Friday 25th August,200612384العددالجمعة 1 ,شعبان 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

من مآثر الملك عبد العزيز .. إزالة المقامات 2 - 2 من مآثر الملك عبد العزيز .. إزالة المقامات 2 - 2
د. محمد بن سعد الشويعر

إن السؤال الذي يطرحه القارئ: متى أنشئت المقامات؟ وجوابه يقول الدكتور وصي الله بن محمد عباس: لم يحصل الاطلاع بيقين متى أنشئت هذه المقامات، ولكن يبدو أنها لم تكن موجودة، لما قبل عام 328هـ، وذلك لأن ابن عبد ربه الأندلسي المتوفى عام 328هـ، وصف المسجد الحرام، وذكر كلّ ما احتواه، من أروقة وأبواب، وسقاية العباس، وأشياء غيرها، إلا أنه لم يشر إلى المقامات بأي إشارة (العقد الفريد 7 :282 -287). فيدلّ ذلك على عدم وجودها في عصره، ولو وُجدت لذكرها، وقد تصفَّحت كتاب اتحاف الورى، فوجدت فيه أول ذكر لمقام المالكيّة، في حوادث عام 488هـ قال: وفيها وُليّ الجمال أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن فتّوح، بن محمد المكناسي المالكي، إمامة مقام المالكية بالمسجد الحرام، وأوقاف المكناسي المذكور: ستة مجلدات، على المالكية والشافعية والحنفية، الذين يكونون بمكة، وجعل مقرّه بخزانة المالكية بمكة (اتحاف الورى 2 :487).
ثم ذكر الدكتور وصي الله: ومن هذا وغيره، يعرف أن المقامات، أنشئت ما بين سنة 328هـ وسنة 488هـ (المسجد الحرام تاريخه وأحكامه ص 166).
ولما كُنْتُ قد اطلعت، منذ زمن، على رحلة ابن جبير الأندلسي في القرن السادس الهجري، وجلس في مكة حجتين متواليتين، وذكر أخباراً دقيقة في مكة، ومن ذلك السيل الذي غمرها حول الكعبة، حتى أن الناس يطوفون سباحة، ووصف الحرم وصفاً دقيقاً، ولعله يتاح لنا معه وقفة تفيد بعض القراء، فقد قال في عام 578هـ: وللحرم أربعة أئمة سنية، وإمام خاص لفرقة تسمى الزيدية، وموطنهم اليمن، وأشراف هذا البلد على مذهبهم، وهم يزيدون، في الأذان: حيَّ على خير العمل. إثر قول المؤذن حيَّ على الفلاح، ولا يجمّعون مع الناس، إنما يصلون ظهراً أربعاً ويصلون المغرب، بعد فراغ الأئمة من صلاتها (رحلة ابن جبير ص 70).
وكان مما ذكره ابن جبير في صفة المقامات، لأنَّه أوفى في ذكرها فقال: أول الأئمة السنية الشافعي رحمه الله، وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدَّم من الإمام العباسي، وهو أول من يصلي وصلاته خلف مقام إبراهيم، إلا أن صلاة المغرب، فإن الأربعة يصلونها في وقت واحد مجتمعين، لضيق وقتها، يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذنو سائر الأئمة، وربما دخل في هذه الصلاة على المصلين سهو، وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة، فربما ركع المالكيون بركوع الشافعي أو الحنفي، أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه، فترى كل أُذن مُصغية لصوت إمامها، أو صوت مؤذنها مخافة السهو، ومع هذا فيحدث السهو، على كثير من الناس.
أما مواضع بقية المقامات، فإن المالكي قبالة الركن اليماني، وله محراب حجر، يشبه محاريب الطّرق الموضوعة فيها.
ثم مقام الحنفي، وصلاته قبالة الميزاب، تت حطيم، مصنوع له، وهو أعظم الأئمة أبّهة وأفخرهم آلة، بسبب أنّ الدولة الأعجمية كلّها على مذهبه، فالاحتفال له كثير وصلاته آخراً.
