Al Jazirah NewsPaper Friday  01/02/2008 G Issue 12909
الجمعة 24 محرم 1429   العدد  12909
الأسياد

المرأة هل هي تمثال نحيل أنيق يصمد إليه من أراد تصميم لوحة زيتية؟ هل المرأة (ثقافياً) مضاف؟ ثم لماذا تتشبث المرأة دائماً وأبداً بوصاية الرجل (الثقافية)؟ حتى في الشؤون الدعوية، الداعيات لما أسسن موقعاً إلكترونياً تحت مسمى (الداعيات) نصبن أحد الدعاة مشرفاً عاماً على الموقع، وبين يدي المقال شواهد على ذلك مع أن هذه القضية لا تحتاج إلى استشهاد، ولكن لما بلغ الأمر بالرجل قوله (إن المرأة ليست كاتبة وإنما أداة للكتابة) حسن بنا الاستشهاد على ذلك ولادة بنت المستكفي كان لها منتدى في الأندلس يصمد إليه أرباب الأدب وكان من بينهم ابن زيدون الذي عشق العينين ولم يعشق الأدب، عشق التمثال النحيل الأنيق ولم يعشق الفكر.

ولم يسلم من المنافسة فقد وشى به ابن عبدوس الوزير عند الخليفة وزج به في السجن.

كذلك صنع بحفيدتها مي زيادة، عندما أقامت صالوناً أدبياً صمد إليه أدب عصرها لا للفكر والأدب فحسب، بل للوجه النسائي الجديد الذي يخلب الألباب كما عبر طه حسين، وهذا هو السبب الوحيد لأكثر الزوار الكرام، ولنسمع ما قاله طه حسين في كتابه (الأيام) وصف اجتماعاً تحدثت فيه مي فقال: (لم يرضَ الفتى (يعني نفسه) من شيء مما سمع إلا صوتاً واحداً سمعه فاضطرب له اضطراباً شديداً، وأرق ليلته تلك، كان الصوت نحيلاً ضئيلاً، وكان عذباً رائقاً، وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ منه في خفة إلى القلب فيفعل به الأفاعيل ولم يفهم الفتى من حديث ذلك الصوت العذب شيئاً ولم يحاول أن يفهم الفتى من حديثه شيئاً، شغله الصوت عما كان يحمل من الحديث)، نعم طه حسين لا يريد الوقوف على أدب وفكر مي بل على صوت مي وهذا لأنه أعمى ولو كان مبصراً لأراد الوقوف على ما وقف عليه العقاد ولطفي السيد ومصطفى صادق الرافعي الذين نافسوا كما نافس ابن عبدوس ابن زيدون على ولادة.

نافسوه على مي التي تقول: (أسيادنا الرجال.. أقول (أسيادنا) مراعاة بل تحفظا من أن ينقل حديثنا إليهم فيظنون أن النساء يتآمرن عليهم، فكلمة (أسيادنا) تخمد نار غضبهم.. إني رأيتهم يطربون لتصريحنا بأنهم ظلمة مستبدون) مي تعرف تماماً ماذا كان يريده هؤلاء (الأسياد) عندما كانوا يرتادون صالونها، مي تنقلت بالهوى بين الفنانين والأدباء وويل للمرأة من الأدباء، استجابت لنداء جبران القادم من وراء المحيطات لأنه نداء للفكر لا للتمثال النحيل الأنيق، وقد أتقن جبران اللعبة فقد كان يراسلها ويغريها بالكتابة ويقول لها أنت كاتبة ولست (تمثالاً نحيلاً أنيقاً) ولكنه لم يصمد ومن ثم استجابت مي لنداء مستشفى الأمراض العصبية.

ورحل الفكر ورحل (التمثال النحيل الأنيق)..

مي تقول (مستبدون) لأنها تعرف ما قاله (الأسياد) في المرأة.

بودلير يقول: أيتها المرأة

يا مليكة الخطايا

أيتها العظمة الدنيئة

أيتها الخزي الرفيع

أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري في إحدى المقابلات الصحفية في مجلة (اليمامة) عندما سأل عن دور المرأة في الفلسفة قال: (أجل.. هان شأن الفلسفة حتى نلتمسها بين حيض وبيض، وشدة انفعال وغيظ) الجاحظ يروي في كتابه البيان والتبيين (أن امرأة سألت زوجها: مالك إذا خرجت لأصحابك تطلقت وتحدثت، وإذا كنت عندي تعقدت وأطرقت، فيجيبها قائلاً: لأني أجل عن دقيقك وتدقين عن جليلي) لم يبقَ للمرأة إلا صفة الجمال ولكن هيهات أن تفرح طويلا بهذه الصفة فهذا أحد الأسياد (شو بنهور) يقول: (المرأة ذميمة قبيحة فإذا تخيلناها حسناء فاتنة هي الغريزة التي تزيغ بصرنا، فتلهينا عن عيوبها كما يلهينا الجوع والظمأ عن عيوب الطعام الخبيث والشراب الكدر).

وهذا الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- يقول في التلفزيون السعودي كلاماً مفاده أن الرجل أجمل من المرأة فهو صبي وشاب وكهل جميل، أما المرأة فجمالها في فترة الصبا فقط ومصيرها إلى سن اليأس (وعدم الصلاحية) ثم يعقد بعض المقارنات بين إناث الحيوان وذكورها ويذكر أن ذكر الطاووس والحمام أجمل من إناثها، ولم يكتفِ بالجمال فقط، بل بمهارات المرأة الخاصة كالطهي وتصفيف الشعر وتصميم الملابس فهذه كلها يتقنها الرجل وأكبر الطهاة والمصففين والمصممين من الرجال).

ووصف الشيخ علي الطنطاوي أخف وطأة من وصف شو بنهور فقد حرمها شو بنهور من الجمال البتة، وهذه الأحطام بطبيعة الحال ليست أحكام كل الأسياد.. وها هو السيد نزار قباني عندما أوهم المرأة أنه سيعطيها شيئاً من الأبجدية أو الفطر تراجع وانسحب في ديوانه (تنويعات نزارية على مقام العشق) وهما بعنوان قصيدة (اللغة الأنثى) ثم قال:

لغتي أنت..

التي يقرأ فيها الناس عينيك..

إذا هم قرؤوها..

ويشمون بها رائحة الورد الدمشقي

إذا ما استنشقوها.

ويحطون على ثغرك أسراباً من النحل،

إذا هم سمعوها..

وفي قول ويحطون على ثغرك أسراباً من النحل

إذا هم سمعوها..

تغرير بالمرأة يضاف إلى العنوان..

فالمرأة لغة ولكن الناطق بها رجل، المرأة لغة ولكن هذه اللغة لا تعدو كونها محاصيل أنوثة وتجليات جسد.. ثم أيضا المرأة أرض صالحة لزراعة الكلمات، والزارع بدون شك هو الرجل.

ونزار كمن قال:

إن النساء رياحين خلقن لنا

فكلنا يشتهي شم الرياحين

ونزار كما قال جده عمر بن أبي ربيعة:

وألما بي بظبي شادن

لست أدري اليوم ماذا صنعا

المرأة أرض طيبة ووردة تشم وظبي وبقرة وحشية..

المرأة لا تصلح للقلم والورق بل هي (تمثال نحيل أنيق)

لذلك يقول المعري في لزومياته:

فحمل مغازل النسوان أولى

بهن من اليراع مقلمات

ويقول الفرزدق في امرأة قالت شعراً (مجمع الأمثال) إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها، وقال المزرد ابن ضرار واصفاً قوافيه بالتذكير:

مذكرة تلقى كثيراً وراقها

ضواح لها في كل أرض أزامل

وقال المتنبي محتقراً للمؤنث:

مدحت قوماً وإن عشنا نظمت لهم

قصائد من إناث الخيل والحصن

إذن المرأة لا تصلح للكتابة ولا للشعر وحتى القوافي المؤنثة لا تأتي إلا في ذيل القائمة..

أما بالنسبة للقصص والأحاجي والحكايات فقد تنازل الرجل وأعطاها جميع الحقوق، فقد حكت كثيراً في (ألف ليلة وليلة) وحكت في رواية (زبيبة والملك) المنسوبة لصدام حسين، وإن كان قد جاد عليها ببعض المشورة وإبداء الرأي وحق الكلام في مجلس الرجال عندما عقد لاختيار الحاكم، فالمرأة تحكي وتحكي وهي الجندي الأعزل إلا من اللسان، وقد جاء في المثل السويدي (سيف المرأة في فمها).

وعند الإنجليز (لسان المرأة آخر عضو يموت فيها) ومن ما أنشد السياب:

كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال

أفتذكرين؟

أفتذكرين؟

سعداء كنا قانعين

بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء

نعم قصص النساء، هو يبين قمع الرجل من أول القصيدة إلى آخرها ولكن انظر إلى ارتباط الأحجية بالمرأة في ذاكرة الشاعر..

وفي أبجديات الأجداد الذين يسكنون بيوت القش والطين ويشربون الماء من (القربة) ويضعون التمر في الجصة، (البنت مالها إلا الستر أو القبر).

وعند هذيل (البنت للجوز أو للقوز) والقوز يعني (القبر).

يخبرنا جدي أن أحد أعمامه لما افتتحت مدارس البنات ضاق بها ذرعاً وأخذ يحذر الناس من مغبتها ويلقي الخطب النارية في أفواه السكك والميادين العامة ويسميها (بالمفالس) بدل (المدارس) تعبيراً عن إفلاس البنت من أنوثتها عندما تحمل الأقلام والدفاتر وتخرج للمدرسة، فلم يجد آذانا صاغية، صدم للمرة الأولى لا يستجيب العامة لنداءاته عندما يأمرهم أو ينهاهم، خرج من بلدته الأفلاج متوجها إلى القصيم حيث الآذان الصاغية كما يظن، نعم جمعوا له أكياس القمح على هيئة منبر وألقى خطابه في السوق وأنصتوا له ودفعوا عنه (أخويا الشيوخ) رجال الأمن حاليا عندما تبادروه وهربوه إلى بلدته سالما، ولكن ما لبثت القصيم أن أخرجت لنا من رحمها المبارك الطبيبات والمعلمات والكاتبات، وتذكرني هذه الرحلة برحلة أبي خليل القباني وهذا قياس مع الفارق عندما خرج أو أخرج من الشام لما أقام المسرح وأتى بالفتيان وألبسهم لباس النساء ليقوموا بأدوارهن، ذهب إلى مصر حيث الانفتاح ليمارس مشاريعه فوجد الآذان الصاغية، أما سلفنا -رحمه الله رحمة واسعة- فعاد بنيته الطيبة وهو يضرب كفا على كف ويحوقل وليته يرى الآن المرأة المسلمة العاملة التي تعلمت وعلمت أبناءها.

تعلمت النساء في بلادي وكتبت خيرية السقاف أول مقال للكاتبة السعودية في جريدة الرياض عام 1385هـ في عمود زاويتي، وكان ذلك في العدد الأول للجريدة ومن ما قالت: وفي السير دائما رغبة.. وفي الطريق دائما عثرات.. وفي النهاية دائما هدف..) وهذا التعبير لا يحتاج إلى إيضاح ولا تعليق، والحقيقة أننا نقول أول مقال لأنه يحمل الدلالة التي نريد هنا وإلا فلخيرية ظهور سابق في بعض الصحف المحلية..

أما ثريا قابل فنشرت أول ديوان لشاعرة سعودية عام 1963هـ ونافح عنها محمد حسن عواد ووقف في وجه المعارضين بل فضلها على أحمد شوقي..

ظهرت الشاعرة السعودية مقنعة بالألقاب وتبرر ذلك قناديل النجدية بقولها: (الأسماء المستعارة تناسب المرأة لأنها معه تكتب بكل راحة وتلقائية دون الحساب لردة الفعل مما يعلمون باسمها الحقيقي).

ومن الألقاب أو الأقنعة فتاة الوشم - بنت أبوها - غريبة نجد - وقبلهم (تماضر) الخنساء.

وكل هذا لكي لا يغضب الأسياد، وذلك ما روته بدرية البشر في (هند والعسكر) شخصية هند تمثل المرأة المثقفة التي ابتليت بزوج عسكري وأخ عسكري كلهم ينكر عليها الكتابة في الصحف فلجأت إلى الاسم المستعار (القناع)، وفي اختيار مهنة العسكري للزوج والأخ دلالات لا تخفى فهم عسكر الفكر وحراس الثقافة لا يسمحون لغير الرجال بالولوج حتى ولو كانوا هم لا يحملون قلماً فهم يحملون سلاحاً يهدد المثقفة إذا فكرت في الولوج.

تركي بن رشود الشثري


turk1542@naseej.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد