Al Jazirah NewsPaper Friday  27/07/2007 G Issue 12720
الرأي
الجمعة 13 رجب 1428   العدد  12720
 
الاستثمار الأجنبي المباشر في الوطن العربي
د. أحمد العثيم - كاتب اقتصادي

 

تزايد الاهتمام بدراسة سلوك واتجاهات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ بداية التسعينات ويعود هذا الاهتمام إلى تنامي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول النامية في فترة التسعينات، وزيادة تدفقات رأس المال إلى الدول النامية ليست ظاهرة جديدة إلا أن تدفقات رأس المال في فترة التسعينات تتميز بزيادة نصيب تدفقات رأس المال الأجنبي المباشر كما أن هذه التدفقات اتسمت بالاستمرارية والاستقرار.

وتشير الأدبيات الحديثة المتعلقة بالاستثمار الأجنبي المباشر إلى أنه هو ذلك المال الوافد على دولة غير دولته والمستخدم مباشرة للغرض الذي تم من أجله، فالاستثمار الأجنبي المباشر يختلف عن الاستثمار في الأوراق المالية (استثمارات أجنبية غير مباشرة) حيث ينطوي الأول على تملك المستثمر الأجنبي جزءاً من الاستثمارات أو كلها في فرع معين بالإضافة إلى المشاركة في إدارة المشروع مع المستثمر الوطني فضلاً عن قيام المستثمر الأجنبي بتحويل كمية من الموارد المالية والتكنولوجية والخبرة الفنية والمهارات الإدارية والتسويقية والمالية في جميع المجالات إلى الدولة المضيفة.

وتختلف زوايا الرؤية للاستثمار الأجنبي المباشر فهناك مَنْ يرى بأنه مباراة من طرف واحد حيث أن الفائز بنتيجتها هي الشركات متعددة الجنسيات وليست الدولة المضيفة (النظرية الكلاسيكية) ويستند أصحاب هذه الرؤية إلى عدد من المبررات منها: صغر حجم رؤوس الأموال الأجنبية المتدفقة إلى الدول المضيفة بدرجة لا تبرر فتح الباب لهذا النوع من الاستثمارات، إلى جانب قيام الشركات متعددة الجنسيات بنقل التكنولوجيا التي لا تتواءم بمستوياتهم مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالدول المضيفة، وهناك من يرى الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه مباراة متعادلة (النظرية الحديثة) بمعنى أن كل طرف يعتمد أو يستفيد من الآخر لتحقيق هدف أو مجموعة من الأهداف المحددة ويستند أصحاب هذه الرؤية إلى عدد من المبررات منها على سبيل المثال أن الاستثمار الأجنبي المباشر يساعد في تحقيق الاستغلال والاستفادة من المواد البشرية والمادية المتاحة إلى جانب المساهمة في خلق علاقات اقتصادية بين قطاعات الإنتاج والخدمات داخل الدول المضيفة مما يساعد على التكامل الاقتصادي بها.

ولكن بعيداً عن هذه الرؤى النظرية يمكن القول بأن البيانات الأولية المتوافرة من أربع عشرة دولة عربية تشير إلى أنها استقطبت خلال عام 2004م نحو 16.7 مليار دولار وهو رقم قياسي تصل إليه الاستثمارات الأجنبية الواردة إلى الوطن العربي منذ البدء برصد هذه الاستثمارات، ويعود هذا الارتفاع في قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى قيام العديد من الدول العربية بفتح قطاعات جديدة أمام الاستثمار الأجنبي بعد أن كانت حكراً على القطاع العام وتشمل قطاعات النفط والغاز والتعدين والبنية التحتية والاتصالات والطاقة الكهربائية والمصارف والتأمين والإعلام والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب قيام العديد من الدول العربية بتبسيط وتحسين النظام والإجراءات المتعلقة بمعاملة الاستثمار وتعزيز جهود الترويج للاستثمار والاهتمام بتطوير استخدام تقنيات الترويج المتخصصة وخلق شبكات علاقات داخلية وخارجية تهدف إلى استقطاب المستثمرين وخاصة من مناطق جديدة مثل روسيا والصين والهند وتركيا وإيران ووسط شرق أوروبا.

وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤل حول الاستثمارات العربية البينية وحجمها مقارنة بالاستثمار الأجنبي المباشر، فعلى الرغم من تحسن مناخ الاستثمار في الدول العربية فتبلغ الاستثمارات العربية البينة حوالي 5.9 مليار دولار لعام 2004م وبلوغ الاستثمارات العربية هذا الرقم هو رقم قياسي مقارنة بأعوام سابقة فوصلت هذه الاستمثارات في عام 2003 نحو 3.8 مليار دولار وفي عام 2001 بلغت نحو 2.4 مليار دولار مقابل 1.8 مليار دولار عام (2000) إلا أن هذه الاستثمارات العربية ما زالت أقل من الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية، وقلة الاستثمارات العربية البينة يرجع إلى مجموعة من الأسباب منها:

1 - افتقاد الاستقرار التشريعي: فليس هناك حرية في نقل أرباح المستثمر والمطالبة بتدويرها داخل البلد الذي يستثمر فيه والبيروقراطية والروتين اللذان يتطلبان منه التعامل مع عشرات الجهات واستخراج عشرات الأذونات، كل ذلك يمثل عوائق تشريعية أمام عودة الاستثمارات العربية من الخارج.

2 - افتقاد البنية التحتية حيث تحتاج الدول العربية إلى 50 مليار دولار بنية تحتية في مجال المياه و90 مليار دولار في مجال الاتصالات إلى جانب أنها بحاجة إلى أساطيل من طائرات النقل والشحن الجوي.

3 - افتقاد السياسات النقدية: فهذه السياسات بحاجة إلى إعادة النظر وخاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار الفائدة، حيث إن ارتفاع أسعار الفائدة يتسبب في ارتفاع تكلفة التشغيل، الحد من التوسعات المستقبلية، تحول الاستثمارات المباشرة إلى استثمارات غير مباشرة.

4 - افتقاد الشفافية: حيث يشعر المستثمرون العرب بحاجتهم إلى الشفافية ووضوح الرؤية لدى الحكومات العربية خاصة فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية وقوانين العمل والمقصود بالشفافية هنا هو التنافس الشريف وسلامة الإجراءات وعدم اللجوء إلى التحايل والرشوة واستغلال النفوذ هي السبيل لخروج المشروع الاستثماري إلى الوجود وظهور نتائجه الاقتصادية.

وهذه الأسباب لم تؤدِ فقط إلى قلة الاستثمارات العربية البينية وإنما أدت إلى هجرة الأموال العربية للخارج وهناك تقديرات مختلفة لحجم تلك الأموال فهناك من يقدرها بنحو 1400 مليار دولار وأخرى تشير إلى أنها تبلغ ما بين 1000 و3000 مليار دولار وهو ما يعادل 40% من أموال الأثرياء العرب البالغ عددهم 220 ألف مليونير عربي، في حين تشير مصادر أخرى إلى أنها تبلغ ما بين 2.1 إلى 4.8 تريليون دولار وربما يرجع اختلاف الأرقام إلى أن الأموال العربية التي تخرج من الوطن العربي تكتسب جنسيات أخرى وبذلك يصعب متابعتها وتقديرها بدقة.

لذلك يمكن القول بأن العمل على إزالة هذه المعوقات سوف يؤدي بالضرورة إلى عودة الأموال العربية وزيادة الاستمثارات العربية البينية على حساب الاستثمارات الأجنبية التي يعود الجزء الرئيسي من أرباحها إلى الدولة الأم وليست الدولة المضيفة.

Email:asa5533@hotmail.con


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد