من يتذكر العنت والمعاناة التي لاقاها الجمهور السعودي مع الهواتف الثابتة والجوالة فيما مضى من السنوات، فإن تلك الذكرى مصدر قلق وتذمر من سوء التعامل والمعاملة ورداءة الخدمات، لا بل الشعور بعدم المبالاة التي كانت سمة موظفي الحكومة ممثلة بالوزارة التي انتهت من الهيكل الإداري لمجلس الوزراء. ولا يمكن إغفال حجم الطلب وقلة العرض رغم ما بذل من أموال لبناء شبكة الهاتف من شبه العدم. فقد تنامت أعداد السكان والمؤسسات التجارية بما جعل حجم الطلب يفوق حجم العرض ما أوجد سوقاً سوداء من أجل الحصول على هاتف منزلي كان أم تجاري.
كان من ضمن سوء الخدمات الإجراءات الإدارية من صك الملكية أو عقد إيجار أو طلب من الوزير لإنشاء هاتف في إدارة من إدارات وزارته في أي بقعة من الوطن، ثم المسارات الصعبة من مواعيد المساح الذي كان انتظاره يفوق عشر ساعات وقد لا يرى.كل هذه المؤشرات السلبية كانت مع غيرها مجالاً رحباً لسوء الأداء الذي اتسم ببيروقراطية الأداء ونظرة موظف الحكومة أنه مانح للخدمة لا مقدم لها بمقابل مادي!! لقد كان من أصعب الأيام أن يضطر إنسان إلى طلب هاتف، لكن جاء قرار الحكومة بتحويل قطاع الاتصالات إلى قطاع خاص يدار بالمفاهيم التجارية وتقديم الخدمة والعمل على كسب رضى العملاء الذين يسعون إلى تسخير خدمة الاتصالات بمختلف أنواعها وأنماطها بطرق سهلة وإجراءات مختصرة.
لقد جاء التحول في الأداء من منح إلى تقديم، وتحسنت أساليب الإدارة نسبياً، وما كان هذا ليتم لولا ما تم اتخاذه من إجراءات وقرارات حاسمة، إذ تم شراء خدمات نسبة كبيرة من العاملين الذين لم يتطور لديهم الأداء ولا مفاهيم الخدمة، فكان هذا إيذاناً بضخ دماء شابة مقتدرة على الفهم واستيعاب مفاهيم الخدمة وإرضاء الجمهور المستهلك، وإن كان ما زال يشوب تصرفات بعض العاملين في بعض المكاتب من قلة خبرة وقلة الحس بأن العمل خدمة للناس بمقابل، ولا يليق أن يكون فهم بعض الموظفين فهماً قاصراً أو سلوكيات تسيء للجمهور المستهلك.
كما كان للتوظيف الجيد للموارد البشرية المواطنة أثر إيجابي في تجفيف موارد الاستغفال أو سلوك تعطيل الأعمال، وربما طلب مقابل في الخفاء. لكن الأمر الأجدر بالذكر هنا هو أن التنافس هو المجال الأرحب في تحسين الخدمات وتطوير أساليب العمل واستخدام التقنية وأنماط إدارية سهلة سريعة فعالة ومنتجة، هذا جانب، وفي الجانب الآخر فقد تم إطفاء نرجسية التعامل التي وسمت بعض تصرفات وأعمال قياديين كبار لم تسعفهم معازفهم الفكرية ولا المهاراتية على بذل شيء ميسر، فكان التعامل النرجسي غطاء لعدم الفهم والوعي.
الصور القاتمة التي سادت مجال الاتصالات، تبدو - ولله الحمد - قد باتت من الماضي ولا بواكي عليه. فقد ذهلت ولم أفاجأ بتحسن الخدمات مقارنة بما سبق، فقد كنت في حاجة إلى هاتف لأعمالي وذهبت إلى مركز من مراكز الخدمة، وجرى تعبئة نموذج فقط، ولم يُطلب مني صك ولا عقد إيجار، بل أبلغني الموظف الذي كان يتعامل مع الحاسوب، ومن خلاله استطاع أن يعرف رقم الكابينة ومدى السعة فيها، وأبلغني أن الهاتف سيتم تأسيسه خلال 24 ساعة!! وقد تم ذلك والحمد لله.. تذكرت وأذكر هذا وما سبق لكي تكون المقارنة عاجلة، وما ذلك بعزيز ولا غريب.. فهذا جزء من عائد الاستثمار الوطني في بنات وأبناء الوطن الذين يديرون قطاع الاتصالات، ونحن جديرون بهذا الوطن وبناته وأبنائه لبذل المزيد من العمل والإنتاج، فالعصر عصر العلم والعمل والإنتاج واحتراف الجدية وتقدير الوقت وثمنه.
أجدني في حل أن أخاطب الأجيال الجميلة التي تدير وتشغل قطاع الاتصالات، فأقول: إن المنافسة هي مجال خصب للإبداع، وفي وطننا مبدعات ومبدعون، لكن وعلى المسار المهني والاحترافي نفسه، ففي ظني أن المزيد من الشفافية والوضوح في التعامل والمعاملة والاعتراف بالخطأ والقصور أمر لا يعيب، بل هو معيار مهم من معايير الجودة.
كل ما سبق لا ينفي وجود قصور وتدنٍّ في قطاع نظام DSL، وتلاعب مقدمي الخدمات والتهرب من الإجابة عن الاستفسارات حول تردي الارتباط وسرعة البث.
|