(الشبط يأتي بالصقيع وتزرق له الأجسام) هذا عنوان حديث عن فصل الشتاء المربعانية والشبط وأثر البرد على الناس والمحاصيل والأشجار للباحث الفلكي د. خالد الزعاق، عبر صحيفة (الجزيرة) يوم السبت 4-1-1429هـ لذا رأيت أن أذكر بعضاً من الأحوال والكلام وما كتب حول فصل الشتاء من النثر والشعر والطرف والملح والفوائد لمناسبتها في هذه الأيام وما يحصل من حرص بعض الناس في التحوط من البرد وشدته وتهاون بعضهم في ذلك، وما يكون في حديث الناس عن ذلك. ممن يسعد في الشتاء وممن يضايقه وما يكون بينهم من تفصيل حول البرودة ومتى حصل مثل ذلك في عام كذا أو عام كذا ومن يتبرع ويقول: إن لنا كذا من السنين لم يأت مثل هذا البرد وشدته. |
ذكر ابن كثير في تفسير قول الله تعالى من سورة آل عمران {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} أي: برد شديد، قاله ابن عباس. انتهى كلامه رحمه الله. |
هذا هو الصر، البرد الشديد. كان حاتم الطائي إذا اشتد البرد، أمر غلامه يسارا، فأوقد نارا في بقاع من الأرض، لينظر إليها من ضل عن الطريق، وفي ذلك يقول: |
أوقد فإن الليل ليل قَرُّ |
والريح يا واقد ريحٌ صَرُّ |
لعل أن يبصرها المعترُّ |
إن جلبت ضيفا فأنت حر |
فحاتم يصف الريح بالصر أي شديدة البرودة ويأمر غلامه بإشعال النار للضيف. |
الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه. وهو الغنيمة الباردة للمؤمنين، ومع هذا فبعض الناس يتأزم في الشتاء من البرودة تجاه الأولاد والأعمال والمصالح، ونسي حكمة الله في ذلك. ما من شك في أن الشتاء يؤثر على الفقراء والمعوزين ويشق عليهم لما يحتاجون من مؤنة له لذا فإنه ينبغي على أهل اليسر والمال والقدرة تفقد أهل العوز والفاقة حدّث مسعر بن كدام أنه خرج يوما إلى الجبال فإذا هو بأعرابي يتشرق في الشمس وهو يقول: |
جاء الشتاء وليس عندي درهمُ |
ولقد يُخَصُّ بمثل ذاك المسلمُ |
ومما ورد في وصف رياح الشتاء وهبوبها وشدتها قيل: خرج أعرابيان في غداة باردة فقال أحدهما: أرى الشمال تنفس الصعداء، وقال الآخر: أراها تشعبت على الجو. وقال بعضهم: جاءت الريح كأنها نسيم معشوق بعد هجير كأنه نفس مهجور. |
وأعظم رياح الشتاء الشمال وتسمى الشآمية شديد بردها تفرق السحاب وتشتته وتصفي السماء ويصيب الناس ضرر في مزارعهم ومحاصيلهم. بين أحدهم أنواع الرياح وجعل أشدها الشمالية وقيل: الرياح أربعة: ريح تقسم السحاب، وريح تثيره فتجعله كسفا، وريح تؤلف بينه فتجعله ركاما، والشمال تفرقه وهي باردة. |
قال أحدهم يصف رجلا ويبين حاله مع قرابته الأدنين، يشبهه بريح الشمال الباردة التي تأتي على الأخضر واليابس وتعصر الأبدان من شدة بردها، وأنه مع الناس الأبعدين مثل ريح الصبا طيبة مثمرة ريح رخاء بإذن ربها ويذمه بهذه الحالة فيقول: |
وأنت على الأدنى شمال مريةٍ |
شآمية تزوي الوجوه بليلُ |
وأنت على الأقصى صبا غير قرةٍ |
تداءب منها مزرعٌ ومسيلُ |
ومما ورد في وصف فصل الشتاء: يشتد البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشجر، وتنجحر الحيات، وتكثر الأنواء، ويظلم الجو، وتصير الأرض كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت. ومن ذلك قول بعضهم يصف شدة البرد قال: برد يغير الألوان، وينشف الأبدان، ويجمد الريق في الأشداق، والدمع في الآماق؛ برد حال بين الكلب وهريره والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. |
ولأبي القاسم التنوخي، في وصف ليلة باردة وحال الناس مع البرد فيقول: |
