Al Jazirah NewsPaper Friday  15/06/2007 G Issue 12678
مقـالات
الجمعة 29 جمادى الأول 1428   العدد  12678
حقّ الاسترداد في القانون الدولي
عبدالله بن راشد السنيدي

يعتبر الصراع بين الخير قديماً قدم البشرية وهذا الصراع قد يكون بين الأفراد أو الجماعات وقد يكون بين الدول، والصراع بين الدول قد يصاحبه قيام إحدى الدول المتصارعة باحتلال إقليم دولة أخرى أو جزء منه وقد لا تكتفي الدولة المحتلة بذلك

بل قد يقودها ذلك إلى الاستيلاء على الأموال التابعة للدولة التي وقع عليها الاحتلال ثم مطالبتها بعد انتهاء الاحتلال بإعادة تلك الأموال وهو ما يعرف بالاسترداد، فالاسترداد يعني إذاً مطالبة الدولة التي قامت باحتلال دولة أخرى أو جزء منها ثم قامت بمصادرة أموال الدولة التي وقع عليها الاحتلال بالمخالفة لقواعد القانون الدولي بإعادة تلك الأموال بعد انتهاء الاحتلال بحالة جيدة.

وحق الاسترداد ليس وليد اليوم أو العصر الحالي بل هو قديم جداً يعود إلى ماقبل ميلاد السيد المسيح بمئات السنين حيث يتبين ذلك من الأحداث التي جرت بين المدن اليونانية، كما أن مسببات حق الاسترداد لاتزال قائمة في العصر الحاضر بسبب الحروب الكثيرة التي شهدها هذا العصر.. ومن أمثلة ذلك ما يلي:

- قيام قادة الثورة الفرنسية بالاستيلاء على أموال رجال الدين ورؤساء البروتستانت الفرنسيين وأبعادهم عن فرنسا إلا أن الحكومة الفرنسية آنذاك تحت ضغط النقد الدولي تراجعت عن هذه الخطوة وأصدرت سنة 1970م قانوناً بإعادة تلك الأموال إلى أصحابها والسماح بعودتهم إلى وطنهم.

- بعد استيلاء إسرائيل على الأراضي العربية في حرب سنة 1967م حصل من إسرائيل بعض الممارسات فيما يتعلق بالتعرض للممتلكات فضلاً عن قيامها باحتلال الأراضي العربية المتمثلة في الضفة الغربية وصحراء سيناء وهضبة الجولان مما ترتب عليه صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم (242) في 22-11-1967م الذي يطالب فيه إسرائيل بالانسحاب من تلك الأراضي ولذا فقد تضمنت اتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل سنة 1979م نصاً يقضي بإنشاء لجنة تعويضات للتسوية المتبادلة للمطالبات كافة.

- بعد غزو الكويت من قبل العراق سنة 1990م صاحب هذا الغزو استيلاء القوات الغازية لكثير من أموال الكويتيين وقد طالبت الكويت بعد انتهاء الغزو وخروج القوات العراقية بإعادة تلك الأموال وقد تمت إعادة البعض من هذه الأموال والبعض الآخر ربما أنه أخفي أو أتلف.

وحق الاسترداد يتمشى مع تعاليم الإسلام أثناء الحروب، فالإسلام لايجيز إتلاف ممتلكات العدو إذ إن الأموال التي كانت تقع في يد المسلمين أثناء حروبهم مع أعدائهم تنقسم إلى قسمين وهما:

* الفيء، وهو ما تم الحصول عليه دون قتال مثل مال الهدنة والجزية والعشور والخراج.

* الغنيمة، وتشمل الأموال المنقولة والأراضي، أما الأموال المنقولة فكانت توزع على من حضر المعركة مع التفريق بين الراجل والفارس، أما الأراضي فتشمل الأراضي التي ملكت عنوة والأراضي التي ملكت لمغادرة أصحابها لها والأراضي التي تم الصلح على أن تبقى في إيدي أصحابها مقابل خراج (رسوم) يؤدونه عنها، وهو ما يعني أن الإسلام لا يجيز تملك أراضي الأعداء إلا بعد الصلح وانتهاء الحرب وتكون بعد تملكها موقوفة ينفق منها على مصالح المسلمين.

هذا وقد صدرت عدة قوانين في المجال الدولي لحماية الممتلكات العامة والخاصة أثناء الحرب ومنها اتفاقية لاهاي سنة 1907م، فبالنسبة للممتلكات العامة فقد فرق القانون الدولي بين الممتلكات المنقولة كالنقود والأموال العامة ومصانع الأسلحة ووسائل النقل وآلات نقل الأخبار والوثائق العسكرية فهذه يمكن للدولة التي احتلت إقليم دولة أخرى الاستيلاء عليها لأنه يمكن استخدامها في العمليات الحربية ضدها، أما الممتلكات التي لا تصلح للاستعمال الحربي كالمجوهرات ومباني الخدمات البلدية والآثار والأجهزة ومواد الثقافة وأماكن العبادة وكذلك الممتلكات الخاصة بالأفراد فإنه لا ينبغي الاستيلاء عليها، وأما بالنسبة للعقارات كالمباني العامة والأراضي الزراعية والغابات فإنه يمكن للدولة التي قامت بالاحتلال الانتفاع المؤقت بها، إلا اذا كانت ذات صفة عسكرية كالقلاع والترسانات والحصون ومحطات السكك الحديدية والمطارات، فإنها تقع تحت سيطرة الدولة المحتلة، هذا ويستند حق الاسترداد على الإعلان الذي أصدره الحلفاء سنة 1943م أي في نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب أعمال السلب والنهب الذي قامت به القوات الألمانية في الإقاليم التي احتلتها، وكذلك الإعلان الذي صدر سنة 1944م من بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا، وأطلق عليه (إعلان الذهب) لأن هذه الدول قررت عدم الاعتراف بانتقال سند الملكية في الذهب الذي استولت عليه قوات المحور وطرحته في السوق العالمي.

من ناحية أخرى يقوم مبدأ حق الاسترداد على مبدأ القانون العام ومبدأ الإقليمية باعتبار أن هذا الحق يعتبر من حقوق القانون الدولي العام إذ ليس له علاقة بحق الملكية وذلك لأن استرداد الأملاك التي تم الاستيلاء عليها من دولة أخرى يتم من أجل مصلحة الاقتصاد الوطني وليس من أجل مصلحة المالك فيما لو كانت هذه الأملاك تخص الأفراد.

هذا وقد حدد القانون الدولي ضوابط وشروط الاسترداد وهي:

- التعرف على الممتلكات المطلوب إعادتها وذلك بالتحقق من خصائها ومميزاتها وأرقامها وعلاماتها وتحديد آخر جهة كانت موجودة بها قبل الاستيلاء عليها ونحو ذلك.

- استخدام القوة أو الإكراه في الاستيلاء عليها إذ يعتبر ذلك هو العنصر الأساسي في المخالفة الدولية التي ينبني عليها حق الاسترداد وإن مصطلح استعمال القوة في الاستيلاء على الممتلكات يشمل الإكراه المادي والنفسي والسلب والنهب والسرقة ونحو ذلك من صور نزع الملكية.

- أن يتم تقديم دعوى الاسترداد خلال مدة معينة لا تزيد عن ستة أشهر لا يمكن بعدها تقديم الدعوى المتعلقة بطلب الممتلكات ممن استولى عليها.

- إبداء ما يمكن من التعاون في البحث عن الممتلكات والمحافظة عليها وإعادتها وذلك لجسامة المخالفة الدولية التي ارتكبتها الدولة المعتدية.

ولكن ماذا لو لم تتم إعادة الممتلكات من الدولة التي استولت عليها بسبب تلفها أو تدميرها فإنه في هذه الحالة تلتزم تلك الدولة بالتعويض حسب قواعد التعويض في القانون الدولي بالشروط التالية:

* أن يثبت المعني بالممتلكات المستولى عليها أهليته لاسترادها.

* وصول إجراءات الاسترداد إلى مرحلة التعرف على الممتلكات.

* أن يتضمن طلب التعيوض دلائل ومعلومات تتعلق بوصف الممتلكات المصادرة.

أما إذا وقع نزاع بين الأطراف المعنية حول الاسترداد فتتم تسويته بالتفاوض أو الوساطة أو التحقيق أو التوفيق أو التحكيم أو باللجوء إلى القضاء.

asunaidi@mcs.gov.sa


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد