شهدت الجزيرة العربية على مر العصور أحداثاً تاريخية ارتبطت بتاريخ الممالك والدول، وسجلت المصادر التاريخية والجغرافية معلومات عن البعثة النبوية ودعوة النبي المصطفى محمد - عليه السلام - وجهاده في تبليغ رسالة الإسلام للعالمين، وهجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
ودوّنت المصادر بإيجاز الغزوات والمعارك والفتوحات التي قادها النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومعه الصحابة الأوائل - رضي الله عنهم -. ومن المعارك المشهورة معارك بدر وأحد والخندق، ومن الغزوات التي كان لها تبعات لاحقة في الفتوحات الإسلامية غزوة تبوك. أما الفتوحات فكان فتح مكة أجمل فتح ومسك الختام، ذلك الحدث الذي أعاد إلى مكة مكانتها وقدسيتها قبلة للمسلمين ومهوى أفئدتهم وإليها يحجون ويعتمرون. وقد دوّن المؤرخون، بإيجاز أيضاً، المعارك التي وجهها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق؛ للقضاء على المرتدين في أنحاء متفرقة من جزيرة العرب. وجميع الغزوات والمعارك والفتوحات الحاسمة تشكل حلقات متصلة ومرتبطة بعضها ببعض وتركت أثرها وتأثيرها؛ فكانت إرادة الله بتمكين الخليفة الصديق ومعه أوائل الصحابة من نصرة الإسلام، والقضاء على المرتدين، وبعدها بدأت حركة الفتح الإسلامي إلى أقاصي الأرض. ومن المعارك الحاسمة التي شكلت نقطة تحول في مسيرة التاريخ الإسلامي تلك التي وجهها الخليفة أبو بكر إلى اليمامة، ومن قادتها المشهورين: عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة وسليط بن عمر، وقاد المعركة الحاسمة الصحابي خالد بن الوليد.
كانت اليمامة تشكل إقليماً كبيراً في قلب جزيرة العرب؛ فهي غنية بزراعاتها ومراعيها وتعدد قبائلها وسكانها، وكان بنو حنيفة لهم سطوة وقوة وأملاك وعمارات. خرج فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي مدعياً النبوة بعد أن ارتد عن الإسلام، وجهز مسيلمة قوة ذات عدد وعدة، فقد ذكر المؤرخون أن جيش مسيلمة وصل إلى حدود الأربعين ألف مقاتل، وبالمقابل كان جيش المسلمين الذي قاده خالد بن الوليد بكامل إمداداته نحو عشرة آلاف قوامهم من المهاجرين والأنصار ومن غيرهم، وهم من الصحابة والتابعين، جلهم من حفظة القرآن الكريم. لم تكن معركة اليمامة معركة واحدة بل عدة معارك، امتدت فيها المنازلات على رقعة واسعة شملت وادي حنيفة وفروعه وحجر اليمامة (الخرج) وحجر (الرياض) وما جاورهما من مدن وقرى، منها العيينة وسدوس وعقرباء. ولم تكن معركة اليمامة نزالاً خاطفاً بل استمرت أشهراً عدة من عام 11هـ، ولم تكن سهلة للمسلمين؛ فقد كانت الغلبة للمرتدين تارة، وللمسلمين تارة أخرى. وفي النهاية رجحت كفة المسلمين عندما اتجه مسيلمة بن حبيب (الكذاب) بجيوشه نحو عقرباء وفضائها الواسع؛ فكانت معركة حامية الوطيس تكبد فيها المرتدون ما يقارب سبعة آلاف مقاتل؛ فاضطر مسيلمة إلى تجميع ما تبقى من قواته داخل مزرعة كبيرة عرفت باسم (حديقة الرحمن) محاطة بأسوار جعل منها حصناً لمقاومة جيوش المسلمين. وتمكن المسلمون من الإجهاز على قوة المرتدين وهلك منهم في نهاية المعركة ما يقارب سبعة آلاف مقاتل منهم (مسيلمة الكذاب) بعدما شارك في الإجهاز عليه بضربة رمح وحشيّ مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار. وسميت حديقة الرحمن بحديقة الموت بسبب الأعداد الكثيرة للذين هلكوا فيها. أما المسلمون فقد استشهد منهم ما يقارب ألفاً ومئتي شهيد، في مقدمتهم زيد بن الخطاب أخو الخليفة عمر بن الخطاب. كان هؤلاء الشهداء من صفوة الصحابة ومن حفظة القرآن؛ فكانت الفاجعة كبيرة على الخليفة أبي بكر الصديق بفقدان هذا العدد الكبير من الصحابة.
لقد شكل انتصار المسلمين في معركة (أو معارك) اليمامة نقطة تحول كبرى في مسيرة التاريخ الإسلامي؛ إذ انتصر الحق على الباطل، وأصبحت الخلافة بقيادة أبي بكر أكثر قوة، وأهل اليمامة وبنو حنيفة ممن ثبتوا على الإسلام أو عادوا إلى رشدهم أصبحوا أكثر استقراراً، وشهدت اليمامة نهضة عمرانية وزراعية وتجارية، وتعددت حواضرها، وازدهرت طرقها التجارية. وبسبب ما فقده المسلمون من شهداء (جلهم من حفظة القرآن) أقدم الخليفة أبو بكر الصديق على جمع القرآن الكريم وتدوينه؛ وبهذا بدأت مرحلة جديدة من مراحل الاهتمام بكتاب الله الكريم وعلومه، ضبطاً وتدويناً وتعليماً وتطويراً في أساليب الخط، وصناعة الأوراق والأحبار وفن التجليد وخلافه؛ فكانت المصاحف التي نسخت على مصحف عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأرسلت إلى كل بقعة وكل مدينة وبلدة من أقاليم دولة الإسلام.
كانت المعركة الفاصلة إذاً في (عقرباء) إحدى بلدات اليمامة، ولكن للأسف فإن غالبية الدارسين والباحثين لا يعرفون مكان هذه المعركة وطبوغرافية أرضها!! ولم تدخل تفاصيل هذه المعركة بالرسم والصورة في مناهج التاريخ لمدارسنا!! ولم تتم المحافظة على خصوصية المكان وتاريخه!! كانت عقرباء ذات شهرة قبل الإسلام، وازدادت شهرتها بعد انتصار المسلمين. وبالرغم من الأحداث التي وقعت في وسط الجزيرة العربية خلال قرون فإن (عقرباء) التي تقع إلى الشمال من الرياض بنحو (50 كيلا) بقيت روضة تدب فيها الحياة، وكل من يمر بها يشاهد معالمها وآثارها، وقبور ورفات من لقي نحبه في المعركة الفاصلة بين الحق والباطل ظلت باقية ومشاهدة للعيان، وكان قبر زيد بن الخطاب معروفاً قبل فترة من الزمن وقد سويت قبة قبره بالأرض بسبب بعض الممارسات التي كان يقوم بها الجهلة من الناس.
أتذكر ونحن طلاب في جامعة الرياض (الملك سعود) أنه كانت جمعية التاريخ والآثار في كلية الآداب تنظم لنا رحلات علمية ميدانية للمعالم التاريخية والجغرافية والمواقع الحربية في التاريخ الإسلامي وما يتصل بتاريخ المملكة العربية السعودية بمراحلها الثلاث. كان أساتذة التاريخ يطلبون منا إعداد بحوث قبل تنظيم هذه الرحلات العلمية وبعدها، وكانت (عقرباء) ومحيطها الجغرافي ووادي حنيفة والمدن التاريخية الواقعة على ضفاف الوادي وفروعه مجالاً لدراسة التاريخ على الطبيعة. وأعتقد جازماً أن مثل هذه الرحلات لم تعد قائمة أو مرتبطة بالمنهج التعليمي، سواء في جامعاتنا أو على مستوى التعليم العام، وإن وجدت فهي محدودة جداً، وتبقى المعلومات التاريخية نظرية فقط بعيدة عن التطبيق الميداني، بل أكاد أجزم أيضاً أن التعريف بمثل هذه المواقع للطلاب يظل ناقصاً بدرجة كبيرة. ولا أعرف إذا كان طلاب كلية الملك عبدالعزيز الحربية التي تقع على مرأى من (عقرباء) يعرفون تفاصيل المعركة ومكانها.
وقبل أيام قمت بنزهة قصيرة في وادي حنيفة في المكان الممتد من العمارية حتى سدوس، وقد وجدتها فرصة لأشرح لصديقي الذي رافقني في هذه الرحلة، بعض ما بقي في ذاكرتي عن موقع معركة (عقرباء) وما جاورها من معالم تاريخية، ومبان تراثية تقليدية، غير أني أصبت بخيبة أمل؛ فلم أجد بقية من المباني التراثية وبقايا الأسوار الحجرية والطينية؛ فقد أزالتها خطط التطوير. كما أن الربوة التي كنا نشاهد فيها آثار المعركة قد زالت معالمها، وسور مقبرة الشهداء قد شوهته الكتابات والرسومات. لم نجد أي علامة تدل على موقع (عقرباء)، لا من مصلحة الطرق أو من البلدية التي تتبع لها البلدة. الزائر أو العابر لا يجد اليوم سوى اسم (الجبيلة)، وهي قديمة أيضاً، ولكنها كانت (محلة من محلات بلدة (عقرباء) التي وقعت فيها الوقعة).
ولا شك أن ما لقيته (عقرباء) من نسيان ينطبق على معالم تاريخية أخرى في مختلف أرجاء المملكة. إن الأمل كبير أن يلقى هذا الموقع الاهتمام الكافي من الهيئة العليا للسياحة ومن الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض؛ من أجل العمل على وضع لوحات إرشادية للتعريف بموقع (عقرباء) وجغرافية المكان وأرض المعركة. أعتقد أن البلدة بحاجة إلى إنشاء متحف محلي تعرض فيه معلومات مفصلة عن حروب الردة ومعارك اليمامة الفاصلة التي انتهت فصولها في (عقرباء). آمل أن يتحقق هذا الأمل من أجل المعرفة وحفظ التاريخ. والله الموفق.
salrashid@yahoo.com