Thursday 31th August,200612390العددالخميس 7 ,شعبان 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الثقافية"

نجيب محفوظ المؤسس الحقيقي للرواية العربية نجيب محفوظ المؤسس الحقيقي للرواية العربية
لم يعرف العرب (فن الرواية) بهندسيتها وحرفيتها الفنية إلا بعد مخاض طويل

  * الثقافية- علي بن سعد القحطاني:
فن (القص) متأصل في التراث العربي القديم وكان العرب يستأنسون للأساطير والقصص والحكايات وتحفل كتب التراث بنماذج هائلة من هذا المكنز السردي مثل كتب التاريخ (الطبري-ابن كثير - المسعودي) كتب الأدب (الجاحظ -ابن قتيبة- أبو حيان التوحيدي- الأصفهاني) وقد تولع العرب بفن (القص) وصاروا يتحلقون عند القصاص والحكائين الذين كانوا بمثابة وسائل الإعلام في عصرهم مثال ذلك قصة المنخل اليشكري والمتجردة زوجة النعمان والمعلقات السبع في حقيقة الأمر لو قمنا بإعادة قراءتها لوجدنا أن أبياتها تحتفي بالمشاهد التصويرية وفيها من مقومات القصة من بداية ونهاية وشخصيات وزمن ومكان وحوار فامرؤ القيس يشكو جور الزمن وقسوة الدهر والقصائد العربية تحتفي بالقص (قصيدة عمر بن أبي ربيعة - الحطيئة - الفرزدق) واحتفت الألوان النثرية التي عرفوها في وقت لاحق بهذا الفن كما يظهر ذلك في رسائلهم ومقاماتهم ولم يعرفوا فن (الرواية) بهندسيتها وحرفيتها الفنية إلا بعد فترة مخاض طويلة وكان ذلك أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين (الشيخ الطهطاوي في تلخيص الإبريز في وصف باريس) والمويلحي في مقاماته (حديث عيسى بن هشام) ومحاولات أخرى يلاحظ فيها الصنعة والتكلف, بحيث لم تخلو من محاكاة الأنماط اللغوية القاسية المتمثلة في الإسراف من استخدام الأسجاع والجناس والبديعيات والاهتمام المبالغ بالتزيين والزخرف القولي مع إهمال واضح للقالب والمعنى.
وتؤرخ (زينب) لمحمد حسين هيكل الصادرة عام 1914هـ باعتبار أنها أول رواية فنية ظهرت في الساحة الثقافية العربية، ومرت الرواية العربية كما يقول الدكتور محمد صالح الشنطي في كتابه (الأدب العربي الحديث) بثلاث مراحل:
مرحلة الإرهاص والتمهيد
وظهرت تلك المرحلة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين, من أبرز أعلامها:
1-الطهطاوي الذي ترجم كتاب فينلون (وقائع تليماك) وألف كتابه الشهير (تلخيص الإبريز في وصف باريز)
2- الرواية التعليمية لعلي مبارك الذي ألف كتاب (علم الدين)
3- المويلحي ومقاماته (حديث عيسى بن هشام)
4-سليم البستاني وروايته (الهيام في جنان الشام) صدرت عام 1870م واعتبرها أحد الباحثين عملا روائيا متكاملا, وأنه أثر رائد تبدو على سماته ملامح التقليد للغربيين.
5-محاولات ناصيف اليازجي (1800-1871) في كتابه (مجمع البحرين) صدر عام 1856م.
6-أحمد فارس الشدياق في (الساق على الساق فيما هو الفارياق) صدر عام 1856م
7- نقولا حداد في كتابه (كله نصيب) 1903م
8- يعقوب صروف في (فتاة مصر) 1905م و(فتاة الفيوم) 1908م و(أمير لبنان) 1907م.
مرحلة الريادة
يشير الدكتور الشنطي إلى أن هذه المرحلة تكاد موضع خلاف فيما يتعلق بالكتاب الذين ينتمون إليها:
1- هناك من يرى أن محمد حسين هيكل هو الرائد في روايته (زينب) 1912.
2- هناك من يرى أن جبران خليل جبران في (الأجنحة المتكسرة) التي صدرت عام 1912هو الرائد.
3- ثمة رأي ثالث يرى أن رواية (عذراء دنشواي) لمحمود طاهر حقي الذي اتخذ من أحداث المأساة في بلدة دنشواي مادة لروايته أحق بالريادة.
4- تعتبر رواية (القصاص حياة) التي صدرت عام 1905م للكاتب (عبد الحميد البوقرقاصي) من الروايات الرائدة أيضا.
مرحلة التأصيل والانتشار
وهي المرحلة التي بدأت فيها نماذج الفن الروائي العربي - كما يقول الشنطي- ترقي إلى مستوى هذا الفن وضرب لنا نماذج من ذلك تتمثل في:
1- توفيق الحكيم (عودة الروح) 1933م.
2- توفيق يوسف عواد (الرغيف).
3- محمود تيمور (الأطلال) 1934, (نداء المجهول) 1939م.
4- روايات طه حسين (الأيام) 1929و(دعاء الكروان) 1934و(أديب) 1939م.
5-محمود طاهر لاشين (حواء بلا آدم) 1933م.
6- العقاد في روايته الوحيدة(سارة).
7- إبراهيم عبد القادر المازني (إبراهيم الكاتب) 1931و(إبراهيم الثاني).
مرحلة التطوير والتجديد
يشير الدكتور محمد صالح الشنطي أنه في هذه المرحلة بلغت الرواية العربية ذروة رسوخها وتأصلها في التربة الأدبية ويقول: ليس من شك في أن نجيب محفوظ يمثل هذه المرحلة خير تمثيل, بل إن بعض الدارسين يرى أن نجيب محفوظ يستوعب في إنتاجه معظم مراحل تطور الفن الروائي العربي الأمر الذي أهله للفوز بجائزة نوبل، وبغض النظر عن توجهاته ورؤيته وانتماءاته التي يمكن أن يتصدى لها الباحثون ليقولوا فيها القول الفصل- فإنه يعتبر نسيج وحده في هذا المضمار. وتتبع الشنطي تطور إنتاج الكاتب الروائي وقسمها في مراحل متعددة منها:
(1) المرحلة التاريخية وتتضمن رواياته الثلاثة الأولى (الأقدار-رادوبيس-كفاح طيبة) وأحداثها مستقاة من التاريخ المصري القديم.
(2)المرحلة الاجتماعية: وتتميز هذه المرحلة ببروز الشخصيات ذات الوجود الواقعي المرتبط بالحاضر, إذ تظهر شخصية الفرد, ولكننا نحس بالعام أو التاريخي والاجتماعي على نحو من الأنحاء. وتكتظ الروايات بالقضايا الاجتماعية والصراع, ويغلب عليها طابع التسجيل والتحليل, وتبدو فيها أحيانا بعض نبضات التجربة الخاصة,من روايات هذه المرحلة (خان الخليلي) و(الثلاثية).
(3) المرحلة الفلسفية, مثل رواية (أولاد حارتنا).
(4) المرحلة الاجتماعية الجديدة, مثل رواية (ثرثرة فوق النيل) و(ميرامار) و(اللص والكلاب). (انتهى كلام الشنطي)
حظيت أعمال نجيب محفوظ باهتمام من قبل الباحثين والدارسين والنقاد وصار طلبة الدراسات العليا في الأكاديميات الغربية والشرقية على حد سواء يتبارون في ابتكار موضوعات دقيقة وبحثها في عالم نجيب محفوظ المجهول وأعماله ترجمت إلى أكثر من33 لغة، ولو قمنا فقط بالبحث سواء من خلال نوافذ البحث الإلكتروني (جوجل -ياهو-اول ذا ويب) أو البحث من خلال فهرست المكتبات العامة والخاصة لوجدنا أن هناك المئات من المقالات والرسائل تبحث في أسلوب وخاصية الرواية عند نجيب محفوظ، ولا يقتصر هذا على أقسام اللغة العربية ومتخصصيها فقط بل تتعداه إلى الأقسام العلمية الأخرى مثل علم الاجتماع والاقتصاد والاتصال والتاريخ، وقد تضاعف الاهتمام بالدراسات عن إبداعاته عقب حصوله على جائزة نوبل العالمية عام 1988 واستثمرت أعماله سينمائيا، يذكر أن نجيب محفوظ قبل أن يحال على التقاعد سنة 1971 كان رئيس قسم لتقويم النصوص السينمائية، وقد كتب للسينما منذ 1945 فكان فيلمه الأول (عنتر وعبلة) ويعد أول أديب كتب القصة السينمائية وكتب أكثر من اثني عشر سيناريست، ويبدو أن نجيب محفوظ تورط في الكتابة السينمائية لفاقة وحاجة أجبرته على الكتابة فيها، ولو أنه استغل وقته الذي ذهب هباء منثورا في كتابة هذه الأعمال السينمائية لأغدق علينا المزيد من إبداعاته، وتتسم أعماله بالواقعية والنقل الحرفي المباشر، فأحداث قصصه وشخوصاتها مستمدة من البيئة المحلية كما كتب روايات رمزية ك(أولاد حارتنا) التي أثارت جدلا واسعا حولها وأصبحت روايات نجيب محفوظ من ضمن مفردات التعليم الجامعي ومقرراته في الأقسام العربية، وهذا ما نراه في المنهج الجامعي لقسم اللغة العربية بكلية الآداب بالجامعة الأردنية حيث تلزم طلبتها بدراسة أعمال محفوظ وذلك بمعدل (3ساعات) طيلة فصل دراسي كامل، كما يمتاز أسلوب نجيب محفوظ في الكتابة بالبساطة والتقيد باللغة العربية الفصحى السهلة الواضحة، ولا يلجأ إلى العامية إلا نادرا وذلك في الحوار، ويجعلها بين علامتي تنصيص.
نتلمس أسلوب نجيب محفوظ في كتابه (أصداء السيرة الذاتية) حيث قام المبدع بجعل سيرته منجمة في مشاهد وفصول قصيرة تختزل كما هائلا من معاني الحياة ومكابدة النفس الإنسانية في هذا العالم المجهول، ولنقرأ معا تلك المشاهد السريعة وتتراوح مساحتها ما بين القصير والطويل كما في هذين النصين.
خفقة قلب
قال عبد ربه التائه: ما بين كشف النقاب عن وجه العروس وإسداله على جثتها إلا لحظة مثل خفقة قلب
العدل
ذهبت إلى محام معروف بلا تردد، ما أجمل صراحته حين قال لي:
أنت صاحب حق، ولكن خصمك أيضا صاحب حق، فقلت له:
عرضت عليه أن نحتكم إلى شخص يكون موضع ثقتنا معا.
هيهات أن يوجد هذا الشخص في زماننا.
لدي خطابات مسجلة ستعرف منها المحكمة حسن نيتي.
قد يطعن فيها بالتزوير.
الحق أني بريء مائة في المائة.
ليس الأمر بالمستحيل.
ألم تهدده في لحظة غضب بالقتل؟
هو نفسه لم يأخذ كلامي مأخذ الجد.
بل قام باحتياطات كثيرة، وزار الأضرحة ونذر النذور. فهتفت ضاحكا:
هذا هو الجنون:
عليك أن تثبت أنه مجنون خاصة، وأن محاميه سيحاول من ناحيته أن يثبت جنونك.
فأغرقت في الضحك حتى قال المحامي:
لا يوجد ما يدعو إلى الضحك
اتهامي بالجنون مثير للضحك
بل إنه يدعو للأسى
لماذا يا سيدي؟
الجنون يدعو للأسى
طالما أني عاقل فلا أهمية للاتهام.
ولكن عدم الاهتمام قد يعني الجنون نفسه.
فسألته بذهول:
هل يداخلك شك في عقلي؟
بل إني على يقين، اختلافكما المزمن يدل على جنونكما معا.
لكنك أبديت استعدادا طيبا للدفاع عني؟
إنه واجبي.
وتنهد المحامي من أعماقه وواصل:
ولا تنسى أنني مجنون مثلكما
فالنص الأول (خفقة قلب) قصير لا يتجاوز (57) حرفا و(15) كلمة تختزل فيها الفلسفة المحفوظية الشبيهة بفلسفة زهير بن أبي سلمى تجاه الحياة والموت ويصبح العمر ومضة على لسان الراوي الشيخ عبد ربه، أما النص الثاني (العدل) طويل يبلغ (747) حرفا و(179) كلمة تسرد لنا قصة (العدل) حينما تكون مغيبة على أرض الواقع وتكون متلبسة ب(الشخص) و(خصمه) ويضيع (المحامي) ما بين أوراق القضية والخطابات المسجلة ويستنطق ثلاثتهم (الشخص-الخصم - المحامي) بالجنون في آخر مشهد, وهذان النصان تختزل في طياتهما الأفكار الفلسفية والرمزية.
ونحن نعلم أن نجيب محفوظ تخرج من قسم الفلسفة بالجامعة وأراد أن يستكمل دراساته العليا وقدم أطروحة علمية في الفلسفة وكان عنوانها (مفهوم الجمال في الفلسفة الإسلامية) لكنه لم يتمها وأعرض عن تلك الدراسة الفلسفية بعد أن تأثر بالجو الأدبي وحضور القمم في الساحة كالعقاد وطه حسين إلا أن دراسته في الفلسفة أكسبته عمقا في دراسة الأحداث والشخصيات، وأكسبته أيضا أن يكون منظما ودقيقا في مواعيده ويكاد يكون صارما في ذلك، فيذكر مجايلوه وزملاؤه في العمل أنهم كانوا يضبطون عقارب الساعة على موعد قدومه للعمل.
هذا الترتيب ساعده على إتمام العشرات من الأعمال الروائية، وكان يوزع وقته في المساء ما بين القراءة والكتابة، وكان لا يلتقي بأصدقائه إلا كل يوم خميس في مقهى الفيشاوي، وهذا التنظيم عادة لا يألفه كثير من الأدباء والمبدعين الذين يحبذون الفوضوية والتسويف والتأجيل في إنجاز أعمالهم ويومهم يقضى ما بين (السهرات) و(الحفلات) و(المقاهي) والالتزامات الاجتماعية الأخرى
نجيب محفوظ لم يرتق إلى تلك المكانة العالية في الهرم الأدبي إلا بعد مكابدة وإلزام نفسه بما لا يلزمها غيره من القراءة المكثفة في جميع المعارف والفنون، وهذا ما يفتقده عادة بعض مبدعي هذا العصر حيث يكتفي بقراءة كتابين في السنة وبعض مقالات في مجالات ثقافية وتنتفخ أوداجه بهذه القراءة السطحية ويصاب بتورم الذات وداء العظمة وتستنطق ضمائر الذاتية والأنا في كلامه (وأنا وأنا) ويكفي فقط لكي تعرف ضحالة عقولهم وإنجازاتهم أن تقوم فقط بعملية الإحصاء لتلك الضمائر الأنانية في حديثهم لوسائل الإعلام ،وساحتنا الثقافية بحاجة إلى دقة وانضباط وصرامة نجيب محفوظ في محافظته على الوقت واستثماره بشكل أمثل، فهو لم يصل إلى العالمية من خلال شرب النارجيلة وقضاء الساعات الطوال في الأحاديث الفارغة والقيل والقال في المقاهي، بل وصل إليها من خلال عكوفه في محراب الإبداع ونذر نفسه للفكر والثقافة والآداب فكانت النتيجة أن أتت الجائزة العالمية تسعى طالبة وده بين يديه.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved