يشهد العالم حالياً العديد من التطورات الاقتصادية والاجتماعية السريعة التي تتمثل في ظهور التكتلات الاقتصادية والاجتماعية والدولية في ظل العولمة والتوجه الجاد للانفتاح الاقتصادي العالمي لتحرير التبادل التجاري بين جميع الدول مما سيؤدي بدوره إلى شدة المنافسة بين المنتجات الوطنية والأجنبية سواء في السوق المحلي أو الدولي، وهو ما سوف ينعكس على المستهلك إما بالإيجاب أو بالسلب تبعا لقدرة اقتصاد كل دولة على مواجهة هذه التطورات الاقتصادية المتلاحقة.
وتعد ظاهرة الغش التجاري أحد الانعكاسات السلبية لهذه التطورات التي قدرت عالميا بنحو 780 مليار دولار أي يمثل حجم الغش التجاري عالمياً من 5 إلى 10% من حجم التداول التجاري العالمي، أما في الدول العربية وصل إلى 50 مليار دولار أي ما يعادل ما نسبته 6.4 في المائة من حجم الغش التجاري عالمياً، وبالتالي فإنه على دول العالم بصورة عامة والدول النامية بصورة خاصة التصدي لهذه الظاهرة إلا أنه يجب ملاحظة أن دور الدولة وحده لا يكفي لمواجهة ومكافحة جرائم الغش التجاري، ومن هنا ظهرت أهمية دور جمعيات حماية المستهلك وهي منظمات حيادية تطوعية لا علاقة لها بالدولة يؤسسها نشطاء المجتمع من كافة فئاته الاجتماعية، والعلمية والمتخصصين في المجالات المختلفة، والاتحادات المختلفة، والنقابات، غرف التجارة والصناعة.
وتعتبر الحركة الدولية لحماية المستهلك وليدة القرن العشرين، حيث تم إنشاء جمعية المستهلك في الولايات المتحدة في الثلاثينيات من هذا القرن وتبلورت في الخمسينيات، وتم إصدار أول مجلة تحت عنوان تقارير المستهلكين التي تضمنت نتائج الاختبارات العلمية لجودة بعض السلع الاستهلاكية الجديدة ومقارنة أسعارها ومساعدة المستهلك بعرض النتائج عليه لاختيار ما يناسبه، وفي الستينيات تكونت جمعيات لحماية المستهلك في إنجلترا وهولندا والدنمارك وبلجيكا. ومن ثم انتشرت في بقية الدول فمثلا (البرازيل يوجد فيها ستون جمعية، الهند يوجد فيها خمس وعشرون جمعية).
وفي عام 1960م عقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الدولي لجمعيات حماية المستهلك (IOCU)، وتم تعديل هذا الاسم في عام 1993 ليصبح المنظمة الدولية للمستهلك (CI) وأصبح لها العديد من الفروع في إفريقيا وآسيا وأوروبا وإفريقيا الشمالية واللاتينية، أما عن المقر الرئيسي للمنظمة العالمية للمستهلك حاليا فهو يقع في لندن، ويزيد عدد الدول التي لها علاقات معها عن 170 دولة ويشارك في أعمالها ما يزيد عن 600 شخص.
ومن أهم الأهداف الدولية لجمعيات حماية المستهلك:
- دعم إنشاء جمعيات حماية المستهلك في مختلف دول العالم.
- العمل باسم المستهلكين في العالم نيابة عنهم لتمكينهم من حقهم في التغذية وماء الشرب والخدمات اللازمة.
- تطوير التعاون الدولي من خلال القيام بالتحاليل المقارنة للمواد والخدمات وتبادل نتائج التحليل والخبرات.
- تحسين المواصفات والخدمات وبرامج تثقيف المستهلكين أينما كانوا في العالم.
- اعتماد المنظمة الدولية كهيكل لتبادل المعلومات والمجلات والنشرات الدورية التي تهم حماية المستهلك.
- إقامة علاقات جيدة مع المنظمات الدولية ذات العلاقة لتمثيل المستهلكين والدفاع عن مصالحهم لديها.
وعلى الرغم من أهمية الدور الذي تلعبه جمعيات حماية المستهلك وانتشارها في الوطن العربي إلا أنه لم يكن لنشاطها دور ملموس في حماية المستهلك العربي حيث يوجد في بعض البلدان العربية جمعيات حماية مستهلك مثل مصر، السودان، تونس، فلسطين، الجزائر، المغرب، موريتانيا، الأردن، الإمارات، واليمن، وتختلف نشاط هذه الجمعيات وعدد المنتسبين إليها من بلد لآخر حيث تعتبر جمعية حماية المستهلك التونسية والجزائرية والمغربية والأردنية واليمنية من الجمعيات الأكثر نشاطاً وتأثيراً في رسم السياسات المتعلقة بالمستهلك، في حين أن بعض البلدان الأخرى تتميز بوجود تشريعات وهياكل حكومية تقوم بمتابعة قضايا المستهلك وتقدم الدعم المادي لبعض المواد التي توزع على المواطنين بأسعار مخفضة مثل جمعيات حماية المستهلك الموجودة في سوريا، العراق، ليبيا، الجزائر، والسودان.
وهناك بعض البلدان يوجد فيها جمعية حماية المستهلك تنسق مع الوزارة المختصة لمعالجة شؤون المستهلك (وزارة الاقتصاد أو التموين أو التجارة أو الصناعة) كما هو عليه الحال في مصر والإمارات العربية المتحدة فلسطين، وهناك بعض البلدان التي يوجد بها حماية المستهلك بالوزارات المختصة، ولا يوجد فيها جمعيات حماية المستهلك ولا تقدم أي دعم مادي للسلع الاستهلاكية مثل السعودية، لبنان، قطر، البحرين، سلطنة عمان، الكويت.
وفي ظل توجه معظم الدول الاقتصادي للسوق وتواجه جمعيات المستهلك العديد من التحديات أهمها:
* الأغذية المعدلة وراثياً والخيارات المتاحة لحماية المستهلك.
* المنافسة واقتصاد السوق وتأثيرها على المستهلك.
* العولمة وآثارها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على المستهلك.
وعلى ضوء ما سبق يتضح:
* أن الأجهزة الرقابية والجهات الأخرى الحكومية المعنية بتقديم الخدمات المختلفة غير كافية لحماية المستهلك في المرحلة الراهنة ولابد من اعتماد آلية جديدة لذلك في ضوء التحديات المستقبلية.
* لا يوجد تعارض بين المهام المحددة للجهات الحكومية في مجال حماية المستهلك والمهام الخاصة بجمعية المستهلك ووجودهما بآن واحد يكمل بعضهما بعضا، وهي لمصلحة المستهلك.
* هناك ضرورة ملحة لوجود تشريعات وآليات للرقابة على الأغذية والبذور والأعلاف التي قد تكون معدلة وراثياً وضرورة تأمين مستلزماتها للقيام بالأبحاث التي تؤكد السلامة الصحية للمستهلك، وحتى يتم توفير ذلك يفضل تأجيل الزراعات بالبذور المعدلة وراثياً حتى يثبت سلامتها بشكل نهائي.
* إجراء الدراسات المتعلقة بالغش التجاري والتقليد ونوعية الخدمات المختلفة لتحديد انعكاساتها على المستهلك والمجتمع في آن واحد ووضع الآليات المناسبة لحفظ حقوق المستهلك.
E-mail:asa5533@hotmail.com