Al Jazirah NewsPaper Thursday  17/01/2008 G Issue 12894
محليــات
الخميس 09 محرم 1429   العدد  12894
كيف أرثيك يا صديق العمر؟

لم أكن أتوقع في أي مكالمة من مكالماتي لأخي إبراهيم في جنيف قبل بضعة أيام أن أفاجأ بخبر وفاته، وكنت أسأله عن صحته الغالية وهو يطمئنني على أنه على خير ما يرام، وليس لديه مشكلة صحية سوى بعض المراجعات الطبية التي يستوجبها الاطمئنان على الصحة العامة، وهي إجراءات فحوص دورية روتينية.. وفي غمرة الاطمئنان على استقرار حالته وتحسن صحته: فوجئت بنبأ فاجع لم أكد أصدقه في البداية لولا التواتر المؤكد للفاجعة بوفاته تغمده الله بواسع رحمته، وقد كنت من خلال اتصالاتي معه ألمس مدى تألق روحه الواثقة في الله تبارك وتعالى وأنه عائد إلينا بعد استكمال الفحوصات، وإذا بالقدر يضع حداً لأمانينا فينتهي الأجل الذي لا يعرفه سوى الخالق العظيم.

***

إن الموت ليفزعنا حين ينتزع من بيننا من نحب، ونحن لا ندري متى يزورنا على غير موعد ودون تمهيد، فالموت ذلك الغائب المجهول الذي ننساه في غمرة انشغالنا بواجبات العمل ومتطلبات الحياة، ثم نصحو على انقباض قلوبنا وانسياب أدمعنا على فقد عزيز علينا.. إن يوم الاثنين الموافق للخامس من شهر محرم 1429هـ سوف يحفر في نفوسنا ذكرى لعزيز رحل عنا. ولن ننساه ما دمنا نتمتع بالحياة التي ودّعها قبلنا أبو مازن وما ندري متى نودعها بعده.

***

كان -رحمه الله تعالى- يحدثني في بعض تأملاتنا عن الوفيات التي تنتقص من أصدقائنا: بأن الإنسان يظن أنه مهما طال عمره وحقق ما يريده في حياته من مجد أو مال: فإنه في ومضة خاطفة ولمحة عابرة ينتقل من هذا الوجود إلى عالم آخر هو عالم النهاية لكل حي، ثم يمضي بلا عودة كأنْ لم يكن له من قبل وجود في دنيانا.

ونحن في واقعنا نعيش في أكناف هذه الدنيا والأمل يمتد بنا ويعمر نفوسنا بطول الأجل، فيمضي الزمن ولا نحس به، وكأنما هو متوقف عند حدود آمالنا التي لا تتسع لآجالنا.

***

أفٍ لهذه الدنيا.. لا تصفو لأحد وإن صفت أياماً كدّرت أعواماً، فكدرها أكثر من صفوها، ومن كدرها ارتحال الأحباب وغياب الأصفياء وفقد الأصدقاء، فكيف بفقد من تتوافر فيه كل هذه الصفات، لذلك قيل عن هذه الدنيا: إنها دار نكد ومكان ابتلاء. كما أنها مزرعة للآخرة فمن زرع حصد، والموفق فيها من حظي بحب الناس وتقديرهم له والثناء عليه، والناس شهود الله في أرضه، فإجماعهم بالثناء على شخص والترحم عليه. مما يزيد في حسناته ويرفع درجاته.

***

كانت صداقتي للأخ العزيز الأستاذ إبراهيم العنقري على امتداد العمر. بدأت هذه الصداقة ونحن في مدارج مرحلة الشباب، وذلك قبل الزواج وإنجاب الأولاد والأحفاد، ودامت على مر الأعوام، وتوطّدت على الدوام ومع اختلاف المناصب وتعدّدها.. كانت صداقتنا منذ كنا في مستهل العمر حين تزاملنا في (وزارة المعارف): (وزارة التربية والتعليم حالياً) كان يعمل مديراً لمكتب وزير المعارف وأعمل مساعداً له وكان الوزير حينذاك سمو الأمير فهد (الملك فهد رحمه الله).

***

وفي دورة ثانية من دورات الحياة التقينا بمعية سمو وزير الداخلية (الملك فهد رحمه الله) الأخ إبراهيم في منصب وكيل وزارة الداخلية، وأنا بوظيفة مدير عام مكتب وزير الداخلية.. وامتدت بنا السنون، وتبدلت الأوضاع والمراكز، فتعين هو وزيراً لعدة وزارات: الإعلام، والعمل والشؤون الاجتماعية، ثم وزارة الشؤون البلدية والقروية، وتعينتُ أميناً عاماً لمجلس الوزراء، ولم تنقطع صلاتنا واتصالاتنا ولقاءاتنا التي بدأت منذ كنا في مرحلة الشباب، ولأن الفلك يدور والمناصب تتبدل، فقد نُقل معاليه رحمه الله إلى منصب المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين وكنتُ التمست الإعفاء من منصبي الذي جاوزت فيه العشرين عاماً، فكان التوجيه الكريم بنقلي إلى منصب مستشار خادم الحرمين الشريفين للعمل بالديوان الملكي، وسعدت بالعمل بالقرب منه في الديوان.

***

وكانت له مشاركات في لجان عديدة كان له حضور مشهود في اللجان التي يرأسها أو يشترك فيها. كما أنه يتألق في هذه اللجان بحكم حصافته الذاتية وخبرته الطويلة وإدراكه العميق وثقافته الرصينة، وله مواقف حاسمة وآراء عميقة تبدو من خلال المناقشات ودراسة الموضوعات لاسيما التي تحيطها بعض المشكلات.

***

وفي بادرة لم أتوقعها بعد مدة زمنية محدودة مستشاراً في الديوان الملكي: طلب إعفاءه من منصبه هذا، وبعد لأي وافق المقام الكريم على الاستجابة لطلبه، وصداقتنا لا ترتبط بالمناصب ولكنها متأصلة منذ الشباب، فهي تتأكد مع مرور الأعوام واختلاف الظروف والمناصب، فكانت تتأكد بيننا روابط التوافق في الهدف والالتقاء على المبدأ، فقد وحّدت بيننا صلات الإخوة الصادقة ودعائم الصحبة الطويلة والزمالة التي لا تُنسى، ولقد كان لوفاته تغمده الله بواسع رحمته صدى واسع. لما له في قلوب محبيه وأصدقائه وزملائه من محبة غامرة وما يحملون له في نفوسهم من إعزاز ومودة وتقدير.

***

وبعد: فلعله لا تثريب عليّ إن لم أبادر بالكتابة فور سماعي بحدث الوفاة: وذلك يعود للصدمة التي صُدمتها بوفاة هذا الصديق العزيز الذي أمضينا معاً مدة زمنية طويلة تكاد تمثل عُمر كل واحد منا، وعنوان هذا المقال يمثل صورة حقيقية لعلاقتنا وصداقتنا وقد كان حبيبنا الشيخ ناصر الشثري (أبو حبيب) أمدّ الله في عمره يُطلق صفة (صديق العمر) على علاقة كل منّا بالآخر: (الأخ إبراهيم وأنا) وهي صفة حقيقية صادقة.. عند هذا المنعطف حينما التفتُ إلى صداقتنا التي لم يشُبها مع امتداد العمر أدنى شائبة خلاف. بل تزداد متانة مع امتداد الزمان: أشعر بفداحة المصاب مما تعطلت معه ملكة الكتابة لديّ.. فعندما أحاول الإمساك بالقلم لأرثي الأخ الصديق الحبيب: تتجسد أمامي وفي ذهني صورته بابتسامته الوضّاءة وروحه الطيبة -نضّر الله وجهه- وأحاول معاودة التقاط الأفكار من فجوات الذاكرة المعطلة. فأحس أني كلما حاولت أن أكتب رثاءه فكأني أرثي نفسي، ولا يخالجني شك في أني لاحق به، ولكنها آجال محتومة مرهونة بأوقاتها منها ما يتقدم ومنها ما يتأخر تأخراً نسبياً إلى حين، على أنه مما لا ريب فيه أن الطريق واحد. كل إنسان مسجل أجله وهو جنين في بطن أمه، وهذا مصير محتوم لا يرتاب فيه عاقل ولا يُماري فيه منصف.

لقد جمعتنا رحلات سفر داخل المملكة وخارجها، فكان نعم الرفيق في السفر ونعم الصديق في الحضر، وهو مُقل في أصدقائه ولكنه يحتفظ بهم مدى العمر ويخلص لهم كما يخلصون له، ولذلك يندر أن ينفضّ عنه صديق أو هو يجفو صديقاً، فهو يتمتع بأخلاق عالية وسلوكيات فاضلة إلى جانب نقاء السريرة وطهارة الضمير.. وكنا كثيراً ما تحملنا سيارة واحدة إذا كان مقصدنا واحداً. نركب معاً سيارة واحدة والأخرى تتبعنا أو تنتظر عودتنا من المكان الذي ذهبنا إليه، وبحكم اختلاطي الكثير معه كنتُ ألاحظ أنه دائم الاستغفار يصدر عنه ذلك في همس غير مسموع لكنه لا يفوت إدراكه مَنْ هو بجواره، ومعلوم أن الاستغفار يغسل الذنوب ويطهر القلوب وما أسعد مَنْ كان هذا نهجه، وهو مؤمّل له في الدار الآخرة.

***

لقد عشت عمراً مع هذا الإنسان النبيل، فكانت سريرته كعلانيته، وباطنه كظاهره. لا يحمل حقداً على شخص أو حسداً لأحد، وإنما يتمنى الخير للجميع، وهو ينطلق في توجهه هذا من حبه للخير وفعله.

اللهم يا رب أنت أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وإن عبدك إبراهيم كان لك من الذاكرين والشاكرين فاغفر له وتقبله في عبادك الصالحين، واجمعنا به في جنات النعيم.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد