Al Jazirah NewsPaper Friday  18/05/2007 G Issue 12650
أفاق اسلامية
الجمعة 01 جمادى الأول 1428   العدد  12650
 
دراسة فقهية عن التجارة عبر الإنترنت :
المعاملات التجارية عبر الشبكة العنكبوتية شرعية ما لم تقم على الغش والأعراف التجارية تحكم أي علاقة عبر الشبكة

 
* الرياض - خاص ب(الجزيرة):

أكَّدت دراسة فقهية مقارنة أن الشريعة الإسلامية جعلت الرضا هو الأساس في انعقاد العقود من دون تحديد لفظ معين أو شكل محدد، مما جعل أحكام الشريعة تستوعب ما استجد من طرق وأشكال لانعقاد العقود، ومن ذلك (التعاقد عن طريق الإلكترونيات)، مشيرة إلى أن العقود الإلكترونية هي العقود التي تتم عبر الوسائل والآلات التي تعمل عن طريق الإلكتروني، ومن آخرها وأهمها التعاقد بطريق الإنترنت.

ولفتت الدراسة إلى أن للتعاقد بطريق الإنترنت عدة طرق من أهمها وأكثرها انتشاراً التعاقد عبر شبكة المواقع (web)، والتعاقد عبر البريد الإلكتروني (Email)، والتعاقد عبر المحادثة والمشاهدة.

وأوضحت الدراسة - التي قام بها الأستاذ المشارك بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض الدكتور عبد الله بن إبراهيم الناصر - أن العقد في الشريعة الإسلامية ينعقد بكل ما يدل عليه من قول أو فعل أو كتابة أو إشارة من كلا العاقدين أو من أحدهما، وأن الإنترنت آلة ووسيلة لتوصيل الكتابة، وهذه الرسالة معتبرة شرعاً لعدم تضمنها محذوراً شرعياً، ولأنها شبيهة بالتعاقد عن طريق الرسول أو البريد العادي.

الإيجاب والقبول

وأوضحت الدراسة أن التعاقد بطريق الإنترنت - من حيث الأصل - يعد تعاقداً بين حاضرين من حيث الزمان وغائبين من حيث المكان، إلا إذا وجدت فترة زمنية طويلة نسبياً تفصل بين الإيجاب والقبول فإن التعاقد يكون بين غائبين زماناً ومكاناً، وبناءً على قول الحنفية في أن الإيجاب ما صدر أولاً والقبول ما صدر ثانياً فإن الإعلان عن السلعة أو الخدمة في شبكة المواقع(web) يعد إيجابياً من العارض إلا في بعض الحالات التي تكون فيها شخصية المتعاقد الآخر محل اعتبار عند من صدر منه العرض، فالإعلان في هذه الحالة وأمثالها يعد دعوة للتعاقد وليس إيجاباً، وقريباً من ذلك إذا كان العرض عبر البريد الإلكتروني أو المحادثة والمشاهدة.

كما يشترط في صيغة العقد (الإيجاب والقبول) أن يكونا واضحين ودالين على إرادة التعاقد، وأن يكون القبول موافقاً للإيجاب ومتصلاً به وهذه الشروط يلزم تحققها في التعاقد بطريق الإنترنت حتى يكون صحيحاً ومعتبراً، ويبدأ مجلس العقد في التعاقد بطريق الإنترنت من بداية دخول الراغب في التعاقد إلى موقع الشركة العارضة عبر شبكة المواقع web) ويستمر حتى خروجه من الموقع.

ومن النتائج التي توصل الباحث إليها أنه في التعاقد عبر البريد الإلكتروني المباشر يبتدئ المجلس من صدور الإيجاب ويستمر حتى خروجه من الموقع، وكذا في التعاقد عبر المحادثة والمشاهدة، أما في التعاقد عبر البريد الإلكتروني الذي لم يتم مباشرة، فإن المجلس يبتدئ من اطلاع القابل على المعروض ويستمر حتى نهاية المدة إن وجدت، وإلا رجع في ذلك إلى الأعراف التجارية.

تحكيم الشريعة

وأبان الدكتور عبد الله الناصر أنَّ العقود المالية تصح بطريق الإنترنت حتى عقد الصرف والسلم وذلك لإمكان السداد مباشرة، أما عقد النكاح؛ فنظراً لمكانته الخاصة ولوجود عنصر الشكلية فيه ولما يترتب على القول بصحته عبر الإنترنت من مفاسد، فإنه لا يصح إجراؤه عن طريقه.

وأضاف أنه إذا اتفق المتعاقدان على تحديد قانون معيّن يحكم العقد فإن الاتفاق صحيح ويعمل به، شريطة أن يكون هذا القانون مستمداً من الشريعة الإسلامية، لا فرق في ذلك بين أن يكون أطراف التعاقد جميعهم مسلمين أو بعضهم مسلم والآخر غير مسلم، فإن لم يكن القانون مستمداً من الشريعة فإن الاتفاق باطل ولا يعمل به، ومن الحلول المقترحة للواقع العملي الذي ينص على تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية اعتماد نص صريح في العقد بتحكيم الشريعة الإسلامية والإلحاح في طلب ذلك وكذلك الدعوة إلى إيجاد مؤسسات تحكيم شرعية عالمية لها مواقع ثابتة في شبكة المواقع (web) تتميز بالنظام الواضح ووجود هيئة رقابة شرعية وتأهل أعضائها التأهيل الشرعي المناسب.

وأشار الباحث إلى أن العلماء - رحمهم الله - اختلفوا في المحكمة المختصة (القاضي المختص) بالنظر في النزاع عند الاختلاف المكاني بين الخصوم ومحل الدعوى، ولعل من المناسب في التعاقد بطريق الإنترنت العمل بما ذهب إليه جمهور العلماء؛ من أن القاضي المختص هو قاضي المدعِي، لأنه - في الغالب - هو المستهلك وهو الطرف الأضعف في العقد فكان من المناسب حمايته حسب ما يراه القاضي المختص، إلا إذا كان محل الدعوى عقاراً فإن المحكمة المختصة محكمة محل العقار، وفي جميع الحالات يجب التقيد بقاعدة تحكيم الشريعة.

التوقيع الإلكتروني

ويرى الباحث صحة استخدام التوقيع الإلكتروني (وخاصة الرقمي منه) لإثبات العقود الإلكترونية في الفقه الإسلامي، وأن هذا متفق مع مبادئ الإثبات في الشريعة، إذ إنها غير محصورة بعدد معين أو بشكل محدود وإنما تشمل كل وسيلة يبيّن فيها الحق وتوصل إلى العدل ونظراً لأهمية التوقيع الإلكتروني، ولما يترتب على الاعتداء عليه من مخاطر على المجني عليه والتجارة الإلكترونية، فإن الذي يظهر للباحث أن وضع الحماية الجنائية للتوقيع الإلكتروني يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الأموال والحقوق الخاصة وحرمة الاعتداء عليها، وهذا داخل ضمن التعازيز الموكولة في تحديدها وتقديرها إلى ولي أمر المسلمين، ليرى العقوبة المناسبة لكل جريمة حسب نوعها وآثارها، مع مراعاة المكان والزمان الذي يعيش فيه.

وقد استهل الباحث الدكتور عبد الله الناصر الدراسة لهذا الموضوع بقوله: إن النظم التشريعية والحضارية تختلف في نظرتها إلى العقود والحقوق المالية، سواء في كيفية انعقادها أو في شروطها وأحكامها أو آثارها، اختلافاً قد يصل إلى حد التباين، فمثلاً كانت بعض القوانين الوضعية تشترط الشكلية في انعقاد العقود، فلا يصح العقد ولا يعتبر إلا إذا كان بهيئة معينة وشكل محدد، ثم تطورت إلى الرضائية بعد المرور بمراحل مختلفة، أما الشريعة الإسلامية فقد جعلت الرضا منذ البداية هو الأساس في نشأة العقود بأي شكل كانت، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}، مضيفاً أن منهجية الإسلام في تقريره لهذه القاعدة - الرضا - أساس لصحة نشأة العقود دلالة إعجاز تشريعي واضح، يؤكد أنها شريعة خالدة صالحة في كل زمان ومكان وفي كل بيئة ومجتمع.

التسوق الآلي

وبيَّن الباحث أن العصور السابقة مرت بأنواع مختلفة من أشكال انعقاد العقود كالبيع عن طريق الراديو والتلفزيون والهاتف والفاكس والتلكس وغيرها، وها نحن نشهد في السنوات الأخيرة تطوراً هائلاً في وسائل الاتصال المختلفة، وبخاصة التقنيات الإلكترونية التي دخلت جميع مجالات الحياة بما فيها المجال التجاري، وظهر ما يسمى ب(التسوق الآلي) أو (تجارة الإنترنت) أو (التجارة الإلكترونية) أو (التعاقد عن بعد) عبر شبكة الإنترنت التي ربطت العالم بعضه مع بعض وألغت الحدود الجغرافية والوسائط المالية، وأصبح بإمكان تاجر التجزئة أن يشتري مباشرة من المنتج، والمستهلك أن يتسوق وهو في منزله.

وقال: إن التجارة الإلكترونية انتشرت في الأعوام الأخيرة، وأسست الكثير من الشركات العالمية والمحلية مواقع خاصة بها على شبكة الإنترنت، وتقدّر بعض الدراسات حجم التجارة الإلكترونية حالياً بـ20% من مجمل التجارة العالمية، ويتوقع أن ترتفع النسبة إلى أكثر من ذلك خلال هذا العقد.

الحماية الجنائية

ولاحظ الدكتور عبد الله الناصر أنه مع أهمية هذا الموضوع ومسيس الحاجة إليه إلا أننا نجد قلة الدراسات الفقهية فيه التي تبيِّن أحكامه، وتقترح البديل المناسب عند عدم صلاحية بعض أعماله لأحكام الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى أن هذا البحث يأتي مشاركة منه في بيان أحكام التعاقد بواسطة الإنترنت، من حيث انعقاد العقد والنظام الذي يجب تطبيقه فيه، وإثبات عن طريق التوقيع الإلكتروني والحماية الجنائية للتوقيع الإلكتروني.

وقسم الدكتور عبد الله الناصر البحث إلى مباحث ثلاثة: (المبحث الأول: انعقاد العقود الإلكترونية. والمبحث الثاني: النظام الواجب تطبيقه والمحكمة المختصة. والمبحث الثالث: إثبات العقود الإلكترونية بالتوقيع الإلكتروني، حيث بيّن الباحث في بداية الدراسة مفهوم العقود الإلكترونية من خلال تعريف العقد والإلكترون.

بعد ذلك تحدث في المبحث الأول الذي تناول فيه انعقاد العقد الإلكتروني وذلك في عدة مطالب: (الأول: الوصف العملي للتعاقد بطريق الإنترنت، والثاني: الوصف الفقهي للتعاقد بطريق الإنترنت، والثالث: الإيجاب والقبول في التعاقد بطريق الإنترنت والمطلب الرابع العقود المستثناة من صحة التعاقد بطريق الإنترنت.

وفي المبحث الثاني تناول الباحث المطالب التالية: (النظام الواجب تطبيقه في الأعمال والعقود التي تتم عبر شبكة الإنترنت، والمحكمة المختصة بالنظر في العقد الإلكتروني)، فيما تناول في المبحث الثالث إثبات العقود الإلكترونية بالتوقيع الإلكتروني من خلال المطالب التالية: (الأول: تعريف التوقيع الإلكتروني وأهميته، والثاني: حجية التوقيع الإلكتروني في الإثبات في الفقه الإسلامي، والمطلب الثالث: الحماية الجنائية للتوقيع الإلكتروني).

تعليقات

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد