الطائف - تحقيق وتصوير - فهد سالم الثبيتي
سنوات عديدة مرت على هذه المنشأة.. كانت الصورة قاتمة شكلاً ومضموناً حيث تسمى المستشفى باسم الحي الذي أنشئ فيه (مستشفى شهار) وأصبح بصمة بكل أشكالها ومضامينها المقبولة والمرفوضة وشكلا من أشكال التندر والفكاهة للحي.
وتمر عجلة الزمن ويصبح المكان الموحش معلما من معالم الطائف عندما آتت الجهود ثمارها، وقام أبناء هذا الوطن بالتسلح بالعلم وخدمة مرضاه, ويصبح جميع القائمين على أمور التمريض والتخصصات المساندة من أشعة ومختبر وصحة عامة وتخصصات رفيعة أخرى مواطنين بررة نذروا أنفسهم لخدمة وطنهم ومواطنيهم, لبنةُ فوق لبنة ليزداد الصرح شموخاً فشكل المريض النفسي القادم من أبعد نقطة في بلادنا مُكبل بالحديد ومفاهيم غريبة حوله تحول إلى عيادات تخصصية في مستشفى الصحة النفسية يبدأ بتعليم النطق وقياس معامل الذكاء عند الأطفال.
وكل أشكال الرهاب تجد متخصصين يتفهمون ثقافة هذا المجتمع ويتعاملون معه بكل أشكال التطور العلمي.. أفلام كانت تصور جلسات الكهرباء وكأنها شكل من أشكال التعذيب ومفاهيم بالية (الضرب أولها والكي آخرها) مارسها الدخلاء على هذا المجال.
ولكي تكتمل الصورة لدينا كان لابد أن نطرق باب مدير الشئون الصحية بمحافظة الطائف الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله كركمان.. في البداية سألناه عما يقدم في مستشفى الصحة النفسية حيث قال:
إحقاقاً للحق لم أستغرب ما رأيته وتواجدي مع إخواني وزملائي في مستشفى الصحة النفسية أثلج صدري، فهم يقومون بواجبهم على أكمل وجه ولم يخطر ببالي لحظة أن أشك في تقاعس أو تهاون من العاملين في هذا المجال نظراً لطبيعة المرضى والمرض النفسي، والخوف من الله واضح وتحسس العاملين باحتياجات المرضى هو ما يطمئنني بأن من يعمل في هذا المجال مميز عن غيره لطبيعة المرضى. والخدمات التي يقدمونها بكل المقاييس خير شاهد لإخلاصهم وتفانيهم؛ فالمريض النفسي وتأمين الدواء خدمة هي هاجسي الوحيد.
وأملى يكبر كل يوم في أبناء هذا الوطن؛ لأنهم هم أساس التنمية وهم أساس النجاح في أي عمل يقدم لأهلهم وأبناء وطنهم.
* هل هناك خطط تطويرية لمستشفى الصحة النفسية؟
- لا أبالغ لو قلت إن كل تفكيري ينصب على خدمة المريض في المحافظة ويزداد بالنسبة للمرضى النفسيين ومعاناتهم ومعاناة ذويهم لطبيعة المرض النفسي وأهمية وجود المكان المناسب والفريق المؤهل للتعامل معهم وتلمس احتياجاتهم. وكل ما يُنقل إلي أو يقع تحت ناظري والمستشفى والمرضى بحاجة إليه لن أتردد ولن أكلّ أن أنقل الصورة بكل أمانة ولو كان الخيار المريض النفسي أو أشياء أخرى تخدم المريض لاخترتها إلى أن يتحقق للمريض مبتغاه؛ فتأمين الدواء لمريض نفسي أهم لدى بكثير من أي شكل من أشكال الرفاهية سواء المكاتب أو المركبات وتأخيرها إن لم يكن إلغاؤها عندي هدف لأن المريض واحتياجاته هي الأهم.
وكل التوجيهات التي تلقيتها على كل المستويات هي أن تحقيق الرعاية الطبية على أفضل وجه وأكمل صورة هي غاية الجميع وأمنية ولي الأمر أطال الله في عمره، وهدف معالي وزير الصحة وكل القائمين على شئون المريض.
ولن أتردد أو أبخل بجهدي وفكري وكل إمكانيات الشئون الصحية في أن أقدمها لمستشفى الصحة النفسية أولاً وباقي المرافق الصحية ثانياً فالمريض النفسي شكل آخر من أشكال المعاناة، ولكي أكون أكثر واقعية، وإن كل ما تبحث عنه وتستجلي الحقيقة فيه هو مستشفى الصحة النفسية، فإنني أقترح أن ترى بعينيك أهم بكثير من أن تسمع مني، وكل ما أطلبه منك هو أن تزور المستشفى لتنقل بواقعية ما تراه عينك، ولن أتذمر عندما تخبرني أن هنالك ملاحظة أو مشكلة وتريد أن تسمع الحل ولن أقبل أنصاف الحلول في أي شيء يخص المريض النفسي، وستجد الفريق الطبي بالمستشفى بقيادة الدكتور رجب عبدالحكيم بريسالي مدير المستشفى ومساعده للشئون الفنية الأخ الدكتور معتوق بن زياد النفيعي في انتظارك، ومثلما هي قلوبنا مفتوحة ستكون كل الأبواب أمامك وأمام صحيفتنا المحبوبة (الجزيرة) مفتوحة لنقل الصورة بكل أمانة.
جولة في المستشفى
وتحقيقاً لذلك انتقلنا إلى مقر مستشفى الصحة النفسية؛ حيث رافقنا في هذه الجولة الدكتور معتوق بن زياد النفيعي مساعد المدير للشؤون الفنية الذي تحدث عن المستشفى بقوله: إن جلسات الكهرباء شكل من أشكال العلاج ونتائجها مذهلة لمن لا يستجيب أو قد تكون مساعدة للاستجابة للأدوية الموصوفة ازدياد في أشكال المرض النفسي وكسر لحاجز الخوف لكل من يعاني من مشكلة نفسية أن يزور المستشفى وكان يتحرج من أن يفصح عن معاناته، وإن أشكال الدجل -والشعوذة- والخزعبلات ذابت في بوتقة العلم والمعرفة وزيادة الوعي وارتفاع مستوى التعليم والثقافة المرضية.
* كيف يتم استقبال المريض النفسي وما هي الآلية للتعامل معه عند حضوره إلى المستشفى؟
- الاعتلال النفسي شكل من أشكال أي اعتلال عضوي يتعرض له الإنسان ويتم فرز الحالات المرضية إلى ثلاث فئات:
- فئة تم تشخيصها ولها ملف طبي يتم التعامل معها من خلال مكتب المواعيد ومناظرة من قبل الأخصائي في فترات متباعدة ومراجعتها للمتابعة وزيادة أو إنقاص الجرعات الدوائية أو إيقافها، وفئة يتم تحويلها من قبل المراكز الصحية ويتم استكمال الفحوصات اللازمة ويتم تحديد حاجتها لزيارة أو متابعه طويلة وتدخل ضمن الفئة الأولى، والفئة الثالثة وهي الحالات المتدهورة من الفئتين الأولى والثانية أو حالات لم يسبق لها المراجعة وتأخر في تشخيص ويتم إدخالها إلى المستشفى لتحديد التشخيص والعلاج ويتم إخراجها بعد استقرارها وتدخل لاحقاً ضمن الفئة الأولى.
* هل هنالك عيادة تخصصية لطب نفسي الأطفال؟
- تم افتتاحها مؤخرا وحدد لها يوم في الأسبوع ويوجد وعي كامل لدى الأسرة والمدرسة في إحالة الحالات التي يلاحظ فيها الآباء والمعلمون والمعلمات أن هنالك اعتلالا نفسيا أو صعوبة في النطق أو أي شكل من أشكال الأمراض النفسية التي قد يعاني منها الأطفال ومنها تدني مستوى الاستيعاب والتحصيل العلمي.
* هل هنالك تخصصات مسانده في هذا المجال؟
- عيادة النطق والأخصائي النفسي والاجتماعي يقوم كل تخصص بإعداد دراسة متكاملة عن الظروف النفسية والاجتماعية للأسرة والطفل وهي أمور مساعدة بالنسبة إلى الطبيب المعالج في التشخيص والعلاج.
* هل يوجد قسم خاص بالأمراض النفسية يمكن إدخال الأطفال فيه؟
- بالنسبة إلى الأطفال الذين يعانون من اعتلال نفسي لا توجد ضرورة ملحة لإدخالهم لأن دور الأسرة (الأم والوالد والأشقاء) في الاستجابة للعلاج والتفاعل مع الوسط المحيط أهم بكثير من وجود هذا القسم لأن علاج المريض النفسي كبير أو صغير يتحمل جانبا كبيرا منه الوسط المحيط (الأسرة والمجتمع) بخلاف الأمراض المزمنة الأخرى، وعند تفهم هذا الوسط لشكل المعاناة لهذا أو ذلك تكون الاستجابة سلباً أو إيجاباً لما يقدم له من علاج دوائي. والمرض النفسي يختلف عن أي اعتلال صحي آخر ففي أحيان كثيرة يكون الاستماع والنقاش والتوجيه شكلاً من أشكال العلاج الإيجابي.
* كيف يكون للأسرة والمجتمع دور في العلاج النفسي؟
- الأسرة هي عماد المجتمع، وعندما يكون التلاحم والترابط الأسري صلة للرحم تأخذ عليه أجراً ديناً ودنيا، فاسمها من الرحمن (من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)، وبالتالي فإحساس المحيط بالمريض يدفع الآخرين للإحساس به والتعامل معه، وتعتبر النظرة البالية بأن المريض النفسي يمثل هذا الكم من الرعب الذي صوره الجهل بالمرض النفسي حقبة من الزمن، وبالتالي فتواصل المريض بالمجتمع يكون من خلال الأسرة وتفهم الأسرة لاحتياجات مريضهم يساعد في اندماجه في المجتمع ويتضح أن استمرارية العلاج والمتابعة من الأسرة هي الطريق للاستقرار النفسي بالنسبة إليه.
* كم هي الفترة التي يقضيها المريض عند إدخاله المستشفى؟
- من الناحية الطبية أربعة أسابيع تكون كافية في الغالب لتحديد التشخيص المرضي والاستقرار على الخطة العلاجية، وبعدها أسبوعان في ملاحظة تجاوب المريض مع العلاج وظهور أي أعراض جانبية يتم تلافيها من الناحية الاجتماعية، فالأخصائي الاجتماعي عند تعامله مع الحالة وعمل البحث الاجتماعي للمريض واستدعاء الملاصقين له يتم أحياناً إبقاء المريض فترة زمنية في حدود الأسبوع ليطمئن الأهل على مريضهم وتجاوبهم واكتشافهم التحسن الملحوظ في حالته، ويمر خلال هذه الفترة في جناحين؛ جناح الدخول وجناح ما قبل الخروج، وهذه الآلية هي المعمول بها لدينا في الفترة التي يقضيها إلى حين خروجه.
* كم عدد العيادات النفسية التي تعمل في الوقت الراهن؟
- هذا مربط الفرس في المقياس الحقيقي للمرض بالرضا وعدم الرضا عن النفس فيما نقدمه، فدعم معالي وزير الصحة وزيادة الكوادر الطبية جعلا القوة الاستيعابية للمرضى المترددين على العيادات الخارجية يزداد مما جعلنا نزيد في عدد العيادات الخارجية لتصل إلى ست عشرة عيادة، بالإضافة إلى عيادة الطوارئ، وتعمل بطبيبين على مدار الساعة، ويكون متوسط عدد الحالات التي يتم مناظرتها يومياً مائتي حالة باستثناء حالات الطوارئ، وبفضل من المولى وتوفيقه فمن الممكن أن يكون هنالك توسع في عدد العيادات ونستطيع أن نصل إلى عشرين عيادة لو دعت الحاجة وتوفرت الكوادر الطبية المؤهلة للتخصصات المطلوبة.
* كم عدد المرضى الموجودين في المستشفى؟
- السعة السريرية للمستشفى تبلغ (690) سريراً، وأجنحة الدخول للرجال (105) أسرّة وجناح الدخول للنساء (35) سريراً، وجناح الطب النفسي الجنائي (30) سريراً، ويبلغ عدد المرضى المنومين حالياً (670) مريضاً، وقد وافق سعادة مدير الشئون الصحية باستحداث ثلاثة أجنحة لا نريد الحديث عنها إلا عندما ندعوكم لتروها على أرض الواقع بكل تجهيزاتها التي تتماشى مع الوقت ودعم كل القائمين على أمور الصحة في بلادنا وتحقق آمال وطموحات أبناء هذا الكيان.
* هل هنالك تجاوب من أهل المرضى الذين يمكثون فترات طويلة في المستشفى؟
- الرعاية الصحية شكل من أشكال اهتمام الدولة بأبنائها ممن لا يستطيع أن يدبر قوته، فقد أوجدت وزارة العمل والشئون الاجتماعية مصلحة الضمان الاجتماعي، وهنالك مرضى تحول ظروف الأسرة إما لمستوى الدخل أو عدم القدرة على الرعاية أو بعدهم عن مستشفى الصحة النفسية بالطائف وهذا حقهم، كما رأى ولي الأمر بتدبير المكان المناسب والرعاية الصحية، وآخرون يرفضون مرضاهم، وواجبنا أن نقوم بدورنا مع كثرة معاناتنا من هذه الفئة، ونتمنى أن يكون هنالك حل، ومكانهم ليس المستشفى، لكن بإيجاد دور لهم تأويهم وتوفير الدواء المناسب الذي يمكنهم أن يأخذوه في أي مكان ليتركوا المجال لمرضى هم بحاجة إلى رعاية طبية مكانها المستشفى كمنشأة علاجية وليست داراً للإيواء.
* هل هنالك دور للجنة شئون المرضى بالمحافظة معكم؟
- محافظ الطائف لمساته واضحة من خلال هذه اللجنة وتستطيع أن تشاهدها في أماكن كثيرة ويستفيد منها المرضى في كل المحافظة، فالمرضى النفسيون لهم معاملة خاصة لدى المحافظ وأعضاء اللجنة إضافة إلى أن دعمهم للدواء غير المتوفر أحياناً أكبر شاهد ورعايتهم اجتماعياً لمرضى نفسيين بحاجة إلى رعاية، فنحن مجرد ناقلين للصورة وهم وكل أهل الخير في بلاد الخير بصماتهم واضحة في مملكة الإنسانية، وكم أنا محرج أنني لا أستطيع أن أذكر أسماءهم لأنهم يرفضون ذلك، فشهادتنا فيهم مجروحة لكثرة عطائهم ومواقفهم معنا.
قسم الحاسب
ونستمر في جولتنا في أروقة المستشفى بداية بقسم الحاسب الآلي الذي أوضح لنا الدكتور معتوق النفيعي تطويره ليتماشى مع متطلبات وتطبيق نظام الملف الإلكتروني وبدايته تفريغ الملفات وإدخالها الحاسوب، ومن ثم ولجنا إلى قسم السجلات الطبية، وكم كان مشرفاً ومسعداً أن جميع العاملين به والقائمين على تنظيمه من أبناء هذا الوطن، ومن ثم تجوّلنا في العيادات الخارجية، وفرق شاسع بين اليوم والبارحة شكلاً ومضموناً من حيث مستوى النظافة والتجهيز والعدد، ومن ثم قمنا بزيارة إدارة العلاج بالعمل وهي أهم المرافق الموجودة بالمستشفى لأنها إشغال وقت المريض بما يعود عليه بالنفع ويستهلك الوقت الذي قد يكون شكلاً من أشكال معاناته إذا لم يجد ما يستهلكه به وإحساسه بذاته وأنه موضع ثقة، وعرفنا أن ما شاهدناه في أقسام الرجال يوجد مثله في أقسام النساء، ولم يخطر على بالي أن هذه الملاعب الرياضية وأماكن الترفيه موجودة في مصحة للأمراض النفسية.