وليلة ترك البرد البلاد بها |
كالقلب أسعر نارا فهو مثلوجُ |
فإن بسطت يدا لم تنبسط خصراً |
وإن تقل فبقول فيه تثبيجُ |
فنحن منه ولم نخرس ذوو خرس |
ونحن فيه ولم نفلج مفاليجُ |
وهذا الرشيد يسأل: ما أبلغ بيت في شدة البرد؟ فأنشد بعضهم هذا البيت للراعي: |
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة |
حتى يلف على خرطومه والذنبا |
|
وليلة قر يصطلي القوس ربها |
وأسهمه اللاتي بها بتنبلُ |
فقال: حسبك ما بعد هذا شيء. |
|
قيل لأعرابي: ما أعددت للبرد؟ قال: شدة الرعدة وتقرفص القعدة وذرب المعدة. |
وجد أعرابي البرد فقيل له: هذا لكون الشمس في العقرب. فقال: هذه العقرب مؤذية في الأرض كانت أم في السماء. |
وقيل لرجل: ما أثقل جبتك. فقال: البرد أثقل منها. |
وقد اعتنى بعض الناس بمدح البرد وفصل الشتاء في نثر وشعر فقال بعضهم: لو لم يكن من فضله إلا أنه تغيب فيه الهوام وتنجحر الحشرات، ويموت الذباب، ويهلك البعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب العناق، ويظهر الفرش، ويكثر الدخن، وتلذ جمرة البيت لكفى. |
|
تركَتْ مقدمة الخريف حميدة |
وبدا الشتاء جديده لا ينكر |
مطر يروق الصحو منه وبعده |
صحو يكاد من الغضارة يمطر |
غيثان والأنواء غيث ظاهر |
لك وجهه والصحو غيث مضمر |
أذن الشتاء بلهوه المستقبل |
فدنت أوائله بغيث مسبل |
متكاثف الأنواء منغدق الحيا |
هطل الندى هزج الرعود بجلجل |
جاءت بعزل الجدب فيه فبشرت |
بالخصب أنواء السماك الأعزل |
ومن كلام بعضهم أيضا: في ليلة خمد جمرها، إلى يوم تود البصلة لو ازدادت قمصا إلى قمصها، والشمس لو جرت النار إلى قرصها. |
ومع كل هذا يعلم المسلم أن الشتاء وبقية فصول السنة، هي من حكمة الله وتدبيره وقدرته مصرف الأمور والأحوال خالق كل شيء، فالمسلم يرضى ويسلم الأمر لله جعل سبحانه البرد والحر لحكم عظيمة بالغة الدقة والتركيب قال تعالى في سورة الملك: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ} |
وأذكر بأهمية أن يحافظ المسلم على عقيدته سالمة وذلك بتجنب لعن الشتاء وسبه حيث إن ذلك يؤثر على كمال التوحيد كما قرره أهل العلم حيث ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار). وفي رواية: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر). والشتاء جزء من الدهر حيث الدهر هو اليوم والليلة والأسبوع.. إلخ ويستثنى من ذلك ما كان من باب الوصف لما حصل أو يحصل في الشتاء أو غيره قال أهل العلم: (وليس من مسبة الدهر وصف السنين بالشدة، ولا وصف اليوم بالسواد، ولا وصف الأشهر بالنحس، ونحو ذلك؛ لأن هذا مقيد، وهذا جاء في القرآن في نحو قوله - جل وعلا - {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْي (16) {سورة فصلت} فوصف الله - جل وعلا - الأيام بأنها نحسات، والمقصود: في أيام نحسات عليهم، فوصف الأيام بالنحس؛ لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، ونحو ذلك قوله - جل وعلا - في سورة القمر: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِر} (19){سورة القمر} فهذا ليس من سب الدهر؛ لأن المقصود بهذا أن الوصف ما حصل فيها كان من صفته كذا وكذا على هذا المتكلم، وأما سبه أن ينسب الفعل إليه فيسب الدهر لأجل أنه فعل به ما يسوؤه، فهذا هو الذي يكون أية لله - جل وعلا). |
ختاما أسأل الله لي وللجميع الفائدة. |
د. محمد بن علي المحسن |
مركز الإشراف التربوي بمحافظة البكيرية |
|