فُجع أهالي محافظة البكيرية يوم الأربعاء الموافق للثالث من شهر ذي الحجة لعام ألف وأربعمائة وثمانية وعشرين من الهجرة بوفاة أستاذنا عبدالله بن سليمان الخليفي -رحمه الله وأجزل مثوبته ورفع ذكره- حيث أتتني تلك الرسالة الجوالية صباح ذلك اليوم فلم أصدق الخبر.. أعيد قراءتها مرتين أو ثلاث.. لكنه الموت نهاية كل حي.. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
لم أتصور الموقف إلا وأنا في جامع البكيرية الكبيرة حيث سيصلى على فقيد البكيرية وابنها البار عبدالله بن سليمان الخليفي بعد صلاة العصر.
اكتظت جنبات الجامع بجموع غفيرة من المصلين من أهالي البكيرية وغيرهم ممن عرفوا أبا سليمان وعرفهم.
كان مشهداً عظيماً وفراقاً مؤثراً.. ذلك أن أبا سليمان -رحمه الله- لم يكن شخصاً عادياً في محافظة البكيرية، إذ عرفه الجميع بنبل أخلاقه، وعظيم صفاته، وسعيه الدائم والحثيث في رفعة المحافظة والسعي من أجل أهلها.
كان -رحمه الله- محباً للخير للجميع، وساعياً في قضاء حاجة من عرف ومن لم يعرف، عرفه أهالي البكيرية بنبل صفاته، وكريم أخلاقه، وسلامة صدره للجميع.
كان -رحمه الله- أمة في رجل، عالي الهمة، صافي السريرة، كريماً جواداً فرحمه الله وأجزل مثوبته.
بفراق أبا سليمان خسرت محافظة البكيرية رجلاً طالما سعى لمصالحها ورفع اسمها عالياً.. ولكن عزاؤنا في أولاده من بعده.
لولا إيماننا بقضاء الله وقدره لصعب علينا المصاب، ولكن مشيئة الله تعالى التي نؤمن بها، وندرك معها أن الموت هو نهاية كل كائن حي في الدنيا، فصبرنا واحتسبنا في مصابنا الجلل، وهلت مآقينا دموعها، حزناً على فقده.
فمصابنا أليم، ولا نقول لا ما يرضي الرب سبحانه وتعالى (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا أبا سليمان لمحزونون).
أكتب هذه الكلمات وأنا أستحضر البشارة النبوية العظيمة التي أرجو الله الكريم أن يهبها لأستاذنا عبدالله بن سليمان الخليفي، ذلكم ما رواه البخاري عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمرت بهم جنازة فأثنى على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت، ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت، ثم مر بالثالثة فأثنى على صاحبها شراً، فقال وجبت، فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) فقلنا: وثلاثة؟ قال: (وثلاثة) فقلنا: واثنان؟ قال: (واثنان) ثم لم نسأله عن الواحد.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وهذا الحديث على عمومه، وأن من مات من المسلمين فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير كان دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا الهام يستدل به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعاً: (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً إلا قال الله تعالى (قد قبلت قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون).
والحمد لله فقد أثنى عليه القريب والبعيد، الكبير والصغير، ورأينا ذلك في الجمع الغفير الذي حضر للصلاة عليه في جامع البكيرية الكبير، والتأثر الذي بدا على محيا الجميع لفراقه، فأسأل الله تعالى أن يجعله من أهل الجنة، وأن يجمعنا به في مستقر كرامته.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
mohammed963@hotmail.com