كان (المشراق) في ذلك الصبح الشتائي البارد محتشداً بالرجال المكتهلين!!
وفي هذا الجو كما هي العادة في قرى نجد يحلو الجلوس في المشراق ويطول بانتظار إطلالة الشمس الدافئة العذبة ويطيب الحديث ويتشعب عن كل شيء حتى عن الحرب والحب.
يومها برزت الشمس من بين الغمام فأشاعت الدفء وحركت الدم في الأجساد النحيلة، قال أحدهم بصوت مشحون بالأسى: أقول يالربع ويش علوم ضويحي؟!
ما فيه طاري أو أخبار عنه
الرجال غدا وما عاد له حس ولا خبر!!
ووجم الجميع عند ذكر اسم ضويحي، أبو تركي كأنهم لم يتوقعوا ذكراً لذلك الرجل الطيب الذي كان قبل عام مضى يشاركهم هذا المجلس ويملأ نفوسهم بهجة وأنساً بحديثه الشيق الحلو وبمزاحه المهذب الخفيف.
قال واحد منهم، بعد لحظات حزينة: والله يا جماعة الخير شيء محير لا هو بسقيم ولا معسر ولا مطلوب فلماذا اختفى ضويحي وأين اختفى؟!
أولاده وأصدقاؤه تعبوا من اللف والدوران في البلاد سألوا ونشدوا عنه في كل مكان سألوا عنه حتى الرعيان في الصحراء, ولكن بلا فائدة لا أحد يدري عنه أي شيء!!
قال آخر: طيب ويش هي مشكلته؟! ويش سبب غيبته؟! والله يا جماعة قلبي يقول لي إن (أبو تركي) ما هو بعيد من هنا وما هي إلا أيام ويعود بحول الله.
قال الذي عنده العلم: صاحبنا ضويحي يا جماعة لن يعود أبداً مشكلته صعبة!! ولا يقدر أحد على حلها والرأي عندي أن البحث عنه عبث في عبث!!
وتضييع للوقت!
وانصبت العيون على الشيخ علوان وتقاطر الجميع يسألونه بلهفة وخوف: أين ضويحي؟
- هل رأيته؟
- هل تعرف مكانه؟
- هل هو حي؟
- ما هي مشكلته؟
- لماذا اختفى؟
- هيا خبرنا يا علوان.. أين أبو تركي؟
وجد الشيخ علوان أنه وقع في ورطة فهو الآن لا يستطيع التراجع أمام هذه الأسئلة المشفقة الحادة التي تهطل عليه كالمطر.
قال الشيخ علوان وهو يلوم نفسه على ما فرط به من كلام أصبح مسؤولاً عنه: ارفقوا يا جماعة كسرتم عضدي وشققتم ثوبي, أنا لا أعرف أين هو ضويحي الآن، ولكنه أسر إليَّ أنه سوف يرحل ولن يعود وأقسم بأنكم ستبحثون عن أخباره ولكنكم لا تجدونها.. انهزم!!
قهره الزمن والناس!!
هزه رجل من كتفه بعنف قائلاً: أنت رجل سوء!! تلعب بعقولنا.. لا بالله أنت تعرف أين هو خوينا أبو تركي إن كان صديقك.. وأخباره عندك هيا توكل على الله ودلنا على مكانه وإلا لا تلم إلا نفسك!!
أنت توحي؟!
وقف الشيخ علوان على قدميه.. بصعوبة.. لقد ضاق عليه الخناق لابد أن يفعل شيئاً قبل أن تأتي اللحظة التي لا ينفع فيها الكلام!!
تردد الشيخ علوان قليلاً للتفكير بالخروج من المأزق الذي أوقع نفسه فيه وما لبث أن مد يده إلى جيبه الداخلي وأخرج مفكرة صغيرة رمادية وسلمها إلى أحد الثائرين عليه وانصرف غاضباً.
تغير الزمن!! لم يبق من الحقيقة إلا الظلال الباهتة يا ضويحي.. بعد سنوات من العمل الجاد والخدمة المتواصلة بإخلاص يضعونك على الرف! يسحبون من تحتك كل شيء ويسلمونك (لبزير) ولد صغير لا يعرف من أمور الدنيا شيئاً إنك الآن لا تصلح للعمل والخدمة العامة!!
إنك تسقط إلى أعلى..!!
وها أنت تجر أحزانك عائداً إلى بيتك منكسر البال وتحس بالخيبة والنسيان!!
والغبار في حلقك!
ها هي آخر زوجاتك، وردة جميلة.. كلها رشاقة وأنوثة ولكنها مشغولة عني بنفسها وعيالها وثياب الأفراح الجديدة!!
أريد أن تعطيني جزءاً من وقتها، ولكن دائماً أقبض على الريح!!
إذن لابد أن أهز هذه التفاحة قليلاً
أستفزها.. أخيفها.. قلت سأتزوج قريباً!
قالت ساخرة دون أن تلتفت: تتزوج؟!
أن تتزوج؟!
أنت عجوز عاجز طايح مفكك!!
ثم انصرفت وتركتني نهباً للوحدة والهواجس!!
اليوم خرجت إلى السوق.. وودت أن أرى ماذا حدث في سوق القرية خلال غيبتي الطويلة في المدينة، لم أكد أتعرف على السوق، ولا الدكاكين ولا الناس.
كل شيء تغير تحت مطرقة الطفرة، الممرات الضيقة الموحلة صارت شوارع فسيحة والبيوت المبنية باللبن صارت عمارات ولا أحد واقف أو جالس، الكل يركض إلا ضويحي هو الآلة المعطلة داخل الزحام والضوضاء!!
لا أحد في السوق يتعرف على ضويحي يتكلم مع نفسه!! ضويحي الآن ذاكرة ممسوحة!! والناس الذين يمرون من حوله في السوق لا يعرفهم ولا يعرفونه..
ما علي من أحد قالها.. البركة في أبنائي وبناتي ها هم رجال متعلمون وبنات متزوجات موظفات.. وغداً العيد سوف يأتون لزيارتي سوف أجلس معهم وأداعبهم وأشير عليهم ويسمعون كلامي.
ومر العيد ويوم ويوم ولم يحضر منهم أحد.. إنهم في شغل شاغل عني بزوجاتهم وأبنائهم وأصدقائهم مشغولون بالمال أيضاً، والشركات والسفر، مشغولون بالسيارات الفارهة والرحلات لقد انتهيت يا أبو تركي وكأن شيئاً لم يكن.. أما هم فلعل لهم عذراً لا نعرفه، وقال لنفسه: أنت حر في حياتك (مير) وبس وتزوجوا وراحوا وخلوك في المهمهية لقد ذهبوا عنك بما لديهم وما يكسبون الولد يعطي زوجته والبنت تعطي زوجها هكذا المجتمع وأنا من يعطيني؟ على الأقل من يسأل عني.. لو أن عندي مال وورث.
أعوذ بالله من هذه الأفكار!
عند الفجر حاولت النهوض لم أستطع!!
أقول لكم جذبت نفسي بكل قوتي ماذا حدث لي مازلت شاباً قوياً حتى ولو وصلت الستين، لست ضعيفاً ولا خرفاً!!
هذه المجنونة المفتونة بشبابها تقول إنني طايح وعظامي آخر لخبطة!! توضأت وذهبت إلى المسجد وبعد الصلاة مررت على الحيالة والمزرعة شعرت بالحنين إلى هاتيك النخيلات اللواتي زرعتهن بيدي!!
ولكني وجدت أعجاز النخل لم تعد أعجازاً خاوية فحسب بل وجدتها حطباً هشيماً، الأبناء لا يعتنون بها.. حتى النخل شاخ وتهدم وأوشك على السقوط.
إن ما يقول علوان صحيح.. نحن نعيش في زمان غير زماننا فقد تغيرت الأذواق والمفاهيم والنفوس والناس لابد أن ننحني للعاصفة ونعترف بالأمر الواقع.
وقلت ساعتها: هذا مستحيل نحن أفضل وأقوى من هذا الجيل ولا يزال لنا بقية من حياة وحياء وأمل.. لقد أفسدوا حياتنا وأولادنا بهذه العولمة وها أنا الآن أمام المرآة أرى الحقيقة أرى الفاجعة.. تجاعيد وشعر أبيض وعينان ذابلتان يخالطهما احمرار.. ولكن الاستسلام مستحيل مستحيل.
وعندما انتهى القارئ عرفوا لماذا اختفى صاحبهم ضويحي.. لقد أبى أن يتكيف وأبى أن يستسلم فرحل.
وها هم واحد بعد الآخر يلملمون عصيهم ويتفرقون من المشراق والشمس تصعد في كبد السماء.. كل إلى طريق.. كل إلى داره وهو يهمهم.. الحمد لله على نعمة العقل.
|