Thursday 7th September,200612397العددالخميس 14 ,شعبان 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

هل بدأ مجلس الشورى تحريك عجلة الإصلاح؟ هل بدأ مجلس الشورى تحريك عجلة الإصلاح؟
التجاوزات المالية والإدارية من 60% إلى أين؟
د. صالح بن سبعان

هذا ما كنت أتوقعه تماماً، أن ينتهي بنا المطاف للوصول إلى حقيقة أن البوابة الرئيسية إلى الإصلاح الجذري والجاد الذي نسعى إليه هي الإصلاح المالي والإداري، والأخير على درجة أخص. فقد ظللت أكتب ملحاً على ذلك حتى بح صوتي، وتكاد كتبي الثلاثة الأخيرة في مجملها تتلخص في محاولة ترسيخ هذه الحقيقة، وذلك بتحليل وعرض تجليات مختلف أشكال هذا الخلل في عمل منظومة مؤسساتنا الحكومية والأهلية في مختلف القطاعات.
لماذا الدهشة إذن؟
لم أكتف برصد تجليات هذا الخلل وتحليله فقط، بل حاولت أيضاً تشخيص أسبابه، منوهاً، المرة بعد الأخرى، بأن ما نراه أمامنا من سلبيات في الأداء الإداري والمالي ليس في حقيقته سوى (أعراض لمرض مزمن وخطير ينهش كيان مؤسساتنا، وأن علينا أن نحاول الوصول عبر تشخيص هذه الأعراض ? ماظهر منها وما بطن وأن نغوص عميقاً وصولاً إلى أصل الداء).
وفي هذا المسعى وصلت إلى أن آفة الآفات تكمن في (شخصنة) السلطة الإدارية أياً كان مستواها، ودرجة شاغلها في سلم المسؤولية، يستوي في ذلك قمة هرم المؤسسة تدرجاً إلى أصغر موظف وعامل، نزولاً في سلم المسؤولية إلى موظف الاستقبال.
وشخصنة السلطة الإدارية في الواقع تفرز كل أشكال التجاوزات، وسوء استغلال السلطة، وتوظيفها توظيفاً خاطئاً تتعدد أنواعه ومستوياته، وبالطبع يبدو تأثيرها هذا السيئ في الإجراءات المالية، مثلها في ذلك مثل الإجراءات الأخرى المُعرضَة لهذا الاختراق المدمر. كما أن شخصنة السلطة تساعد على نشر القيم والسلوكيات الفاسدة والممارسات اللاأخلاقية وترسيخها في المؤسسات، وتنشر اللاعدالة، ملحقة الضرر بمن لا يَحظَون باستمزاج ومحبة وصحبة صاحب القرار في المؤسسة، والذي - بسبب شخصنة السلطة يجعل من مزاجه وميوله وأهوائه الخاصة معيارا وحيداً لتقييم العاملين في المؤسسة، فيعطي وفق هذا المعيار - من لا يستحق، ويحرم من يستحق. وما ذلك إلا لأن المؤسسة آلت إلى ملكية خاصة به يفعل فيها ما يريد، ضارباً بعرض الحائط، وبلا مبالاة، بكل قوانينها ولوائحها. وفي ظل واقع مثل هذا لا تعجب إلا لمن يعجب ويدهش بحجم الفساد المالي والتجاوزات الإدارية.
أعراض مرض مزمن
وقد أوضحت فيما كتبت كثيراً، أن واحدا من العلاجات العاجلة لمعالجة هذا المرض يتمثل في تفعيل مبدأ المحاسبة و العقاب؛ لأن النظم ما ضُمّنت هذه النصوص واللوائح التي تنص على معاقبة من يتجاوز النظم والقوانين وينتهك حرمة المال العام، إلا للحد من هذه الشرور وردعاً لمن تسول له نفسه اقتراف هذا الجرم.
ونبهت ? عبر شواهد كثيرة تناولتها فيما كتبت - إلى غياب الرقابة التام، وأن هذا الغياب يغري ذوي النفوس الضعيفة. كما أشرت إلى أننا كثيراً ما نجانب التوفيق في اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، وأن جزءا كبيرا من هذا الإخفاق يرجع إلى اعتمادنا شبه التام والكلي على (السيرة الذاتية) من ناحية، وإلى الثقة المطلقة التي نمحضها للشخص بسبب قربه منا، ومحبتنا له أو لجهة قرابته لنا أو قربه منا وغيرها من الأسس العاطفية الشخصية.
وأكدنا غير مرة أن الأسس التي يتم الاختيار وفقها يجب أن تكون موضوعية لا ذاتية أو شخصية، وأن تتم وفق معايير تحددها كفاءة الشخص وحاجة المؤسسة لقدراته، وأن يقود المؤسسة وفقاً للنظم والضوابط الموضوعة وليس وفق ميوله هو الشخصية، وأن يقوم جهاز المراقبة بعمله بدقة في مراقبة أداء المؤسسة ومسؤولها الأول، وأن تتم محاسبته على ما يرتكب من تجاوزات.
هذا على صعيد المعالجات العاجلة التي لا تحتمل التأخير والتأجيل؛ لأن أسسها ونظمها موجودة، ولا تحتاج سوى تفعيلها على أرض الواقع.
أما العلاج الأكثر جذرية، والذي يحتاج إلى مجهود وإلى زمن فيتمثل في عملية كبيرة لإعادة هيكلة العقول، وغرس مفاهيم القيم المؤسسية في ثقافة المجتمع كله، وإحلالها محل قيم شخصنه السلطة.
وبغرسنا القيم المؤسسية سيتم بشكل تلقائي كنس آثار الشخصنة وممارساتها اللاأخلاقية مثل الرشوة والواسطة وغيرها من أشكال الفساد الأخرى في ممارسة السلطة الإدارية.
بصيص نور... ولكن
كنت أكتب ذلك وقد استغرق مني ثلاثة كتب كما ذكرت وكلي حرقة على ما يحدث، ونشاهده ونسمعه يومياً، إلى أن حملت الأخبار ما يؤكد أن المسؤولين قد وصلوا إلى ما ظللنا ننوه إليه ونشير بإلحاح كدنا نضيق به، ويضيق به الناس والقراء منا.
إذ أكدت الأخبار أنه بات من المتوقع أن تطبق الأجهزة الحكومية المختلفة قريباً الاستراتيجية المتكاملة للإصلاح المالي والإداري التي رفعها مجلس الشورى للمقام السامي، ولذا أجدني أكثر الناس تفاؤلاً بهذا الاتجاه نظراً إلى أهمية تطبيق هذه الاستراتيجية لمواجهة التجاوزات المالية والإدارية التي تستنزف موارد اقتصادنا الوطني وتعيث فيه فساداً وتخريباً لا تقتصر آثاره السلبية المدمرة على الاقتصاد وحده، وإنما تتجاوزه لتترك آثارها في بنية المجتمع وقيمة وتوجهاته، خاصة وقد أكد ديوان المراقبة العامة نفسه أن نسبة هذه التجاوزات تبلغ 60%.
وإن كان الواحد يستطيع أن يؤكد بضمير مرتاح أن النسبة أكبر من ذلك؛ لأن الكثير من أشكال التجاوزات تستطيع الإفلات من عين الرقابة العامة، والكثير منها يتسرب من بين فجوات شبكتها فتفلت من يديها.
صحيح أن عملية الإصلاح المالي والإداري تبدأ بدعم وتعزيز ديوان المراقبة العامة بالكوادر البشرية المؤهلة لمواكبة النمو الاقتصادي المتسارع وتعميم الإجراءات والأدوات الإلكترونية في الأجهزة الحكومية وربطها بالديوان وكذلك القضاء على الروتين والبيروقراطية، كما قال عضو لجنة الشؤون المالية بمجلس الشورى عبدالمحسن الزكري في الخبر المشار إليه بصحيفة عكاظ (العدد 14585) إلا أن ذلك يظل في الشكل الخارجي وكأننا بصدد إنشاء جهاز للمراقبة من العدم، أو كأن الجهاز القائم لا تنقصه سوى بعض الحواسيب وشيء من تعيينات موظفين جدد.
والحال أن ما ينقص هذا الجهاز هو العمل وأداء وظيفته، ومن ثم رفع ومتابعة الإجراءات القانونية والنظامية تجاه (الحالات) التي يضبطها مع الجهات ذات الاختصاص الأخرى، وإعلان ذلك على الملأ ليعرف الناس أن هذا الجهاز يعمل.
ما ينقص ديوان المراقبة العامة باختصار هو تفعيل دوره للقيام بالوظيفة التي أُنشىء من أجلها.
وإذا صدقت النية وصح العزم فإنه يستطيع أن يبدأ الآن، لا أن ينتظر حتى يتم تجديد وتأثيث مكاتبه وشراء أجهزة كمبيوتر جديدة وتعيين موظفين جدد. هل ما هو موجود من كوادره غير مؤهل وغير كفء؟.
إذن لماذا تم تعيينهم.. إذا كانت الإجابة بالإيجاب. وإذا كانت الإجابة بالنفي فلماذا ظلوا متعطلين عن القيام بمسؤولياتهم حتى تصل نسبة التجاوزات إلى 60% أو أكثر؟ هل لنقص في الأجهزة والمعدات والوسائل؟. فلماذا لم يرفعوا ذلك للجهات العليا؟.
من هنا نبدأ
أسئلة تتقافز إلى ذهني ولا أملك لها إجابة، ولعل هناك من يملك الإجابة فيتفضل بها علينا.
ولكن هذه الأسئلة تولّد سؤالاً أكبر في ذهني وهو: هل درس أعضاء لجنة الشؤون المالية بمجلس الشورى شأن الديوان نفسه جيداً؟.
هذا هو السؤال الأخطر؛ لأنه يستمد أهميته من خطورة وأهمية دور الديوان ووظيفته الرقابية في رصد أداء مؤسسات الدولة، فهو عين الحكومة على أداء مؤسساتها.
وأغلب الظن عندي أن الديوان لم يفعّل دوره بالقدر الذي يجعله رقماً لايمكن أن تتجاوزه مؤسسات الدولة ? أو بعضها على الأقل ? وإلا لكنا سمعنا عن ضبط مخالفات رفعت إلى الجهات ذات الاختصاص ولسمعنا عن محاسبات وعقوبات وقضايا يتداولها الرأي العام مثلما يتداول قضايا أقل شأناً تملأ صفحات الصحف، بما فيها سرقة الجوالات وخطف محافظ النساء في الأسواق وتزوير وثائق الوافدين، مع إغفال تام وتجاهل كامل لقضايا أخطر منها تمس الأمن الاقتصادي الوطني.
وعليه أقترح طالما تنبهنا أخيراً إلى ضرورة الإصلاح المالي والاقتصادي ? أن تبدأ العملية بإصلاح المؤسسة التي ستكون هي العين التي ترصد التجاوزات في الأجهزة الحكومية، أي أن نبدأ بإصلاح ديوان المراقبة العامة. وأن يبدأ الديوان برفع ما استطاع أن تقبضه يداه من تجاوزات إلى الجهات ذات الاختصاص، وأن يتابع هذه القضايا بكل جدية، وأن يعاد تسليح العاملين فيه بأهمية وضرورة دورهم الوطني ومدى أهمية وخطورة وظيفة المؤسسة التي يعملون بها، شحذاً لهمهم.
وعلى كل حال نحن بدأنا فيما أزعم الخطوة العملية الأولى في مشوار الإصلاح الطويل. فلنزجي الشكر لكل من ساهم في إخراج هذه القضية إلى النور من أعضاء مجلس الشورى. وبالله التوفيق.

أكاديمي وكاتب سعودي
فاكس: 6806008 (02)

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved