اليوم هو اليوم الوطني لتوحيد المملكة العربية السعودية، وبهذه المناسبة فإننا نتجه إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل المفدى وولي عهده المحبوب ونائبه الثاني وزير الداخلية المحبوب والأسرة المالكة الكريمة والشعب السعودي الكريم عامة أحر التهاني وأطيب الأماني رافعين أكف الضراعة إلى الله العلي القدير أن يعيد هذه الذكرى المجيدة على الجميع كل عام بالخير والبركات لما لها من شرف ومباهاة وهيبة يفتخر بها كل سعودي بين الأمم وفي شتى المجالات تلك المجالات التي نتطرق إلى شرح نبذة قصيرة عنها وعن تاريخ حياة البطل عبدالعزيز باني صرح هذه المملكة وموطد أركانها.. وعن هذه الذكرى المجيدة التي صادفت أول الميزان.. الميزان الذي ذكره الله في محكم كتابه بالعدل بين عباده وفي أرضه.. الثاني هو ميلاد عبدالعزيز على هذه الدنيا.
لقد كانت الأمراض تفتك بشتى أنواعها مثل الكوليرا والجدري وغيرهما في هذه البقعة من الأرض أن لا حول لهم ولا قوة، لا طبيب يداوي ولا دواء، لا علم ولا متعلم يطيع العالم لا راعي مسؤول ورعية مجتمعة لا طرق صالحة للمسيرة والمسابلة لا تموين ولا تسويق.
وكان عبدالعزيز يومها في الكويت فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينقذ هذه الجزيرة مما هي فيه من البؤس والشقاء والذل والجوع والخوف. حين استأذن من والده عبدالرحمن ليتوجه إلى نجد لتنفيذ خططه التي رسمها في ضميره طيلة السنوات التي خلت وهو في الكويت، فلم يوافقه والده واخوانه ورفقاؤه على رأيه بقولهم له: لم يحن الوقت وليس معنا يا عبدالعزيز شيء من المال ولا من الرجال ولا من السلاح ولا من الخيل، فأجابهم أن الوقت قد حان وإنني أملك كل المال والسلاح والرجال والخيل وكل هذا ينتظرني في الرياض، في الأحساء، في الحرمين الشريفين في الشمال في الجنوب في اليمن في كل مكان في حلي وترحالي (إنه الإيمان بالله وحده لا شريك له) الإيمان الذي سار عليه من قبله صفوة خلق الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.. وليقين والده التام الذي لا يخامره أي شك في ابنه عبدالعزيز سمح له بالخروج من الكويت فخرج ومن معه على إبلهم.. سلاحه وزها به الإيمان بالله وحده وصار يطوي القيافي طي السجل للكتب تارة يمشي على أقدامه وتارة يركب على راحلته لا يعرف حرارة الصيف وسمومه ولا زمهرير البرد في الشتاء وصار يأمر بما جاء في كتاب الله وينهى عن ما سواه يضرب بسيف العدل كل من خالف أوامر الله وسنة رسوله، فأدخل الرحمة في قلوب من هم لها ويعرفونها وأدخل الرعب والفزع في قلوب من يتجاهلونها حتى قبض بيمينه وبشماله ووجه إرشاداته واختار لها رجالاً يعملون ويحاربون ويأمرون وينهون ويقتلون كل قاتل ويجلدون الزاني ويجيرون المستجير ويجمعون الشمل ويؤدبون قادة الجهل قادة الظلم قادة الفوضى.
فقد سن نظام الشريعة السمحاء الإيمان بالله وحده والاتجاه إلى الطرق الصحيحة بشتى أنواعها. ثم فرض نظاماً تعرفه الحاضرة والبادية بعرفهم. بلهجتهم. بعاداتهم. بتقاليدهم المألوفة آنذاك حتى يكون فاصلاً منيعاً عن الأخذ والرد بالثأر ألا وهو (الحفار والدفان) يعني كل دموم أو ما يتعلق بها من إثارة الفتن ومن السلب النهب لا يجوز بحثها مطلقاً بعده. فتقبلته البادية والحاضرة قبولاً حسنا ليقينهم التام أن كل ما يهدف إليه عبدالعزيز حسن.
ثبت للجميع أن عبدالعزيز تقي. كريم. شجاع. فذ في أفعاله وأقواله مجيد في نطقه ووعده متسامحاً عن المخطئ متى ما طلب منه العفو والتسامح يساعد كل من هدفه الحق ويهين ينبذ كل من كان ضد الحق.. استطاع بقدرة ربه أن يكسب الثقة المطلقة من شعبه ويرسل من يراه من أبنائه وأقاربه ورجاله إلى جميع الأطراف البعيدة ليمسحوا دموع كل مستجير ويسيلوا دموع كل جائر حتى تعيش كل البشرية عيشاً هنيئاً بالسعادة والهدوء والاطمئنان، ويتذوقوا حلاوة العلم لا يمسهم مرارة ولا نكد ولا نصب.. فزالت الضغائن من قلوب رعيته وشعبه وحل محلها الصداقة والاخاء. وصار كل بعيد قريبا في هذه المملكة المترامية الأطراف حتى تعارف أهل الجنوب مع أهل الشمال وأهل الشرق مع أهل الغرب تسامحوا عن ما سلف. تعارفوا. تصافوا. تآخوا. تراحموا. زالت الحزبيات. وذابت الوشايات اجتمع الشمل وتأكد للجميع أنهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
شاء الله سبحانه وتعالى وصار عبدالعزيز إلى حوار ربه لقوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} مات عبدالعزيز وراح إلى دار الآخرة إلى جنة الفردوس إن شاء الله ولكنه لم يمت عن شعبه وبلاده وجميع المسلمين فقد استلم الأمانة من بعده أبناؤه واخوانه البررة فمشوا على تعليماته التي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا وليس فيها ما يخالف قوله سبحانه وتعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فأدوا الأمانة ولم يتركوا قيد أنملة من المحاسن إلا وعملوها بإرادة الله سبحانه وتعالى ثم بتوجيهات وإرشادات واحد منهم إنه فيصل البطل ابن عبدالعزيز البطل.. فيصل الرجل الفذ الذي تعجز الأنامل بأقلامها أن تسجل محاسنه ومواهبه ومساعيه.. إنه الرجل الصامت. المتكلم. المخيف. المهاب. المتواضع. الذي انطبق عليه قول الشاعر (للحلم أوقات وللجهل مثلها) استطاع أن يسل السيف المغمد وفتح كيس الذهب الأحمر والأسود وسيل المداد بأقلامها حتى ركز كل الأمور في مواضيعها فاستأصل بالسيف كل سرطان وفصله ونبذه ثم سيل الذهب وركزه في مواقعه. ومحا بالمداد كل أخطاء قد كتبت على الهوامش فأبرز كيان هذه المملكة. المملكة العربية السعودية في جميع المجالات ليس لشعبه وجيرانه فحسب بل للعالم أجمع إنه خادم الحرمين الشريفين قولاً وعملاً ومؤسس التضامن الإسلامي.
أمير أملج عبدالرحمن بن عبدالله اليوسف |