Al Jazirah NewsPaper Friday  25/01/2008 G Issue 12902
الجمعة 17 محرم 1429   العدد  12902

نوازع
من شعر الشافعي
د. محمد بن عبدالرحمن البشر

 

أعود لأتحدث عن الإمام الشافعي الشاعر، فهو المبدع علماً وشعراً ونثراً، كان جل شعره حكمة، وما أجمله من شعر فهو القائل:

قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم

إن الجواب لباب الشر مفتاح

والصمت عن جاهل أو أحمق شرف

وفيه أيضا لصون العرض إصلاح

أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة

والكلب يخسى لعمري وهو نباح

يوجهنا الإمام الشافعي إلى السكوت عند الخصام، فالجواب قد يكون باباً للشر يفتح فيصعب إغلاقه، كما أن الصمت عن إجابة الجاهل أو الأحمق شرف، كما أن به صون للعرض، والأسد رغم أنها صامتة إلا أن الجميع يخشاها، بينما الكلب يخسأ أي يقال له إخسأ أي ذليلا، مبعداً، ومع هذا فهو كثير النباح.

ويبدو أن الشافعي، قد خالط، أو سمع عن شخص جاهل، غير ذي عقل، قد رزقه الله مالاً أو جاهاً يرى الشافعي أنه لا يستحقه، فقال بيتين من الشعر:

لو كنت بالعقل تعطى ما تريد إذن

لما ظفرت من الدنيا بمرزوق

رزقت مالاً على جهل فعشت به

فلست أول مجنون ومرزوق

وهناك أبيات للشافعي مشهورة، حتى غدت ترددها معظم الألسن، فوجدت ونحن في هذا المقام أن أوردها رغم معرفة معظم القراء بها.

صن النفس وأحملها على ما يزينها

تعش سالماً والقول فيك جميل

لا تولينَّ الناس إلا تجملاً

نبا بك دهر أو جفاك خليل

وإن ضاق رزق اليوم فأصبر إلى غد

عسى نكبات الدهر عنك تزول

ولا خير في ود إمرئ متلون

إذا الريح مالت مال حيث تميل

وما أكثر الإخوان حين تعدهم

ولكنهم في النائبات قليل

خرج الشافعي يوماً في بعض أسفاره لأمر يريده، فضمه الليل إلى مسجد اضطر أن يبيت فيه، فكان في المسجد الكثير من عوام الناس يتحدثون في أمور لا تتناسب مع عقل الشافعي وفكره ومروءته ونبل مقصده، وأسهبوا في ذلك، حتى أنهم تحدثوا ببعض من الحديث الفاحش، فقال بيتين من الشعر:

وأنزلني طول النوى دار غربة

إذا شئت لاقيت إمرءاً لا أشكاله

أحامقه حتى يقال سجيه

ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

أيضا قال الإمام الشافعي بيتين في من يعلو حظه ويكبر إن كان من خلال منصب أو مال أو جاه، أو غيرها، فيتهافت الناس للملق فيزينون أمراً لم يفعله فقال:

المرء يحظى ثم يعلو ذكره

حتى يزين بالذي لم يفعل

وترى الغني إذا تكامل ماله

يخشى وينحل كل ما لم يفعل

قال رحمه الله في ثلاثة أبيات جميلة:

سهرت أعين، ونامت عيون

في أمور تكون أو لا تكون

فادراً الهم ما استطعت عن

النفس فحملانك الهموم جنون

إن ربا كفاك بالأمس ما كان

سيكفيك في غد ما يكون

وأختم بشيء من شعر الإمام الشافعي بأبيات حكمة مشهورة لا يمل المرء من تردادها، فقال رحمه الله:

دع الأيام تفعل ما تشاء

وطب نفساً إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي

فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلا على الأهوال جلداً

وشيمتك السماحة والوفاء

وإن كثرت عيوبك في البرايا

وسرك أن يكون لها غطاء

يغطى بالسماحة كل عيب

وكم عيب يغطيه السخاء

ولا حزن يدوم ولا سرور

ولا بؤس عليك ولا رخاء

ولا تر للأعادي قط ذلا

فإن شماتة الأعدا بلاء

ولا ترج السماحة من بخيل

فما في النار للظمآن ماء

ورزقك ليس ينقصه التأني

وليس يزيد في الرزق العناء

إذا ما كنت ذا قلب قنوع

فأنت ومالك الدنيا سواء

ومن نزلت بساحته المنايا

فلا أرض تقيه ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن

إذا نزل القضا ضاق الفضاء

دع الأيام تغدر كل حين

ولا يغني عن الموت الدواء

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6227 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد