Al Jazirah NewsPaper Friday  01/02/2008 G Issue 12909
الجمعة 24 محرم 1429   العدد  12909
حين تغيبُ القدوة

كلماتٌ من بحر الدموع..

هذه كلماتي أُسطرها والأسى هو مدادها.. عندما رحلت عن دنيانا إحدى درر هذا الزمان.. ومن بقية السلف.. توفيت جدتي ورأيت جنازتها الثلاثاء الماضي. رأيتها محمولةً على الأكتاف.. كان فراقاً مريراً.. لقد ذهبت والكل يبكي حزناً لفراقها..

إنها الدنيا الفانية..

طُبِعت على كدرٍ وأنتَ تُريدها... صفواً من الأقذاء والأكدارِ

يوم الاثنين الماضي لم يكن يوماً عادياً بالنسبة لنا فقد ودعنا أماً غالية ليست ككل الأمهات.. هي في الأصل خالتي شقيقة جدتي ولكن لصلاتٍ حميمةٍ ومودةٍ عظيمة عددتها لي جدةً ثانية.!

رحلت جدتي فاطمة في ذلك اليوم الحزين.. رحلت صاحبة القلب الأبيض والرأي الرزين.. رحلت التي لا تحمل في قلبها إلا الحب والنقاء والوفاء لأبنائها وبناتها وللجميع، الجميع يُحبها ويأنس بالجلوس معها.!

كانت نقية السريرة لا تحمل الحقد أو الحسد أو الضغينة.. لسانها يلهجُ بذكر الله وصوتها العذب يترنم بتلاوة القرآن.. ما تُرى إلا صائمة أو تالية للقرآن أو قائمة لصلاة.. تُحب الخير للغير وتصل الرحم.. ويكفيها شرفاً أن أكرمها الله بحفظ كتابه كاملاً على كِبر.. وكانت شاكرة للنعم فلا يمر أسبوع إلا وتختم القرآن.!

كانت متابعةً لأحوال المُسلمين تفرح لفرحهم وتحزنُ لمُصابهم.!

فرحمك الله يا جدتي فاطمة

وأسكنكِ فسيح جناته

يا من يحن القلب لوجودكِ وتبكي العين لفراقكِ يا فاطمة

كتبتُ لكِ هذه السطور ولم أكن أتخيل في يوم أن أكتبها ل.... آه ولا تكفي الحروف أو السطور لكِ

سامحيني يا جدتي

لا أملك غير الدعاء لكِ.!

جدتي

فاطمة

تتدثر بالغيم

تجثو بأوجاعها

تحت أقدام سنبلةٍ

وتنوء بأحزانها

للشتاء

وتنتظر الصيفَ

والصيف

يحفظ أورادها الهائمة

جدتي

لم تكن جدتي

لم تكن لأبي

أمهُ

أو لأمي

ولكنها جدةٌ ثانية

لي ولجميع الذين يدبون

فوق سهول الدموعِ

وفوق دروب الشجنْ

حديث أناملها

ياسمينٌ

وضِحْكتها أغنياتٌ

يرددها جرحنا الشاسع المدّ

عند اصطدام زوارقنا بالمحنْ

صوتها فرحٌ وهديلٌ

سيشعرنا مرتينِ

بأن السماء ستهدي مواجعنا

عبر سرب الغيوم

مناديلُ خبزٍ طرى

وأقفاص تينٍ

جدتي فاطمة

لم تزل تتسكع

فى طرقات الفؤادِ

تمد مناديلها الخضرَ

تمسح دمعتنا الغائمة

جدتي فاطمة

فضاءٌ من الذكرياتِ

وحقلٌ من القمح

ما كان يتركنا أبداً

إنه سرنا الأبدي الجميل

وزهوتنا القادمة.!

وقد فاض الفؤاد.. وجاد بهذه الأبيات التي لم تستطع أن تصور الحدث ولا أن تُجلّيه لكنها مشاعرُ لم أُطق حبسها..

ما أعظمَ الخطبَ في نفسٍ طوى فيها...

حُزنٌ يُجددُ آلاماً ويُدنيها

ما أصعبَ الفقدَ إنّ الفقدَ يوجعها...

كيّاً ويؤلمُ أحياناً ويُدميها

لفقدِ صالحةٍ من أمتي غربتْ...

عن أرضنا وتوراتْ عن مُحبيها

إني تألمتُ والآلامُ موجعة

.. وما عزائي إلا في مراميها

في حُسنِ سمتٍ وطيبِ القلبِ أذكره...

في جُملةٍ من صفاتٍ طابَ راويها

قيامُ ليلٍ وصومٍ في الهواجرِ لا...

تَفتُرْ عن الطاعةِ العُظمى لباريها

لا تحمِلُ الغِلَّ في القلب على أحدٍ...

كلا ولا تُكثرُ الشكوى لأهليها

سلوا المصاحفَ عنها وهي جامدةٌ...

سلوا السجاجيد كما كانت تُرَوّيها

بأدمُعٍ سَحَّةٍ تنسابُ في دعةٍ...

ويسكُن القلبَ إيناسٌ بباريها

سلوا الأحبة - إن شئتم - فإنهمُ...

في الخلق أعدادهم ما عُدتُ أحصيها

وسائلوا الكعبةَ الغراءَ كم وطئتْ...

أقدامُها أرضَها سعياً بواديها؟

يا إخوتي في عزاكم لم أُطق صَلَفَاً...

فإنّ نفسيَ تهوى من يواسيها

سلامُ ربي عليها يومَ محياها...

وبعد مدفنها الله يوليها

وردة بسيطة سأدفنها فوق التلال لتبقى على مر الزمن قد تعجز الكلمات فهذه أبلغ من الكلام.. رحم الله أمواتنا.. وأطال الله في عمر أحبابكم.!

عبدالله بن عبدالمحسن الريس


abo_Sami1420@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد