Saturday 29th July,200612357العددالسبت 4 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

نداء القمة العربية.. فنون الدعوة وإخراجها نداء القمة العربية.. فنون الدعوة وإخراجها
عبدالله بشارة(*)

خيرٌ ما فعل اليمن في سحب دعوته لعقد قمة عربية طارئة لبحث الأوضاع في المنطقة، فبعد انتظار طويل توصل اليمن إلى حكمة التأجيل بعد أن تعرف أكثر على الواقع الذي يسيطر على المنطقة، ووقف على عدم الرغبة لدى المؤثرين في الاندفاع إلى لقاء عربي على مستوى عال لم تتضح امكانيات الإنجاز فيه، ولم تبرز الأرضية الجماعية المشتركة التي تؤدي إلى توافق بناء، ويظل اليمن دائماً في صدارة الداعين إلى دبلوماسية القمم العربية، ففي معظم الظروف التي يتصاعد فيها التوتر تخرج صنعاء بصوت اليمن المدفوع بالحماس لعقد قمة من أجل ان تنظر في قضايا التوتر.
أتابع برامج اليمن في قنواته الفضائية، وأشعر بالتقدير للفن التراثي اليمني المعبر عن عراقة، وعن تميز في الارتقاء في مفاهيم الفن، وأشعر بأن صوت اليمن الفني أكثر من إمكاناته السياسية والاقتصادية وأجد فيه التعبير الراقي عن مخزون الطاقة اليمنية التي تفرزها الإيقاعات المتميزة، وأتذكر أيامي في البرازيل حينما كنت سفيراً محالاً فيها حيث يتسيد الفن كل البرازيل في طربها وفي صناعتها وفي رياضتها وفي الضوضاء التي تشتعل في مطاراتها وفي قطاراتها، هناك ورشة عمل تتحرك بصوت الفن، وهنا في اليمن نشوة الفن تصل إلى الإيقاع السياسي وتنسجم معه.
وأشعر أحياناً بأن الرئيس علي عبدالله صالح لم يلتزم بالإيقاع اليمني السياسي حين تخلى عن اعتزاله الحكم وعاد مرة أخرى مرشحاً، وأشعر بأن مثل هذا القرار حالة غير يمنية ربما تأثرت بالأجواء العربية التقليدية، فقد أعطى الرئيس اليمني أكثر من ثلاثة عقود أنجز فيها الكثير، وكان عليه الاعتزال والاستجابة لنداء الفن اليمني، الذي يتحكم فيه الإصرار على التميز.
وأشير إلى طلب اليمن بعقد قمة طارئة لأنني من الذين يدعون دائماً إلى وضع ضوابط للقاءات القمة، فليس من الحكمة أن ينفعل أحد الرؤساء وأن يتحمس آخر فينطلق صوت الدعوة من قناة تلفزيونية أو لقاء صحفي يخرج فيه المسؤول عن فروض التروي، وأعتقد أن إطلاق الدعوة وعدم تلبيتها لا تؤدي إلى كسب معنوي لأي طرف، وقد تعود بالخسارة الأدبية لمن سعى مخلصاً لجمع الشمل.
ونعرف بأن القمة العربية تعقد سنوياً، ولا يوجد مانع من عقدها عند الضرورة وفي أي وقت، لكن بعد التشاور الواسع والاتصالات الهادئة خاصة مع المؤثرين الذين يملكون القدرة على صوغ المواقف وعلى إدارة الأزمات وفق المصالح العربية العامة مع الاستعداد الكامل لقبول التبعات والمساءلة، وتحمل مسؤولية نتائج قرارات مثل تلك القمة الطارئة.
وفي شأن الوضع الذي يعيشه لبنان، نود إبداء الملاحظات التالية:
أولاً: تتحمل الدول العربية مسؤولية كبيرة تجاه لبنان في صمتها الطويل عن الوضع الشاذ وغير الطبيعي الذي يتسيد هذا البلد الصغير والضعيف، بتواجد جيش حزب الله الذي يسيطر على جنوب لبنان ويدير المنطقة وفق استراتيجية ترسمها إيران وتتعاطف معها سورية، ويحصل هذا الحزب على إمكانات مالية وأسلحة وخدمات تفوق قدرة الدولة اللبنانية، والحزب هو الذراع المنفذ لاستراتيجية التفوق الإقليمي الذي تريده إيران، وفوجئنا بالترسانة الضخمة التي يملكها الحزب من صواريخ وتجهيزات عسكرية ومقاومة صامدة لم تتعود عليها إسرائيل.
من هو الزعيم العربي الذي يقبل أن يعطي لحزب الله الحرية التامة لإدارة نصف أراضيه لكي يسخرها لخدمة الأهداف الإيرانية البحتة؟ وبدون انفعالات لم تجرؤ بعض الدول العربية على تحميل حزب الله المسؤولية في تفجير الموقف القابل للاشتعال خلال اجتماعات وزراء الخارجية، بل أن سورية تشترط أن يقدم أي لقاء عربي على مستوى القمة الدعم لحزب الله الذي يعمل على أراض لبنانية دون موافقة حكومتها.
لم تقصر وسائل الإعلام العربية في رعاية حزب الله في لبنان، فقد أمطرته بالثناء دون تقييم موضوعي لاهدافه، ودون الاهتمام بالاضرار التي ستصيب الدولة اللبنانية من جراء تلك الأهداف، ولم تساند الشرعية اللبنانية المسكينة التي لم تأخذ ما تستحق من الدعم، بل تتعرض إلى التجاهل والتصغير والتهميش.
ثانياً: يتحمل السياسيون اللبنانيون - بكل طوائفهم - مسؤولية كبيرة في وصول لبنان إلى الوضع المأساوي الذي نراه، وضعوا طائفتهم فوق وطنهم، وأحزابهم فوق ترابهم، ومصالحهم فوق لبنان، استشرى الفساد السياسي والمالي إلى حد صارت كل جماعة محسوبة على عاصمة، لا زال بعضهم يدافع عن سورية، وآخر يتبنى حزب الله، ولا زالوا ملتزمين مع إيران، يريدون الآخرين سواء الأمم المتحدة أو العرب أو أوروبا أو واشنطن إخراجهم من مأساة شجعتها أساليبهم.
ينتقد رئيس مجلس النواب نبيه بري في كلمته أمام ملتقى البرلمانيين العرب (النظام العربي المتردد الخائف والقلق الذي لا يحرك ساكناً تجاه ما يستهدف لبنان وفلسطين وهو يدرك أن كليهما يمثلان خط الدفاع الأول عن الأمة العربية).
ولا أجد أبلغ رد على ذلك من تصريحات الرئيس حسني مبارك لرؤساء التحرير المصريين عقب عودته من اجتماعه مع الملك عبدالله في المملكة العربية السعودية أن مصر لن تدخل في حرب مع إسرائيل للدفاع عن لبنان أو حزب الله وأن هذا السيناريو مستحيل لأن زمن المغامرات الخارجية قد انتهى وأن هناك 73 مليون مصري بحاجة إلى التنمية والخدمات وفرص العمل.
والعدوان الإسرائيلي على لبنان والحرب بين إسرائيل وحزب الله على أراضيه، لها أبعاد دولية تتعدى الاهتمامات العربية وتمس الكثير من مصالح عالمية منها الأوروبية والأمريكية، ولا يمكن علاجها بمعزل عن التدخل الدولي الذي نراه الآن سواء في مؤتمر روما أم في الاتصالات التي تتتابع من أجل تحديد مسارات متفق عليها تضع حداً للوضع الشاذ الذي عاشه لبنان، وابرز ما فيه تأكيد الشرعية اللبنانية على جميع أراضي لبنان وانتشار جيشه وإزالة الازدواجية في القرار السياسي اللبناني وتمركز قوى ضاربة ورادعة دولية للمراقبة ولضمان الاستقرار والهدوء، وهذا الشرط هو مفتاح إعادة الاستقرار في لبنان، فالحكم للسلطة لا يشاركها حزب الله فيه، وهو القرار الذي لا تستطيع القمة العربية تحقيقه، كما اقترح الرئيس سنيورة في نقاطه السبع أمام مؤتمر روما.
لذلك فإن تحفيز الدول العربية نحو القمة سواء من اليمن أو غيرها لا يخدم لبنان في هذه الظروف، وإنما الذي يحتاجه لبنان هو الهمة العربية الجماعية لدعم شرعيته ومساندته في القضاء على الازدواجية التي خلقتها أياد إيرانية تدعمها سورية من أجل إبقاء ملف جنوب لبنان مفتوحاً طالما أن الجولان بقي محتلاً.
ثالثاً: لا يمكن أن تذهب قمة عربية لتكرر بيانات سياسية اصدرها وزراء الخارجية، وخياراتها أمام هذه الظروف محددة إذا لم يتوفر إجماع كامل على دعم الشرعية اللبنانية وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان تمهيداً لإزالته، ولا توجد قرارات حاسمة تتخذها الدول العربية سوى دعم الشرعية اللبنانية والمشاركة في إعمار لبنان، والتعاون مع شرعية لبنان على إزالة الازدواجية، غير ذلك لا مجال للمزايدات ولا للعبارات المبهمة ولهذا فإن وقار القمة ومقامها المعنوي تفرض الحذر في عدم الاندفاع نحو لقاءات تضر الصدقية وتزيد الوضع تعقيداً.
وندعو بهذا الصدد إلى تبني دبلوماسية الهدوء في الاتصالات والمشاورات إبعاداً للإحراج وتقديراً للمسؤولية لأن معظم الذين سيذهبون للقمة لن يتحملوا تبعات نتائجها، وإنما يكتفون بالمصادقة على بيانات ليس الآن وقتها، ويبقى البعض القليل القادر على الدفاع عن وضع لبنان عبر التواصل السياسي والدبلوماسي كما نراه في جهود المملكة واتصالات مصر، وتحركات عربية أخرى تتسم بالتهدئة والعقلانية.
ونحن ندعو الجامعة العربية إلى إبعاد حرمة القمة ووقارها عن عملية العد اليومي لمن يقبل ومن لم يجاوب ومن يدرس وإبعاد الإعلام عن هذه الواقعة التي تضعف من المقام الكبير لشأن القمة.
ونؤيد استنتاج الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى بأن الموقف العربي ضعيف ومنقسم مع وجود فوضى كبيرة في الحركة العربية، ولابد من لملمة الموقف العربي نحو موقف فعال تجاه المواقف الحساسة والخطيرة، هذا كلام مسؤول لابد أن يتحقق في دعم شرعية لبنان والمطالبة بانتهاء ازدواجيته، والمشاركة في إعادة بنائه.
وعلينا الاعتراف بأن الفوضى تأتي من الصخب الإعلامي اليومي الذي لا يتعامل مع جوهر القضايا وإنما يتطلع إلى إشكالية من استجاب ومن لم يتجاوب مع دعوة القمة.
القمة العربية موضوع كبير يفرض التروي ودراسة الحسابات والنتائج والقدرة على احتمالها بدلاً من تبرئة الذمم في بيانات إنشائية تضر لبنان أكثر مما تنفعه.
نحن نؤيد المقترحات التي قدمها لبنان الرسمي لإنهاء الحرب، ونأمل أن تدعمها الدول العربية، ونأسف لمعارضة حزب الله هذه المقترحات التي لا ترتاح لها سورية ولا تهضمها إيران، رغم أنها تنسجم مع الشرعية الدولية التي يتحداها حزب الله.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved