* كتب - محمد المنيع:
بندر بن سرور.. شاعر عرف بتفرد الشاعرية والجرأة التي تتعدى الحدود المألوفة عند الناس!! عدت هذه الصفة من عيوب الشاعر التي أدت إلى إقفال الدنيا في وجهه وإدبار الناس عن القرب منه، مما أدى إلى وفاته في الخمسين من عمره هائماً متعباً وحيداً في (حليت) ومع ذلك لا يبالي حين يرفع عقيرته بكل فخر (ماني وأنا بندر ببياع دمه)!! ولست هنا لأقف على تلك الصفة التي تسربل بها شاعرنا، خلقا وشعراً لأن ذلك يحتاج إلى وقفات ومساحات أوسع وأرحب، ولكني هنا سأتحدث عن أحد أبياته المعبرة فقط وهو البيت الذي يقول فيه:
أحدٍ يحاول بالردى بنت عمه واحدٍ يحاول ستر عذرا عوانيه |
نعم.. يستحق هذا البيت الرائع المعبر الوقوف حوله وأمامه ساعات طوال من الكتابة والتأمل والتدبر!!
* شاعرنا هنا يصور الواقع بكل شفافية ومنطق ووضوح، وكيف تكون نفوس البشر مختلفة وتدور في دائرة أعلاها العفة والكرامة وأدناها الخسة والدناء!!
صورة كريمة لذلك الشريف الذي يحاول ستر العذراء سواء لو كانت من أقاربه أو من غيرهم!! تقابلها صورة دنيئة وخسيسة لذلك القعس الذي يحاول بالردى بنت عمه القريبة منه!!
ولو أعدنا الإطلالة على البيت مرة أخرى لقرأنا بين ثناياه مايلي:
1) أصالة هذا الشاعر وترفعه عن الأمور الدنيئة!!
2) صراحة هذا المبدع إلى حد الجرأة التي يعجز عنها الكثير منا ونتهرب منها تحت مسميات عديدة.
3) التصوير الدقيق لواقع الحال لكلتا الحالتين العفة والدناءة.
4) إسقاط الشاعر تلك الصفتين على نماذج حية في مجتمعنا للتكريم المستحق أو الشنيع الواجب على من يحمل تلك الصفتين.
5) أن الأمر يتعدى بنت العم والعذراء عند شاعرنا فهو يطبقه على أولئك الذين يحملون صفة كرم النفس وسموها وأولئك الذين يحملون حقارة النفس ودنوها وهم كثير وتحت صفات متعددة خذوا مثلاً:
نسمع كثيراً عن رجال أرخصوا المال والنفس والنفيس كرامة لمواقف محددة ستروا يها كثيراً من المثالب والعيوب والمشاكل لأقربائهم ولغير أقربائهم ضاربين في ذلك مثالاً كريماً يحتذى في ستر الخمال والعيوب والمشاكل.
وفي المقابل نلاحظ في مجتمعنا الكثير من أولئك الذين يحيط بهم (الردى) والدناءة في حياتهم فتراهم حيناً يلمزون أقرب الناس إليهم بالنميمة والغيبة والتحقير حتى يبرزوا أنفسهم من خلال الإيغال في تسفيه قريبهم ذلك لإرضاء ذواتهم المريضة بالنميمة (والردى) ظنا منهم أنهم بذلك يبرزون أو تلمع ذواتهم (وما أكثرهم مع شديد الأسف في مجتمعنا)!!
6) استخدم بندر بن سرور العذرا هنا بقصد!! لأن المرأة هي أعز ما يملك الإنسان وبالذات عندما تكون عذراء!!
7) اختيار الشاعر مفردتي (الردى) والستر يدل على ذكاء عجيب عند الشاعر!! ففي الشطر الأول يحاول الردي فعل السوء وهنا افتقر بندر على المحاولة فقط احتشاماً من الموقف وتكلم عن أن ذلك الكريم يحاول الستر للقريب والبعيد وفي ذلك حنكة التصوير والقدرة على اختيار الأفكار والكلمات المناسبة والمراعية للذوق مع وجود الجرأة والتصوير والشفافية الواضحة.
8) لو أخذنا جميعاً هذا البيت وطبقناه على من حولنا لوجدنا أن شاعرنا بندر صادق فيما صوره لنا في هذا البيت المعبر حول صفتي الدناءة والعفة!!
رحم الله بندر بن سرور الروقي العتيبي؛ فقد كان لسان عصره، فأبدع وصور وثار وحطم وصال وجال وأحبه عامة الناس، ودفع الكثير ثمنا لمواقفه التي تعدى فيها الحد الأقصى له كشاعر؛ مما تسبب له في الكثير من المآسي والآلام رغم أنه ترك لنا ثروة شعرية ثرية جداً سارت بها الركبان مروراً ب(ولي عجوز من ورا شط بغداد) حتى (تركي اليامن الليالي غدت عوج) إلىغير ذلك من القصائد الجميلة، وهنا سأختم حديثي بهذا البيت الذي يعد أجمل بيت في التصوير الإبداعي:
يوم يتخثع في محير الأداعيب يشدي تخثع جادلٍ في حريره |
رحم الله بندر بن سرور وعفا عنه، وكم نحن بحاجة إلى دراسة متأنية لشعر هذا الرجل وإبداعاته خاصة تلك التي لا تتجاوز الخطوط الحمراء.
|