Al Jazirah NewsPaper Saturday  24/03/2007 G Issue 12595
مقـالات
السبت 05 ربيع الأول 1428   العدد  12595
 
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
القرآن المعجزة
د. عبدالمحسن بن عبدالله التويجري

 

أي محاولة لفهم آيات رب العالمين وما جاء به الوحي العظيم لا معنى لها إلا بشروط لا بد من توفرها لهذا الفهم وأسبابه، وكذلك الدافع والهدف. ومنطلق هذا التصور فيما يتعلق بالعلم الحديث قائم على أن جميع اكتشافات هذا العلم لا تؤكد ما جاء به الوحي، والعكس هو الصحيح؛ فالقرآن معجزة كبرى وليس من معجزة تؤكد إعجازه، وبالنسبة لما جاء به العلم الحديث وسبق بيانه في القرآن الكريم فإن العائد لا يأتي بجديد أكثر من كونه مصدراً للتأمل والإيمان حيث قال الحق عز وجل: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.(1)

وقوله سبحانه:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} (2)

وقوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} (3) وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (4)

ولعل من يتأمل بفهم جيد هذه الآيات الكريمة يزداد إيمانه إيماناً، ويقوى فكره بما يتأمل، وهذا لا يؤدي إلى استنباط لمن يقول بالإعجاز العلمي في القرآن.

فالإنسان بما كُلِّفَ به وفي خلقه وتركيبة جسمه ونفسه وعقله الأولى بأن يكون موضوعاً للإعجاز، وذلك أمر لا يحسب على الإعجاز العلمي في القرآن وشواهد ذلك ما سبق من آيات كريمة حيث أمر عز وجل بالتأمل والتبصر في قوله: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) سورة الذاريات.

وكل ما في القرآن من آيات حول العلم بكامل فروعه داعٍ للإيمان، وتلك حقائق إيمانية؛ فهو كتاب هداية قبل كل شيء، والنصوص الأدق واللائقة بالقرآن الكريم وبالعلم لا شح فيها.

ولعل الدكتور (مصطفى محمود) أدرك ذلك فكان الربط بعيداً عن هذا المسمى، فاختار لبرنامجه وما يكتبه مسمى (العلم والإيمان)، وإكمالاً لهذا لنتأمل آيات الحق سبحانه في الإنسان الذي ذكر القرآن عنه قوله عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (5) وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (6)

وفي هذا التكريم وما هو أحسن تقويم يتأكد معه شيء من المعجزات القرآنية وعن خلق الإنسان قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} (7)

وفي قوله عز وجل: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}(8)

ولكن الإنسان لحم وعظم فأين الطين؟

كل ما في جسم الإنسان من حيث تكوينه الجسدي مكون من معادن طبيعية في أصلها من الطين والتراب؛ فالأرض هي الأصل والإنسان منها الفرع، والعقل والإدراك والإحساس وكل ما هو في دائرته ما كان ليكون إلا حين نفخت فيه الروح، وجسم الإنسان خلية، وهي الأساس وفيها كل العناصر التي يتكون منها جسم الإنسان كجسد، وفي لسان العرب والمنجد فإنّ معنى الخلية لغوياً: الحجرة المغلقة.

ومن آياته في خلق الإنسان ما يتعلق بالجملة العصبية التي تتكون من الجملة العصبية المركزية والأعصاب، وتتكون الجملة العصبية المركزية من الدماغ والنخاع الشوكي، ويتألف الدماغ من المخ والمخيخ والجذع الدماغي، ومن عظمته ما شاء الحق سبحانه أن جعل عدد الخلايا الدماغية أربع عشرة مليار خلية عصبية، تسعة مليار منها في المخ وحده، وخمسة مليار في باقي أنحاء الجملة العصبية، وقد يتكامل هذا العرض باستعراض نبذة عن النوم؛ فالنوم ليس جسداً يتمدد على سريره فقط بل إن ذلك وظيفة تمرّ بمراحل معقدة لا تعتمد على الكم فقط بقدر اعتمادها على الكيف، ومتى اضطرب شيء من وظيفة النوم أدى إلى بعض من اضطراب الإنسان في نفسه وعمله، ومثال ذلك من نام لساعات طويلة قد تبلغ ما يزيد على اثنتي عشرة ساعة في بعض الحالات، ويتبين لمن يشاهده نائماً أنه يغط في نوم عميق، إلا أن واقع الأمر غير ذلك، وهذا ما يفسر الفرق بين الكيف والكم؛ فمن هذا حاله يشعر بالنعاس دوماً، وقد يحدث ذلك أثناء سجوده للصلاة، أو حين توقفه أمام إشارة المرور إلى جانب أعراض جانبية منها ما يصيب الجهاز الدوري الدموي والذاكرة والقدرة الجنسية..الخ.

ومن يعاني من هذه الأعراض يتأثر حضوره لعمله وكذلك أدائه، ويتهم بالكسل والإهمال، أو بتعاطي ما هو محرم. ويصاحب ذلك حالة من القلق الذي قد يكون بداية إلى ما هو أعقد، وأخيراً في مجال النوم أصبح ممكناً التشخيص والعلاج.

وبفضل من الله أن زود جسم الإنسان بجهاز المناعة ليعمل دون تدخل منا ودون أن ندري في معظم الأحيان؛ فحين دخول جسم غريب في جسم الإنسان لا يمكن له الاستقرار إلا بعد أن يقرر جهاز المناعة قبوله، ويتم ذلك من خلال انعدام حالة الرفض التي لو تمت أحسسنا بها، كما أن الجسم الغريب كالجرثومة أو غير ذلك متى رفضه جهاز المناعة صنع جسماً مضاداً على شكل الجسم الغريب، فإن كان مثلثاً فالمضاد له مثلث ذو سعة تمكنه من احتواء الجسم الغريب والقضاء عليه، وإن كان مربعاً أو دائرياً أو أي شكل يكون فالجسم المضاد يطابق شكل الجسم الغريب بإحكام يمكنه من التهامه؛ فالعملية تشبه مفتاحاً وقفلاً، ولا يفتح القفل إلا بمفتاحه الذي تتطابق أسنانه مع ممر القفل.

وهذا كله ليس بمعجز على الخالق سبحانه، وكون العلم الحديث قد اكتشف شيئاً من ذلك فهو شيء لا يعبر عنه من يقول بالإعجاز العلمي في القرآن؛ فالخالق سبحانه رب العلم، ومنزل الوحي العظيم، والأمر لا يتجاوز أن الاكتشافات العلمية كتاب يُفسر حقائق ثابتة مؤكدة في القرآن الكريم، وهو ليس بإعجاز على قادر قدير وإن توارى المعنى من خلال مصطلح الإعجاز العلمي في القرآن.

وقد يرى غيري صواب المسمى في المعنى والهدف، غير أن قدسية القرآن وما جاء فيه إعجاز لا شك حوله يتطلب تبرير أي مقارنة مستنتجة بين العلم والقرآن الكريم، ومن اعتمد على هذا المسمى فقد يأتي من يقول بالإعجاز اللغوي في القرآن، أو في الجانب التشريعي، وهكذا بينما القرآن بكامله إعجاز مطلق لا يؤكد معجزته تجزئة كتلك، ومن المتفق عليه أن آيات القرآن يفسرها القرآن بكامله؛ فما هو بَيِّنٌ في سورة ما يزداد وضوحه في الأخرى. وبهذا المثل نؤكد وحدة القرآن كمعجزة متكاملة وشاملة لا يجوز معها أي تجزئة، حتى وإن حسنت النية، وهذا ما أجزم به كما أجزم بنبل الهدف.

ولا أظن أن بإمكاني اقتراح البديل حيث أئمة علوم القرآن وكذلك اللغة العربية الأقدر على ذلك.

(1) سورة الذاريات، آية (21)

(2) سورة فصلت، آية (53)

(3) سورة الذاريات، آية (20)

(4) سورة الجاثية، آية (13)

(5) سورة التين، آية (4)

(6) سورة الإسراء آية (70)

(7) سورة المؤمنون، آية (12)

(8) سورة طه، آية (55)

****

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«6383» ثم أرسلها إلى الكود 82244

تعليقات

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد