Al Jazirah NewsPaper Sunday  13/05/2007 G Issue 12645
وَرّاق الجزيرة
الأحد 26 ربيع الثاني 1428   العدد  12645

رشيد بن حسن الهزاني (مقشم الهيل)
سعد الأحمد الهزاني

إن من عرف شخصية الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - يعلم تماماً أنه كان ملماً بأحوال شعبه، وذا معرفة بالغة الدقة برجاله. وما يدل على فراسته القوية ودرايته الواسعة أنه أطلق لقب (مقشم الهيل) على الشيخ رشيد بن حسن الهزاني أحد شيوخ الهزازنة وكبارهم. وهذا اللقب دلالة على كرمه، حيث كان يأمر - رحمه الله - مجهز القهوة أن يقشم الهيل؛ أي يخرج قشر الهيل ويبقي له (مبالغة في الكرم).

وهذا الفعل لا يفعله إلا الكرماء. ففي ذلك الوقت لم يكن يحصل على الهيل إلا القليل؛ لأنه نادر الوجود وغالي الثمن.

وقبل الحديث عن قصة هذا اللقب نبدأ بالتعريف بشخصية صاحبه؛ وهو رشيد بن حسن بن رشيد آل حسن الهزاني من قبيلة بني هزان (الهزازنة) العائد نسبهم إلى: هزان بن صباح بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عترة بن أسد بن ربيعة.

وقد ولد هذا العلم في مدينة الحريق سنة 1287هـ، ثم انتقل منها صغيراً مع أبيه إلى المزاحمية، وله من الإخوة محمد وعبدالله وأبنائهما الباقين في المزاحمية. ولهذه الأسرة مآثر ومكارم حافظ عليها الخلف كما كانت في السلف.

وكان لنشأنه في مدينة المزاحمية دور في تكوين شخصيته، حيث إن المزاحمية في طريق الرياض، إذ يمر عليه أهل بلدته من الحريق ونعام، وكذلك أمراء البادية المجاورون، وهذا ما جعله مدهالا للضيوف، حيث اعتاد عليهم، فلم يستأنس مجلسه إلا بضيف.فقد اشتهر - رحمه الله - بالكرم، وحرص على تكريم ضيوفه أيما إكرام، فكان أحياناً يضطجع في مجلسه، حيث تصيبه الكآبة والملل من عدم وجود أضياف، فإذا سمع صوت ركائب أو مطايا ينهض سريعاً قائلاً: (يالله عساه ضيف..)، ويفرح كثيراً وتبتهج أسارير وجهه عند مقدم ورؤية ضيف..وكان مجلسه عامراً بأعيان البلد وأمراء البادية من قحطان وعتيبه والعجمان والدواسر وغيرهم.يضاف إلى هذا ما عرف عنه من شجاعة وفصاحة، وقد كان ملماً بالتاريخ والشعر والأنساب، ويحفظ قصائد أشهر الشعراء مثل الشاعر محسن الهزاني ومحمد بن لعبون وعبيد الرشيد وابن ربيعة.

أما صفته - رحمه الله - فقد كان طويل القامة ضخم الجثة فصيح اللسان جهوري الصوت إذا تكلم أسمع، ينصت الجميع لحسن كلامه وبلاغة عباراته، فكلامه عجب ونطقه ذهب..

ولا أدل على ذلك من إعجاب الملك عبدالعزيز بحديث (مقشم الهيل) الذي ألقاه بعد سلامة الملك من الاعتداء الآثم في مكة المكرمة سنة 1353ه، ففي أثناء استقبال الملك عبدالعزيز للمهنئين بالسلامة في (قصر السقاف) بمكة المكرمة وقف (مقشم الهيل) أمام الملك في مجلسه المكتظ بالمهنئين خطيباً رافعاً صوته، فأوقف الملك السلام وأمر الجميع بالإنصات، ثم استمع الملك والحضور من أهل الحجاز ونجد وغيرهم لكلمة (مقشم الهيل) التي حث فيها الملك على أن يتقي الله وألا يفجع المسلمين بنفسه، وأن يتخذ له حرس أمامه، ومن خلفه وأن ينوع في الحرس، فالتوكل على الله لا يمنع من اتخاذ الأسباب، وأن حياة الملك ليست له ولأبنائه بل لجميع أبناء الجزيرة العربية وأسرها وقبائلها، فهو ملك وأب للجميع وليس لأحد دون أحد.. فلما سمع الملك والأب والقائد.. هذا الكلام ينساب من قلب ولسان (مقشم الهيل) ذرفت عينا الليث القائد محبة ورحمة؛ وذلك لأنه يعلم يقيناً صدقه وإخلاصه ومحبته وولاءه، وحق ل (مقشم الهيل) أن يخاف على قائده العظيم، وحق للقائد أن يفرح بصدق أبنائه.. وقد أوصى الملك أبناءه: سعوداً وفيصلاً ب (مقشم الهيل) خيراً..

ولما اتصف به الشيخ رشيد بن حسن الهزاني من خصال حميدة وصفات جليلة وسداد في الرأي والبلاغة وحفظه للأشعار والحكم والعبارات.. جعلته مقرباً لدى الإمام عبدالرحمن الفيصل وابنه الأمير محمد بن عبدالرحمن آل سعود وابنه جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - مؤسس هذا الكيان وموحد هذه البلاد - فقد كان ل (مقشم الهيل) شرف المشاركة مع الملك عبدالعزيز في كثير من المعارك منها مغزى (الأحساء) سنة 1331ه، وصادف أن مرض (مقشم الهيل) في ذلك المغزى مرضاً ألزمه الفراش، ومن محبة الملك عبدالعزيز ل (مقشم الهيل) أرسل أحد خدامه لتنفيذ كل ما يحتاجه رشيد والعناية به.

أما قصة تلقيب الملك عبدالعزيز له بلقب (مقشم الهيل): أنه في إحدى الليالي الماطرة جاء ضيف عزيز لرشيد بن حسن الهزاني، هذا الضيف هو الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود الذي أعاقه المطر عن بغيته، فدخل بلدة المزاحمية، فدلوه على منزل رشيد بن حسن الهزاني الذي لما علم أن الضيف هو طلال بن عبدالعزيز قال مرحباً بمقدمه:

أسفرت الأمكان وأقبلت السعود

واسفهل من كان في كرب شديد

جعل جيتكم لنا دوم تعود

مصبحين اليوم كنه يوم عيد

وقام (مقشم الهيل) بما يليق باستقبال الأمير، وبات الأمير طلال ليلته ثم لما أصبح أفطر الأمير واستأذن للانصراف فأبى عليه (مقشم الهيل)، وأقسم إلا أن يأكل كرامته، فتناول الغداء ثم بعد ذلك واصل الأمير طلال بن عبدالعزيز طريقه بعد أن قضى ليلته في ضيافة (مقشم الهيل).ثم في إحدى زيارات رشيد بن حسن الهزاني للملك عبدالعزيز وقد بقي في ضيافة الملك عبدالعزيز ثلاثة أيام أراد رشيد الانصراف لمجلسه وضيوفه في بلدة المزاحمية، فاستأذن من الملك عبدالعزيز وقال: أستأذنك - طال عمرك - للذهاب لأني صاحب نخل وحلال..فقال له الملك عبدالعزيز رحمه الله: (يا رشيد أنت مقشم الهيل ومذبح الحيل جتنا أخبارك..). ولم يسمح له الملك عبدالعزيز بالانصراف حتى قضى رشيد ثلاثة أيام أخرى في ضيافة الملك الكريم..

وكان الملك عبدالعزيز يحب (مقشم الهيل) ويدني مجلسه ويعلي منزلته، وكان يعرف له إخلاصه وصدق ولائه وعميق محبته لقائده وولي أمره.

واستمر إخلاص (مقشم الهيل) لولاة الأمر وقادة البلاد، ففي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز لم ينقطع عن زيارته وتهنئته بالمناسبات وإليه كان يرسل بحوائجه وحوائج أهل بلدته المزاحمية..

وقد أرسل ذات مرة إلى الملك سعود رسالة، وفيها هذان البيتان:

سعدي سعود كل ما كمل الزاد

أبو فهد عساه ياكل شبابه

طير يصيد وكل من يتبعه صاد

فإلى هوى ما ينترقع صوابه

ففهم الملك سعود بذكائه وفطنته أن رشيداً بن حسن الهزاني بحاجة إلى قهوة وهيل، فأمر رجاله قائلاً: (استوصوا لرشيد بالقهوة والهيل، فإنه صاحب مجلس عامر بالرجال ومثله يستاهل القهوة والهيل).

وقد توفي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - في المزاحمية عام 1374هـ عن عمر قارب التسعين سنة، وقد أرسل الملك سعود بن عبدالعزيز رسالة تعزية لذويه.

وكان له من الأولاد الذكور سبعة: أكبرهم (ندا) وبه يكنى، وقد توفوا جميعهم وهم صغار رحمهم الله جميعاً..


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد