Al Jazirah NewsPaper Thursday  24/01/2008 G Issue 12901
الخميس 16 محرم 1429   العدد  12901
يفرون من رفوف المكتبة
سعاد السعيد

الكآبة هنا تُستنشق مع الهواء، تدخل الرئة، فينقبض الصدر ولا ينبسط إلا بزفرة تتدافع معها كتل كآبية، أراها بعيني تخرج من فمي.

سحبت حقيبة السفر من أعلى الدولاب، وضعتها على السرير، فتحت دولاب الملابس، ملابسي ليست كثيرة، بينما تمتلئ الغرفة بأغراض وحوائج سافرت معي من الرياض إلى هنا ونسيتها، ظلت الشنطة مفتوحة على السرير، لم أضع بها شيئاً رغم ما تعج به الغرفة من هدايا وأشياء اشتريتها ورغبت عنها وقت امتلكتها، سقط نظري على الهاتف غائصاً بين مخدتي السرير، شعرت بألم في يدي، أي محاولة إضافية للبحث عن الشاعر تشعرني بالملل، التراجع عنها يشعرني بالانشراح، محاولات مملة مضيعة للوقت لا تتعدى الوقوف أمام العمارة، وطلب هاتفه، وضغط جرس الشقة حتى تخدر الذراع، وما يتبع ذلك من الخوف من طرق باب الشقة المقابلة، وخجلي من السائق الجاهل حتى الآن سبب ترددي على العمارة.

أرمي الحوائج بقوة، فتهوي في جوف الحقيبة دونما ترتيب، صورة الشاعر أمامي كأني التقيته قبل قليل، صوته يطن في أذني، أرأيته اليوم وحدثته؟! أقتلع بشدة الملابس من مشجب الدولاب، تركها تتهاوى في الحقيبة كيفما اتفق، النظيفة والمستعملة سواء بسواء، إني متأكدة أني سمعت صوته اليوم، حدثته، كيف؟ لا أدري؟! تسريحتي كتسريحة رجلٍ، خالية من أدوات الزينة، فقط فرشاة قديمة محشوة بشعر نسيت تنظيفها، في درج التسريحة مساكات شعر لا أجيد طريقة وضعها على الرأس، وإن أجبرتني الأحوال على التزين بها تظهر فوق رأسي بشكل مائل ضاغط على شعيرات من جلد الرأس تقتلني ألماً وقلقاً، إذ أنها المؤشر الذي يذكرني أني خارج نطاق غرفتي.

كان الشاعر اليوم حنوناً على عكس لقائي به في شقته، إذ بدا آنذاك قاسي الملامح، يحدثني بلطف، في حين كنت شبه مطرودة في شقته، متى حدثني اليوم بلطف وحنان؟! قبل قليل عدت من رحلة بحث عنه ولم أجده، المرآة الإنجليزية الضخمة تنتصب بجلال عصور السيادة للعصر الفكتوري، لأول مرة أتحقق من فخامتها وعراقتها، في القليل أقف قبالة مرآة ناظرةً لصورتي، ألصقت وجهي بالمرآة أتحسس ملامحي، تذكرت سؤال صاحبة العمارة وقت استئجار الشقة - إذ حسبتني فارسية - تحققت من ملامحي، لم تكن فارسية كما توهمت، التوفيق جانبها، لأنها تقسم العربيات إلى عربيات مشرقيات، وعربيات مغاربيات، كأن الفرس رمز المشرق!!.

الوقوف أمام المرآة ليس من عادتي، حتى في سني المراهقة، لكنه يبدو الآن لعبة جيدة لتمضية الوقت.

كلمح البصر أظلمت الغرفة - ظننت الأمر متعلقاً بالإضاءة - قليلاً أدركت أن سحباً سوداء قاتمة غطت المنطقة، تراكضت في سمعي دقات بدأت خفيفة ثم تطاولت على باب الشرفة الخشبي، فتحت الباب ولفحني تيار هوائي حاملاً قطرات مائية، كان اتجاه الهواء جنوبياً، مما جعل أرضية الشرفة كبحيرة صغيرة عند بدء تساقط المطر، وهواء كما الصقيع ينخر البدن بشفافية لا يشعر بها إلا والأطراف قد تجمدت، فتحت باب الغرفة وجاء صوتها مرتعشاً:

- ادخلي، وأغلقي باب الشرفة.

- دعيني أودع مطر لندن.

- منذ متى تحبين مطر لندن؟

- أودعه لا يعني أحبه.

- أأعمل لك شاياً، أو تعملينه لنفسك؟

صامتة لم أجب.

- حسناً، أعمله، وأحضره أيضاً.

أشفقت عليها.. كم أتعبها.. وكم أتركها وحيدة في الشقة دونما مسل!

خفوت نور الغرفة يغري بالقراءة، تلقائياً تنشط الأماكن خافتة الضوء لهفة القراءة داخلي، رغم ما تعانيه عيناي من جهد.

حقيبة اليد ساقطة إلى جوار السرير، دفعتها الحقيبة الكبيرة حين وضعتها فوق السرير، رفعتها، أخذت منها الأوراق، ثم رميتها داخل الشنطة الكبيرة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد