Thursday 7th September,200612397العددالخميس 14 ,شعبان 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

مفعول الإرادة ما بين الخير والشر مفعول الإرادة ما بين الخير والشر
د. عبدالمحسن بن عبدالله التويجري

قد نتقي الشر بما هو أشر منه، وهذا محصلة جهدنا بما هو عليه من عجز وضعف وقصور القدرة فيما نود أن نبصره، ولكن من غير طائل، ولا أحد منا تتجه به الخطى تلقائياً إلى مواقع يخشى معها الأذى، وللاجتهاد أثر قد يصيب أو يخطئ.
وفيما أظن أن أحدنا قد اجتهد ليتقي شراً أصغر ليجد أنه قد تورط فيما هو أشر منه، والشر والخير من مضامين النفس البشرية، وفي قضاء الحق عزّ وجل الحكمة فيما قدَّر، وإن جاز شيء من القول حول هذا فإنَّه لسر من أسرار النفس في تفاعلها مع الحياة وما يحدث من حولنا سواء سلوك لفرد أو دولة كبرت أو صغرت فإنها تتحرك بإحدى هذه المضامين أو بمزيج منها.فالخير المطلق صعب أن تمنحه قدرة الإنسان لتداخل عوامل عدة أمواجها مضطربة من النفس؛ حيث تميل بالمزاج إلى شيء من حب الذات أو الخوف عليها.والشر المطلق متى كان العنصر القوى في نفس الإنسان فإن حاله أشد التصاقاً بذاته لا ترى ولا يرى معها إلى مصالحه بالحق أو الباطل، وما يراه ذو مذاق للذاته ومكاسبه ووفرة ما يمتلك حتى وإن جاء بالعدوان، ولعل ما حدث بين قابيل وهابيل لنا فيه عبرة بل الدرس الذي أذن للحرف الأول أن يكتب ما يمهد به من وسائل لفهم الإنسان والحياة، وعلى هذا الأساس فإن الشر أو الخير على طريق واحد ومن مصدر واحد لكنهما بالحركة والتأثير لا يسيران معاً في الوقت نفسه وفي هذا وحدة المكان مع اختلاف زمانه حيث تنطلق سهام الشر في زمانها من نفس المكان، وكذلك الخير حينما يوجه الحركة.وهذا كله بأثر الإرادة وما تنطوي عليه النفس من قيم إيجابية وخلق وحس بالإنسانية أو العكس من على الطريق الحادي والموجه للنفس - حتى وإن نالها الضرر قبل أن يصل إلى الآخر - وفي أحيان قد يحرك مزيج من الشر والخير نوايا لها أفعال وهذا بأثره داعٍ للخوف والأمن معاً كرد فعل تلقائي لدى من تتوجه النية بالفعل نحوه، ولهذا صور عدة رأينا ونرى البعض منها على مستوى الفرد أو الدول.
وفي هذا بيان ينفي أن الصراع بين الخير والشر حتى وإن جاز الظن به إنه صراع إرادة، وفيما توجه به وفق فجورها أو تقواها ومفعولهما لا يتم إلا بما تأتي به محصلة الصراع المكون للإرادة بين القوة أو الضعف.
والإرادة بالشر لها دافع من نفس تأمر بالسوء ولا ترى غيره، والخير له إرادة منبعها ما تستطيعه المكونات النفسية حين تصل إلى مرحلة الاتزان والتوازن لنجد أن كل ما تدعو به النفس الأمارة بالسوء قد أصبح مكبوتاً بسيطرة النفس المطمئنة والملكة الروحية، وأحياناً فإن النفس الأمارة بالسوء تحاول أن تنهض من هذا الاستقرار المكبوت، وحين يتصدى للمحاولة إرادة من النفس بقدرة ما هي عليه من تقوى، فإن النفس الأمارة بالسوء تعود بها الخطى على عقب، وفي هذا معنى من معاني جهاد النفس، وقد يتيح للمجال نحو تفسير بعض من حالة الخير أو الشر في النفس البشرية.والوعي سواء استطاع به الجهد من علوم الحياة أن يدلنا على مكان النفس من جسم الإنسان أو لن يستطيع، فإنه يميز بين خطوة من الشر أو أخرى من الخير - وفي أحيان فإن هذا الوعي رادع للأذى بعمق الإحساس بالمعنى الإنساني - فتأتي نوازع النفس بأثر من الوعي وقد صار لها طريق هو أقرب إلى الصواب ليحظى الإنسان بالرشد حيث التمني والأمل أن نكون كذلك، وفي حال كتلك نُغلي بالحس والممارسة السلوك الذي منبعه التوجيه الراشد، وربما أن مكونات النفس ونوازعها وصراعاتها طريق للنجاة لمن يحاول معرفة بعض من ملامح نفسه وضرورة مجاهدتها بقوة الوعي الراشد على كل نبض يظهر أو يتسلل من داخل النفس ومكنوز ذاكرتها مع ملايين السنين أو بقياس مختلف لا أدري، وذلك الذي يتربص بمحاولة مجاهدة النفس وقهر شرورها بما يعطل القدرة نحو ذلك لمزيد من وهم اللذة وتملك ما هو مرغوب. بالأنانية التي قصر منها الفهم فلا ترى إلا ذاتاً واحدة وإن كان مَنْ حولها الأرض بما عمرت به من بشر كل واحد منهم بظروفه يستدعي عون غيره في عمار نفسه أو عمار ما كلف به من مسؤولية الخلافة على الأرض.إن الإنسان في كبده وما يعانيه من صعوبة في الفهم والعمل، والحسم مكمنه ذلك الهدى الذي أوحت به السماء وعلى رأس هذا كله التقوى، وفي كل منهاج للوحي السماوي ما يبشر بالرحمة من الخالق بجلاله وجماله المطلق، رحمة بكل خلقه متى تداعت حواسهم لواهب الرحمة عز وجل، ومهما كان الأمر وبأي منهاج يختاره الإنسان لنفسه أو معتقده فالحاجة إلى الاستقرار الممكن تتطلب مواجهة كل شيء لا نفهم إلا القليل عنه أو قد لا نفهم شيئاً من أسراره، والمواجهة تتم بجهد يوازن بين ما هو حتمي وما هو في قدرة الإنسان.ويقيني أن رسول الحق - صلى الله عليه وسلم - يسَّر مبشراً بها من خلال الممارسة والتوجيه بوحي من الحق عز جلاله، فعسى أن يمن على من أراد بمزيد يأخذ به إلى الرشد والرشاد كمنهاج وسلوك ليغلي حياته وحياة غيره من الأحياء حيث الرابط الإنساني فيما بينهم.سنبقى نحلم بالخير وأهله وبالنتائج التي هذا مصدرها، فالحلم طريق للأمل؛ نتوجه به سعياً نقترب به نحو الحقيقة.
كما قال - صلى الله عليه وسلم - (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا).وقد قال سيد من خلق - صلى الله عليه وسلم - (ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون).
وللشعر من التأمل ما قال به:


توقي الأذى من كل نذل وساقطِ
فكم قد تأذى بالأرذال سيد
ألمْ ترّ أن الليث تؤذيه بقة
ويأخذ من حد المهند مبرد

الشاعر بهاء الدين زهير
ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:


إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى
وحظك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن

وقال المتنبي:


برّد حشاي إن استطعت بلفظة
فلقد تضر إذا تشاء وتنفع

ونتذكر مقولة: إن الذي ينتصر على غيره قوي ولكن الذي ينتصر على نفسه أقوى (مكرم عبيد)
كل إرادة لا تتغلب على العاطفة تنهار وتفشل. (مايكل كولنز)

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved