كما وحّد الله قلوب أهل جزيرة العرب على الإيمان بالمحبة والإيثار والإخاء والتسامح، وحّد طبيعة أرضها، ونوع مناخها؛ فالأرض منبسطة في وسطها لا يعترض السائر على قدميه من نجد إلى حضرموت سهل أو جبل أو نهر أو بحر، جبالها في أطرافها، وسواحلها رطبة ندية، فمناخ جدة والدمام والخبر على البحر الأحمر والخليج العربي في المملكة، يماثله مناخ الحديدة وعدن والمكلا على البحر الأحمر والبحر العربي في اليمن، ومناخ المرتفعات البارد المعتدل في الطائف في المملكة يقابله مناخ صنعاء وما حولها في اليمن، والمناخ الصحراوي الجاف في قلب الجزيرة تتساوى فيه الرياض بنجد في المملكة مع سيئون وما حولها بحضرموت في اليمن.
وقد انعكس هذا التشابه في المناخ وطبيعة الأرض، إضافة إلى الإيمان الراسخ في القلوب، انعكس على طبيعة البشر، وعادات المجتمع؛ فكانت أهم الطباع التي تجمع أبناء جزيرة العرب، الكرم وحبّ الخير، والتسابق على الإيثار، وسلامة الصدور والتسامح، وسرعة العودة إلى الحق.
وقد يتبادر إلى ذهن مَن لم يقرأ التاريخ أن صفتي الكرم والأريحية ظهرتا مع ظهور الثروة وتفجّر النفط في العصر الحديث، وهذا غير صحيح؛ لأن الكرم وحب الخير من الصفات التي ترتبط بطبيعة النفس البشرية، ولا علاقة لها بالأحوال الاقتصادية، ويستوي فيها الفقير والغني؛ لأنك تجد في طبائع البشر غنياً ذا نفس كبيرة فلا يجود، بينما تجد فقيراً ذا نفس غنية هو في جوده أسرع من الريح المرسلة. ويؤكد التاريخ القديم والحديث أن أكرم رجال العرب لم يكونوا من الأثرياء، وأن الذين حازوا القيادة والسيادة في أقوامهم كان ذلك بسبب كرمهم وشرفهم، ولم يكن بسبب ثرائهم، وأن الأثرياء الذين اشتهروا بالكرم كانوا في الأصل فقراء كرماء قبل أن يغنيهم الله من فضله؛ ولهذا ظل الكرم والأريحية من أهم الصفات الغالبة على أهل المملكة واليمن رغم التفاوت الاقتصادي؛ إذ لم يستطع هذا التفاوت أن يؤثر في كرم أهل اليمن وأريحيتهم؛ فطبائع النفوس واحدة، والمعادن الأصيلة لا تتغير بتغير الظروف والأحوال.
ومن هنا فإن الدارس للعادات والتقاليد في كل مواطن الجزيرة العربية قبل الإسلام يجد أنها واحدة في محاسنها كالغيرة على العرض، والذود عن الأرض، وإكرام الضيف، وإجارة المستجير، وإغاثة المكروب، والتعاطف والتراحم، والوفاء بالعهد، والصدق والأمانة؛ لهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق)، ولم يقل لأرسي مكارم الأخلاق. وهكذا رفع الإسلام من قدر مكارم أخلاقهم، وأكد عليها، وأضاف إليها، وحط من أخلاق جاهليتهم وطبائعها وعاداتها، ونهاهم عنها، وكلما ظهر منها عليهم شيء سمعوا نبيهم - صلى الله عليه وسلم - يقول ناهياً: (دعوها فإنها منتنة) يقصد العصبية الجاهلية. وكلما اختلفوا سمعوه يقول آمراً: (لا ترجعوا من بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
وكلما تمايزوا بغير تقوى الله، وتفاخروا بالأموال والأحساب والأنساب سمعوه محذراً مغضباً يقول لهم: (لا يأتني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.. من أبطأ به عمله لم يسبق به نسبه.. والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)!!
ومثلما حفظ الله لجزيرة العرب وحدة قلوب أهلها وترابها بعد أن أعطاهم فضل حمل الرسالة، وأداء الأمانة، حفظ لها وحدة دينها دون سائر بلاد المسلمين؛ فلا ترتفع راية بغير دين الإسلام فيها، وفق ما قاله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب). وهذا تشريف ثالث لأبناء هذه الجزيرة بعد اختيار رب العالمين لرسوله من أهلها، ووجود الحرمين الشريفين على أرضها.
|