ساهم فيه غياب اهتمام والديه.. (ملاك الترزي) من يبتز الظروف ويتحينها.. (بثينة) خطيبة طه، فتاة فقيرة تسهم مع والدتها في سد ديون والدها المتوفي، وإطعام إخوة لها فترتب على ذلك عدة تنازلات قدمتها. وشخصيات أخرى ثانوية، ومهمشة، وأرستقراطية..
عمارة نهش في بعض شققها، وغرف سطحها السوس..
تطرف ديني، فضائح أسرية، علاقات مشبوهة.. رأى طبيب الأسنان (الدكتور علاء الأسواني) أهمية كحط السوس، وتتبع مسالكه ومدارجه، فكانت (عمارة يعقوبيان) الرواية.
عملاً محكماً، وسرداً مشوقاً، ودقيقاً..
نساء ورجال وأطفال كبروا..
بثينة السيد: (البلد دي مش بلدنا يا طه.. اعمل فلوس يا طه تكسب كل حاجة، أما لو فضلت فقير هتندهس دهس...)
درس استخلصته (بثينة) بعد أن مات الأب وتركهم في عراء الحاجة فتلوث جسدها في طلب القرش وبحثاً عنه، بعد أن فقدت براءتها..
(طه الشاذلي) اجتهد ودرس وجد حتى يحصل على مجموع يؤهله لدخول كلية الشرطة ولكنهم يرفضون طلبه لأنه ابن بواب (حارس عقار).
وهناك (رباب) النادلة في نصبها على (زكي الدسوقي) وسرقة خاتم أخته (دولت) في ساعة غيبوبة سلوكية..
(كمال الفولي) نشأ في أسرة فقيرة للغاية في (شبين الكوم، محافظة المنوفية) وكان برغم الفقر في غاية الذكاء والطموح، فتمكن من ابتزاز (الحاج عزام) ومشاركته في كل صفقة يعقدها أو يفضح فساده، وكشف ما احتواه ملفه من طرق سلكه في سبيل رفع أرصدته في البنوك.
رواية زمنية - مكانية.. رواية شخصيات مهمة، ومهمشة..
(فكري عبدالشهيد) وكيل عمارة يعقوبيان والمحامي.. مدينة نصر.. مركز لاجيتيه للتجميل - المهندسين .. مسجد السلام - مدينة نصر.. محلات هانو - الإسكندرية.. جاردن سيتي - المنصورة.. مستشفى أحمد ماهر.. ميدان العتبة - دار السلام..
رواية ضاجة بالأمكنة أعادت إلى ذهني الأمكنة والحواري والأزقة والمقاهي في روايات (نجيب محفوظ)، (إحسان عبدالقدوس).
(عمارة يعقوبيان- الرواية) شرعت في قرأتها.. عدة صفحات وأغلقتها.. كلفت السائق أن يذهب بي حيث مبنى العمارة المنشأة في 1934م، وأنا الآن أمامها في يوليو 2006م.. شارع سليمان باشا (طلعت حرب سابقاً) حيث (مكتبة مدبولي) الشهيرة الآن.. لم يتسن لي دخولها.. المرور في أدوارها وصولاً إلى السطح فقد كان الوقت متأخراً..!!
توجهت إلى خان الخليلي، بالتحديد (قهوة الفيشاوي) زقاق ضيق ضاج بالزبائن، لم تمحه من الذاكرة مقاه فاقته حداثة، وامتازت عليه.. لم تحرضني تلك المقاهي على الجلوس فيها.. الروايات خلدت (قهوة الفيشاوي)، وجعلتها عامرة بالمرتادين.. الشاي (قهوة الفيشاوي) نكهة الاختلاف في الإبريق القديم، وكأس صغير تعوم في وسطه وريقات النعناع.. فهل سيخلد سرد (علاء الأسواني) (عمارة يعقوبيان) فيزورها السائح والمصطاف كما زرتها..؟!
السيناريست (وحيد حامد) كتب سيناريو وحوار الرواية، وأجاد وأتقن عادل إمام (زكي الدسوقي)، نور الشريف (الحاج عزام)، يسرا (كريستين)، خالد صالح (طه الشاذلي) في تمثيل الأدوار، وقد أخرجها (مروان حامد).. بحيث نالت الرواية - الفيلم المركز الأول من إيرادات عرضها في دور السينما المصرية وقد بلغت إيراداته مليونين و470 ألف و669جنيها.
إضاءة
العمارة دي منقولة بالمسطرة من عمارة شفتها في الحي اللاتيني في باريس..!!! زكي الدسوقي - الرواية ص 232
ص. ب 10919 - الدمام 31443 |