Al Jazirah NewsPaper Tuesday  04/06/2007 G Issue 12667
الثقافية
الأثنين 18 جمادى الأول 1428   العدد  12667
 
حديث الذكريات (2)

 

عندما يصبح المرء هرماً ويكون في الوقت نفسه مريضاً بأمراض كثيرة لا يرجى برؤها يسقط عنه بعض التكاليف الشرعية بالكلية، ويتغير شكل أداء بعضه الآخر، ويبقى جزء منه على ما هو عليه تطبيقاً لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، فيصلّي القائم قاعداً عندما لا يستطيع القيام، ويكفّر الصائم عن تركه فريضة الصيام التي عجز عن أدائها، ويُنيب العاجز من يحج عنه حين لا يكون بوسعه الحج وليس له إليه سبيل، وهكذا دواليك.

لقد كان هذا شأني في مقالي الأول (حديث الذكريات) بصحيفة (الجزيرة) الغراء في 24-5-2007م عن أدباء المدينة السامقة عنيزة الفيحاء وعن شعرائها، فقد نسيت - وجل من لا يسهو - أن أتحدث فيه إلى جانب من تحدثت عنهم عمن أسميه بدون مبالغة أمير الشعر المعاصر الجميل الذي رحل عن دنيانا قبل أن ينال ما يستحقه من التنويه، ومن الثناء والمديح، ومن دراسة شعره المليح، الشاعر الألمعي المغلق عبدالله الحمد السناني، رحمه الله، لم يُقدَّر للشاعر مع الأسف أن يخلِّف لنا ديواناً مطبوعاً واحداً على الأقل من شعره الكثير الممتاز، وأكتفي بما نشره من القصائد إبان حياته بين الفينة والأخرى في الصحف والمجلات السيارة مما كان في حينه محل الإعجاب، ومناط الإطراء، من النقاد والقراء، على حد سواء.

ونسيت أيضاً أن أتحدث عن الشاعر القدير إبراهيم المحمد الدامغ الذي يرقد منذ أمد على السرير الأبيض، شفاه الله, وهو من الشعراء والأدباء الذين يعتد بأشعارهم وأبحاثهم، ولم ينل حتى الآن ما يستحقه من التكريم على مصنفاته المتنوعة الممتازة المنشورة وهي (ديوان شرارة الثأر) و(ديوان ظلال البيادر) و(ديوان أسرار وأسوار - في أربعة أجزاء)، وعلى ما لم ينشر له بعد من دواوينه ومؤلفاته الأخرى وهي (ملحمة خالد بن الوليد) و(الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري) و(النقد الأدبي بين الأصالة والتقليد).

ونسيت كذلك الصديق العزيز الدكتور محمد العبدالرحمن الشامخ الأستاذ الجامعي المتألق الذي صال وجال بكفاءة وجدارة في ميداني الشعر والنثر الحديثين في السعودية، إنه حقاً محمد اسماً ورسماً، ومحمد علماً وفضلاً، ومحمد مسلكاً وخلقاً، وغير محمد عزلةً واعتكافاً، لقد رافقته في الجامعة أعواماً متعددة فلم أجد مثله أحداً في دماثة خلقه، واتزان قوله، وسداد فعله، ودقة فهمه، وسعة استيعابه، وعمق نظرته، وشمول استقصائه، وحسن إفادته لقرائه وطلابه، ومن حسن الحظ أنه أتحف المكتبة العربية بعدّة مؤلفات مفيدة منها (أطروحته للدكتوراه عن النثر الأدبي في الحجاز) و(كتاباه عن الصحافة في الحجاز وعن التعليم في الحجاز) وكتابه (النثر الأدبي في المملكة) وقد أعيد طبعها جميعاً، وهي مؤلفات ستخلد على الأيام، وسيبقى مؤلفها محل الثناء وملء العقول والأفهام.وممن أرى وجوب الحديث عنهم الأخ الكريم الدكتور عبدالعزيز العلي النعيم الحقوقي اللامع، والمستشار القانوني البارع، ذو العقل الكبير، والفهم المستنير، والدم الخفيف، واللفظ اللطيف، والذكاء المخيف، صاحب النكتة اللاذعة والكلمة اللامعة، والفكرة الساطعة والأخوان العزيزان صالح الحمد الونين، وحمد الحسن الخليل اللذان كانا وما زالا وسيبقيان من خيرة الأصدقاء الذين يُذكرون دائماً بالخير، ويعطرون باستمرار بالثناء، فالأول صديق عمري ورفيق أيامي، صاحب النظرة السديدة، والملاحظة الأريبة، والتحليل الممتع السليم، وهو من رجال الأعمال الناجحين، ومن حسن دينهم وظهرت تقواهم، أقول هذا مع أني لست في مقام من يزكيه بل في مقدمة من يحتاج إلى تزكيته، والثاني رجل إدارة ناجح رشيد يتمتع بقدر كبير من اللطف والحصافة والكياسة وأدب الكلام وحسن التصرف، شغل مناصب إدارية رفيعة متعددة في الدولة فأجاد في عمله، وأفاد مراجعيه وأنا منهم بالكثير من عطائه.أما أخونا اللبيب إبراهيم العبدالعزيز المصيريعي فهو الإنسان الدمث البشوش، صاحب المروءة العالية، و(الفزعة) القوية، بشهامة عربية ونخوة إسلامية، له عليَّ شخصياً أكثر من فضل سابغ، كريم اليد، أصيل المحتد، سخيّ الطبع، وهو صاحب نكتة لاسعة مخيفة، وتعليق ناري مرعب، نحبّه على الدوام على الرغم من لذع سياط غمزاته ولمزاته الشديدة و(كرابيج) لواذعه العنيفة، عمل في أعلى دوائر الدولة، ثم في ميدان الأعمال الحرة، بنجاح ملحوظ على الصعيدين.

وفي الختام أتحدث ورائحة المسك تفوح من قلمي عن أخينا العزيز الدكتور عبدالله اليوسف الشبل مدير جامع الإمام الأسبق الذي لا يسبقه كائن في دماثته، ولا يلحق به إنسان في سمو خلقه، الباحث الأكاديمي المحقق، والأستاذ الجامعي المدقق، والمطالع المطَّلع على ما حضر وغاب من تفاصيل التاريخ العربي والإسلامي القديم والحديث بدون استثناء، وهو المتمتع بالقدرة على الغوص في أعماق الأحداث، واستكناه أسرار الأحوال وتفتيح ثناياهما، وعرض قضاياهما بامتياز على قرائه وطلابه الكثر، وعلى محبيه ومريديه بلا حصر.

أ.د.عبدالكريم محمد الأسعد


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد