تعتبر العلاقة بين القائد الإداري ومرؤوسيه أحد أهم مقومات نجاح العمل الإداري سواء أكان هذا العمل حكومياً أم خاصاً. لذا تختار المؤسسات الحكومية وغير الحكومية مديري دوائرها وأقسامها على أسس عديدة من بينها شخصية المدير وقدرته على التعامل مع متطلبات إدارته.
تأثرت معظم إداراتنا بالنظريات الغربية فيما يتعلق بإلإدارة وصفات الإداريين الناجحين. والحق يقال إن الغرب قد سبقنا في هذا المجال، على الأقل من الناحية النظرية. ومع ذلك، سبق الإسلام المؤسسات الغربية في التطبيق العملي لمفهوم الإدارة الناجحة والإداري الناجح بقرون عديدة.
يعطي الإسلام أهمية كبيرة للقائد الإداري الناجح لأنه يدرك أن نجاح الحياة البشرية واستمرارها على الأرض لا يتم إلا بوجود الإدارة الناجحة التي تسهم في استقرار ونمو حياة الإنسان. اختزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا المفهوم في حديث شريف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).
في هذا المقال أسرد مجموعة من الخصال الإسلامية الحميدة والعملية التي ينبغي على القائد الإداري الناجح أن يتحلى بها وإشاعتها بين المنتمين إلى إدارته؛ ليسودها الرحمة والتآلف والتعاون على تحقيق أهداف منظومته بما يعود بالفائدة على مستوى أداء إدارته العام.
أولاً: ينبغي للقائد الإداري أن يتحلى بالعدل والإنصاف نحو المنتمين إلى إدارته، وغيرها من الإدارات المرتبطة بإدارته، فلا يفضل أحداً من مرؤوسيه على غيره إلا على أساس العدل والإنصاف وما يتطلبه العمل. بهذا يسود مبدأ عظيم هو المساواة بين المرؤوسين. لعل من أخطر المبادئ التي ربما يتبناها القائد الإداري - بقصد أو بدون قصد - محاباة الغير على حساب الآخرين، وهو ما يخل بمبادئ العدل والإنصاف والمساواة. للأسف الشديد يلجأ بعض القادة الإداريين - غير المنصفين - إلى محاباة بعض مرؤوسيهم لأسباب قد تكون فكرية أو نفسية انتمائية أو شخصية بحتة، فيخصونهم دون غيرهم بالمميزات النفعية سواء مادية أم معنوية. إن الإخلال بهذا المبدأ كفيل بأن يحبط عمل القائد الإداري أمام مرؤوسيه، ويظهره بصورة مهزوزة أمامهم، ويفقده ثقتهم واحترامهم.
إن مبدأ العدل من المبادئ الإسلامية التي حث عليها ديننا الحنيف، ووضعها في مقدمة المبادئ التي تستقيم بها الحياة البشرية. يقول تعالى في كتابه العزيز: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (سورة النساء: 58)، ويقول سبحانه: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} (النحل:90)، وفسرها في قوله: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9). ووصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من يضيع حقوق رعيته ويخونهم في القول والفعل بأنه (غاش)، حيث قال - عليه السلام -: (ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة). وقال كذلك - عليه الصلاة والسلام -: (اتقوا الظلم: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).
ثانياً: أن يتجنب سوء الظن. للأسف الشديد ربما يميل القائد الإداري إلى الحكم على مرؤوسيه وفقاً لما تكون لديه من ترسبات ظنونية بعيدة تماماً عن الحقيقة والواقع. يحذرنا الله - سبحانه وتعالى - من سوء الظن وتبعاته حيث قال في كتابه العزيز: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات:12). وقال - عليه الصلاة والسلام -: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث). أكاد أجزم أن سوء الظن هو أحد معوقات نجاح الكثير من الإدارات التي تتطلب شيوع مبدأ حسن الظن. لعل الخوف الأكبر هنا هو أن يصبح سوء الظن مركباً نفسياً في شخصية القائد الإداري، خصوصاً إذا وجد من يغذيه من أصحاب النفوس الضعيفة المحيطة به. لذا يعتبر تقديم حسن الظن على سوء الظن من العوامل المساعدة على نجاح القائد الإداري في إدارته، واكتساب ثقة الآخرين.
ثالثاً: تجنب الحكم على المرؤوسين من خلال ما يسمع من أحدهم ضد غيره من المرؤوسين، الذي يقصد به إلحاق الأذى بهذا المرؤوس وتشويه سمعته لغرض ما. لقد حذرنا الله - سبحانه وتعالى - من مغبة ذلك حينما قال في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات:6). لذا من الأهمية بمكان أن ينأى القائد الإداري بنفسه عن هذه الأمور، وأن يسد كل المنافذ على من تسول له نفسه إلحاق وتشويه سمعة الغير، لينجو من العذاب الذي أعده الله سبحانه وتعالى لمن يؤذي عباده: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (الأحزاب: 58)
رابعاً: تنمية الحوار بينه وبين مرؤوسيه. يعتقد بعض القادة الإداريين، خصوصاً المنتمين لبيئات تقدس البيروقراطية وتهمش مبدأ الحوار، أن من حقهم السلطة المطلقة في تسيير أمور إداراتهم دون الأخذ بعين الاعتبار أن المرؤوسين هم جزء لا يتجزأ من منظومته الإدارية، وأنه بدونهم لا وجود لهذه المنظومة وبالتالي لا وجود له كقائد إداري. من الأمور الشائعة لدى بعض المديرين - قليلي الخبرة - أن إشاعة مبدأ الحوار بينه وبين مرؤوسيه قد يؤخذ على أنه نقطة ضعف في شخصيته، وهذا بعيد كل البعد عن الواقع تماماً. إن مبدأ الحوار - الذي ترعاه حكومتنا حفظها الله - من المبادئ الجوهرية في الإسلام، التي من خلالها تستمر الحياة بشكل طبيعي ومتناغم مع الطبيعة البشرية. كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو المؤيد بالوحي الإلهي - يحاور ويستشير أصحابه في أمور الحرب والسلم. لقد أخذ - صلى الله عليه وسلم - بنصيحة سلمان الفارسي الذي أشار عليه ببناء خندق يحول بينهم وبين الكفار. والشورى هي الشجرة التي أبرز ثمارها الحوار الفعال الذي طبقه رسولنا الكريم مع أصحابه رضوان الله عليهم جميعاً. قال تعالى واصفاً المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38).
خامساً: أن يكون قدوة حسنة لمرؤوسيه. ينظر المرؤوسون إلى رئيسهم نظرة احترام وتقدير طالما أنه يمارس سلوكاً حضارياً ومثالياً معهم. لا يمكن أن يتحقق هذا للقائد الإداري إلا إذا تحلى بالصفات الإسلامية في شخصيته وتعاملاته. انتشر النفاق والحسد والكذب لدرجة أن بعض القادة الإداريين لم يسلموا من هذه الصفات المقيتة.
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قياديا فذا يضرب به المثل في الأخلاق الكريمة، وهو ما شهد به كل من عرفه قبل وبعد النبوة. قال عنه الخالق - عز وجل -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21)، وقال سبحانه أيضاً عن رسوله الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4). وقالت عنه عائشة - رضي الله عنها -: (كان خلقه القرآن).
سادساً: بشاشة الوجه والابتسامة الدائمة. ربما يعاني القائد الإداري من ضغوطات العمل وصعوبة أدائه على الوجه الأكمل، فينتج عن ذلك العبوس والتجهم الذي يخشى أن يصبح مع مرور الوقت صفة ملازمة لهذا القائد. يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (تبسمك في وجه أخيك صدقة). وربما يصبح الأمر أخطر من ذلك عندما يخص فئة في إدارته بهذه الابتسامة ويبدلها بالتجهم والعبوس عندما يلتقي فئة أخرى، وهو ما يضر بمبدأ العدل والإنصاف. ليس هناك داعٍ للتهكم والعبوس، فهي تؤخر العمل ولا تقدمه على الإطلاق، ولها أثر خطير على صحة الإنسان على المدى البعيد.
سابعاً: أن يتميز بلين الجانب والحلم وحسن الإنصات ودماثة الخلق. فمن الخطأ أن يعتقد القائد الإداري أن لين الجانب والإنصات لا ينسجمان مع طبيعة عمله كقائد إداري، وأنهما يتعارضان مع مظهر القوة الذي يجب أن يكون عليه بحكم موقعه. قال تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك} (آل عمران، 159). لو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - فظاً غليظ القلب لانفض صحابته من حوله، وهم خير الناس، فكيف بسائر الناس.
ثامناً: أن ينأى القائد الإداري بنفسه عن الشللية. فعندما يسود نظام الشللية في أي مؤسسة، فإن مبادئ أساسية مثل العدل والمساواة والإنصاف ستنتهك لا محالة وسوف يسود الخلل المنظومة الإدارية. وتتشكل الشللية في الغالب من مجموعة صغيرة جداً من الأفراد تجمعهم مصلحة مشتركة أو اتجاه معين يعملون معاً من أجل تحقيقه، ويرون في إبعاد الآخرين شرطاً لتحقيق هذه المصلحة. ينتج عن هذا شيوع الكره والحقد والتنافر بين هذه الشللية وآخرين في نفس الإدارة، فيتعطل العمل ويصبح الإنتاج ضعيفاًً، مما يخل بعمل المنظومة الإدارية الكبرى. ينتج عن تصرفات الشللية في الغالب أثم وعدوان، وهو ما يمثل خرقاً واضحاً لقول تعالي: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2).
تاسعاً: تهيئة مكان العمل لتحقيق النجاح. حيث يعتبر المكان مهماً جداً في نجاح أو فشل القائد الإداري. عندما يتولى القائد الإداري منصبه، فعليه أن يستكشف المكان الذي يمثل حدود إدارته، ويتعرف على نفسية مرؤوسيه، ويحدد مدى النجاح الذي يمكن أن يحققه. قد يكون القائد الإداري قوياً في شخصيته وفعالاً في أداء عمله، ولكن لا يساعده المكان الذي وضع فيه على إبراز مواهبه الإدارية، وهو ما سمته الكاتبة ناهد باشطح في مقالها (النجاح والبيئة الداعمة) في جريدة الرياض، عدد (14315)؛ لذا ينبغي على هذا القائد الناجح أن يحدد من البداية قبوله المنصب من عدمه. في حال قبوله المنصب، فعليه أن يدرك أن القائد الإداري الناجح هو الذي يهيئ المكان ليكون عاملاً مساعداً على نجاح إدارته وبروزها. في بداية دعوته إلى الإسلام في مكة، تعرض النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن بدعوته لأذى كبير مما جعل مكة غير مناسبة للدعوة إلى الإسلام، فأمره الله بالتوجه إلى المدينة التي كانت مكانا مناسبا لدعوته، فانطلق الإسلام بقوة ليعم أرجاء المعمورة. وعندما عاد - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة عمل على تهيئتها لتقبل دعوته، فعفا عن قريش التي قامت بالتنكيل به وأصحابه في بداية دعوته للإسلام، حيث قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، فهدأت النفوس، وتفتحت القلوب للإسلام، وأصبح الغالب والمغلوب إخوة في الله. لقد كان في فعله هذا - صلى الله عليه وسلم - تهيئة عظيمة لأهل مكة في أن يدخلوا في الإسلام، وهو فعلاً ما تحقق، وأصبحت مكة منطلق الفتوحات الإسلامية العظيمة. يمثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أهل مكة درساً إدارياً عظيماً ينبغي على القادة الإداريين في البلاد الإسلامية أن يستفيدوا منه. فللأسف الشديد يلجأ بعض القادة الإداريين عند وصولهم لمراكزهم إلى تصفية حساباتهم مع غيرهم في المنظومة الإدارية التي يعملون بها، فيؤدي ذلك إلى شيوع الكراهية، والتنافر، وانعدام الثقة، والحزبية داخل هذه المنظومة المغلوبة على أمرها، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى الإخلال بعمل هذه المنظومة الإدارية. أين هذا من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند فتح مكة؟ أين هذا من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جاره اليهودي الذي ما انفك يؤذيه والنبي يقابله بالإحسان حتى أسلم هذا اليهودي؟ ينبغي على القائد الإداري الناجح أن يوفر كل السبل لإنجاح عمل إدارته، وأهمها أن يطوي صفحات الماضي، وأن يحول خصوم الماضي إلى فريق عمل يساعده على نجاح عمل إدارته. على القائد الإداري أن يدرك أنه لم يتم وضعه في منصب القائد لينتقم، بل ليقود إدارته إلى مزيد من الإنتاج والنجاح. يتطلب هذا من القائد الإداري أن يدفع السيئة بالحسنة، قال تعالي: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).
عاشراً: عدم الصراخ والغضب. يلجأ بعض القادة الإداريين- قليلو الخبرة والحيلة - إلى الصراخ والغضب السريع الأحمق لحل بعض المشكلات التي تواجههم أثناء تسيير دفة إداراتهم. عندما يسود الغضب والصراخ في مكان ما، فإن الجميع خاسر بما في ذلك القائد الإداري نفسه. جاء رجلٌ يطلب النصيحة من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: (لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب) كررها ثلاث مرات، وهو ما يعني من الناحية النفسية أنه تأكيد على أهمية الابتعاد عن الغضب. وقال كذلك - صلى الله عليه وسلم -: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). القائد الإداري هو في أمس الحاجة لهذه النصيحة ليحافظ على سير عمل إدارته على الوجه الأكمل، وكذلك على صحته التي هي ما سيبقى له في نهاية المطاف.
أحد عشر: تجنب الإقصاء. للإقصاء تأثير سلبي هائل على النفس البشرية. فالرجال الأحرار يبغضون الإقصاء لأن فيه جرحاً لكرامتهم وتحقيراً لمكانتهم التي كفلها وصانها الإسلام والأنظمة البشرية المتحضرة. للأسف الشديد يميل بعض القادة الإداريين - قصيري النظر- إلى إقصاء كفاءات معينة في إداراتهم لأسباب هي في الغالب شخصية تمليها عليهم أنفسهم المريضة أو بعض النفوس المريضة القريبة منهم. يسود الإقصاء في المنظومة الإدارية عندما يسود فيها الحقد والحسد والرغبة في تحقيق مآرب نفعية لا تتحقق للجميع. حذرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذه النزعة الشيطانية، فربطها بالإيمان الحق والخالص لله، حيث قال: (والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). من أبسط معاني الإقصاء: الإبعاد، التهميش، والعقاب النفسي.. فمن منا يرغب في الإقصاء؟! لا أحد بالتأكيد. وهنا لابد من التمييز بين نوعين من الإقصاء. هناك إقصاء حميد يقصد به إحلال الحق، وهناك إقصاء خبيث يقصد به إحلال الباطل.
من الأمثلة العظيمة التي توضح كيف يكون الإقصاء الحق هو الإقصاء الإلهي لأبونا آدم وأمنا حواء - عليهما السلام - بإخراجهما من الجنة لمعصيتهما لله واتباع ما وسوس به الشيطان لهما. قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى. فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَئ ادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} (طه:120-123). إن في هذا الدرس الإلهي لحكم عديدة عظيمة، ومنها أن الإقصاء إنما يكون لمن يخالف الله وهديه الحق، وعليه يكون القياس في حياة البشر. ومن أمثلة النوع الثاني من الإقصاء، الإقصاء الباطل، وهو ما قام به هابيل ضد أخيه قابيل حيث قتله، فكان جرمه أول جرم في تاريخ البشرية. قال تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة:30 ). ومن الأمثلة الأخرى على الإقصاء الباطل ما قام به إخوة يوسف - عليه السلام -. لقد رأى إخوة يوسف أنه لابد من إقصاء يوسف الذي كان له مكانة خاصة عند أبيهم، فينفردوا بحبه وإعجابه. قال تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أو اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} (يوسف: 9). لذا يجب على القائد الإداري الناجح أن يتجنب الإقصاء بقدر الإمكان، وإذا اضطر إلى ممارسته، فعليه أن يتوخى الحذر الشديد، فلا يقصي إلا من يستحق الإقصاء للمصلحة العامة حتى لا ينطبق عليه قول الله تعالى: {فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلتُمْ نَادِمِينَ}.
اثنا عشر: الابتعاد عن التأفف. ينبغي على القائد الإداري - أو من هو في طريقه أن يكون قائداً إدارياً - أن يعي أن النجاح والتأفف صفتان لا تجتمعان أبدا. فالتأفف هو أول علامات الفشل الذريع. يلجأ بعض القادة الإداريين إلى التأفف والتذمر من عمل المنظومات الإدارية الصغرى والكبرى في المؤسسة التي يعملون بها. من حق القادة الإداريين التذمر للتعبير - ضمن حدود معقولة - عن عدم رضائهم عن سير العمل إذا كان لا يجاري طموحهم. ولكن الخوف هو أن يصبح هذا التذمر صفة ملازمة لهم، فلا يخلو اجتماع من اجتماعاتهم إلا ويسمع المرؤوسين هذا التأفف والتذمر المرضي. ليس مستساغاً على الإطلاق أن يبدأ القائد الإداري حديثه أو جلساته بكلمات تذمرية لاذعة لا تغني ولا تسمن من جوع.
وأخيراً وليس آخراً، على القائد الإداري أن يدرك حقيقة مهمة وهي أن رضا مرؤوسيه ومن حوله غاية ربما لا تدرك بشكل كامل. هذا لا يعني أن يهمل العمل بالمبادئ السابقة، بل يجب عليه أن يعمل بها، وأن يسعى إلى تحقيق مبدأ الرضا العام بكل الطرق المتاحة دون أن يشعر في النهاية أنه عجز عن إرضاء كل الأطراف. يخبرنا القرآن الكريم أن دعوة الرسل والأنبياء - وهم خير البشر - لم تجد القبول الكامل والمطلق في الأمم البشرية التي أرسلوا من أجلها، ولم يعيقهم هذا عن أداء رسالاتهم السماوية على الوجه الأكمل دون كلل أو ملل. فهذا نوح - عليه السلام - يدعو أمته للحق ألف سنة إلا خمسين عاماً فتسخر منه إلا نفر قليل، وهذا إبراهيم - عليه السلام - يدعو أمته، فترميه في النار، وهذا لوط يحذر قومه من سخط الله، فينقلبون ضده، وهذا سيد الأولين والآخرين محمد - صلى الله عليه وسلم - يتعرض للتنكيل في بداية دعوته، ويتهم في عرضهِ، ويرتد عن دينه بعد موته بعضُ من آمن به، ويتعرض للسخرية وتشويه السمعة عبر العصور التي أعقبت دعوته، ومنها العصر الحديث.
وفي الختام لابد من الإشارة إلى أن هذه المقومات الإسلامية للقائد الإداري الناجح - المذكورة في هذا المقال - ما هي إلا غيض من فيض، وأن هذا المقال هو دعوة صريحة إلى أسلمة أفكارنا ونظمنا الإدارية لتعكس ما نؤمن به على أرض الواقع.
* أكاديمي وكاتب
alhuqbani@yahoo.com