ثم مقام الحنبليّ، وصلاته مع صلاة المالكيّ، في حين واحد، موضع صلاته، يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني، ويصلي الظهر والعصر قريباً من الحنفيّ، في البلاط الآخر من الغرب إلى الشمال، والحنفي يصليهما في البلاط الآخر، من الغرب إلى الجنوب، قبالة محرابه، ولا حطيم له.. وللشافعي بإزاء المقام حطيم. (رحلة ابن جبير ص 70-71).
وفي كتب الرحلات، جاء ذكر هذه المقامات، كابن بطوطة في رحلته، ووصفها تقي الدين الفاسي في رحلته، وابن ظهيرة في كتابه جامع اللّطيف، وفي عام 497هـ، وجاء عند بعضهم عن المقامات الموجودة: الحنفيّ والمالكي والزّيديّ.
ولعله أوجد بعد ذلك، حيث ذكره في عام 540هـ، وغيرهم من المؤلفين، وفي كتب الرحلات، وخاصة عند المغاربة.
وكان بعض ولاة الأمر متعصبين ضد المقام الحنبلي، فقد قُلعَ حطيمهم من مكة، كما ذكره ابن الجوزي في مرآة الزمان: بأن فرجان خادم المقتفي العباسيّ، قد قال: قصدي أن أقلع مذهب الحنابلة، ولماّ حج قلع الحطيم الذي لهم بمكة، وبطّل إمامتهم منها (شفاء الغرام 1: 245).
ولم تنشأ هذه المقامات إلا نتيجة ضعف الإيمان، والخلافات المذهبية في الفتوى والتعصب الأعمى، بحيث أصبح كل طالب علم يجهّل غيره، ويتعصّب لرأيه، فهذا يحرّم، وهذا يبيح، فتضاربت الفتاوى، كما نرى في بعض الأزمنة نماذج من ذلك، ولم يكن هناك سلطة حاكمة، تحزم الأمر، وتحدّد في كل بلد مصادر للفتوى، ولا يبيح ولي الأمر، لغير اللجنة التي اختارها، بأن تتزعم الفتوى، حتى لا يكون المسلمون فرقاً شتى، فيشمت بهم الأعداء، لاختلافهم في أمور دينهم.
وقد اهتم العلماء المدركون منذ اتسع نطاق هذا التفرق، وأظهروه في العبادات،بل وفي بيت الله الحرام، الذي هو رمز وحدتهم، فجعلوه عَلَماً على فرقتهم، بغير حقّ.
فهذا بن الحباب أنكر عليهم فتاويهم، وأملى في الرد عليهم أشياء كثيرة، كما نقل عن جماعة من علماء الشافعية والحنفية والمالكية، الذين حضروا حج عام 551هـ، وذكرهم بأسمائهم ابن فهد في كتابه: (اتحاف الورى بأخبار أم القرى)، وهم عدد كبير من علماء كل مذهب: انكروا هذه الصلاة المقسّمة، بين أربعة مقامات، وشدّد العلماء في الإنكار.
وكل عالم يأتي الموسم إلا وينكر هذا التفرق، الذي هو مدخل من مداخل الشيطان، ليفسد على المسلمين أهمّ عباداتهم، وليفرقّ بين قلوبهم، والعلماء في إنكارهم يدعون لنبذ الفرقة، وترك هذه البدعة.
ومن ذلك الوقت والعلماء ينكرون، هذا التفرق والتعصب الذي انساق معه العامّة، وتحمسوا لهذا التعصب الذي يحسبونه من دين الله، وما هو من دين الله، إنما يدعو إلى الفرقة.. والتنافر، ويورث البغضاء.
وآخر مَنْ كتب فيه وأفتى، بعد الرسالات والفتاوى السابقة، الأمير الصنعاني الذي قال: هذا حرم الله، الذي هو أفضل البقاع بالإجماع، أحدث فيه بعض ملوك الشرّ، الشّراكسة الجهلة الضُّلال، هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادات المسلمين وجعلتهم كالملل المختلفة في الدين، بدعة قرّت عين إبليس، وصيّرت المسلمين ضحكة للشياطين. (كتابة: تطهير الاعتقاد ص 34).
وهذا تلميذه الشوكاني يقول: عمارة المقامات بمكة بدعة بإجماع المسلمين، أحدثها أشرّ ملوك الشراكسة: فرج بن برقون، وأنكر ذلك أهل العلم في ذلك العصر، ووضعوا فيها مؤلفات.. وتوسع في إنكاره لهذه البدعة، والدعوة على من شجعها، وأثرها على الإسلام والمسلمين (كتابه: إرشاد الصائل ص 95)، وبعد التشاور مع علماء الإسلام، فبحمد الله قيض سبحانه لمحو هذه البدعة، بقوة إيمانه وشجاعته، الإمام العادل: الملك عبد العزيز - رحمه الله - بعدما دخل مكة بدءاً بعام 1343هـ فأبطلها أولاً، يقول الدكتور وصيّ الله: وقد حصل بفضل الله ومنّه، ما دعا إلى محو هذه المقامات، العلماء في العصور السابقة، وتمنّوه من القضاء على هذه البدعة، فوفق الله عزّ وجلّ، الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، لما تولى عرش المملكة، وبنى ملكه ودولته، على أساس الكتاب والسنّة, إلى توحيد الصلوات على إمام واحد في المسجد الحرام، في جميع الأوقات، وتوحيد صفوف المسلمين بعد تفرقها مدة من الدهر. وأعاد الأمر إلى ما كان عليه في خير القرون، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين بما بجازي به عباده الصالحين، (ص169)، وقد قرّت عيون المسلمين بهذا العمل الشجاع العظيم في وقت مبكر في عهد جلالته غفر الله له.
الخنساء أشعر الناس:
هي تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد، الرياحية السلمية، أشهر شواعر العرب وأشعرهن، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي، وأدركت الإسلام فأسلمت، وأسلم معها قومها بنو سليم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه شعرها، ويستنشدها ويقول: هيه يا خنساء ويومئ بيده، لما قدم عديّ بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحادثه، فقال: يا رسول الله، فينا أشعر الناس، وأسخى الناس، وأفرس الناس ، فقال: له: سمّهم. قال: أما أشعر الناس، فامرؤ القيس بن حجر، وأمّا أسخى الناس: فحاتم بن سعد، يعني أباه، وأمّا أفرس الناس فعمرو بن معد يكرب.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كما قلت يا عديّ، أمّا أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو، وأمّا أسخى الناس، فمحمد - يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، وأما أفرس الناس فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والخنساء أكثر شعرها وأجوده، رثاؤها لأخويها: صخر ومعاوية، وكانا قد قتلا في الجاهلية، وكان لها أربعة بنين، شهدوا القادسية سنة 16هـ، وهي معهم وأوصتهم من أول الليل، ومما جاء في وصيتها لهم: يا بنيّ إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله غيره، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنت حسبكم، ولا غيَّرت نسبكم.. واعلموا أن الدار الآخرة، خير من الدار الفانية، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، ولا تفروا من الزحف. فلما أضاء لهم الصبح، باكروا مراكزهم، فتقدموا واحداً بعد واحد، ينشدون أراجيز، يذكرون فيها وصية أمهم العجوز لهم، حتى قتلوا عن آخرهم، فبلغها الخبر فقالت: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
قال الأصمعي: نظر عمر بن الخطاب إلى الخنساء، وبها ندوب في وجهها، فقال: ما هذه الندوب يا خنساء؟ قالت: من طول البكاء على صخر ومعاوية. (أخويّ). فقال لها: أخواك في النار، قالت ذلك أطول لحزني عليهما، إني كنت أشفق عليهما من القتل، وأنا اليوم أبكي لهما من النّار.
(أخبار النساء في العقد الفريد ص 70-71).

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved