Al Jazirah NewsPaper Friday  08/02/2008 G Issue 12916
الجمعة 02 صفر 1429   العدد  12916
العرس الثلاثون لجائزة الملك فيصل العالمية وخدمة الإسلام ملكية
عادل علي جودة - عضو الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب

وقفتان ونداء

عرس بهي شاهق، جرى الإعلان عنه مساء يوم الاثنين 28-12- 1428هـ الموافق 7-1-2008م، وتجري الاستعدادات لإحيائه مساء اليوم التاسع من مارس 2008م، وهو الثلاثون في مسيرة الحب والعطاء لواجهة حضارية سعودية عربية إسلامية عالمية أتمت عقدها الثالث من عمرها المديد إن شاء الله. إنها (جائزة الملك فيصل العالمية)، وهي أولى ثمرات (مؤسسة الملك فيصل الخيرية) التي أنشأها الأبناء الثمانية؛ أبناء ذاك الأشم الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

أجزم الوصف بأنه عرس بهي شاهق، رغم غياب المؤسس الأول لهذه المؤسسة، ورئيس مجلس أمنائها، ورئيس جمعيتها العامة، رجل الخير والبر والأدب والشعر، صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل، الذي وافته المنية يوم الثلاثاء 21 ربيع الآخر 1428هـ الموافق 8 مايو - أيار 2007م، رحمه الله، كيف لا يكون العرس بهياً شاهقاً، وهنالك عهد ووعد أجمع عليهما الأبناء الثمانية منذ التوقيع بالأحرف الأولى على إنشاء هذه المؤسسة التي عم نفعها البلاد والعباد في أرجاء المعمورة على اتساع قاراتها؟!

وعد يقضي ببذل الغالي والنفيس لتحقيق ما تمناه الفيصل العظيم لهذه الأرض ولشعبها الكريم وللأمتين العربية والإسلامية وللإنسانية جمعاء. وها هنا، ومع اكتمال العقد الثالث لهذا الإنجاز الناهض، سجل (خالد الفيصل) همسة، استشعرتها واستشعرها كل من سعد بحضور حفل الإعلان، همسة تتأمل الخطى الثابتة الواثقة التي خطتها المؤسسة، والإنجازات الشامخة السامقة التي حققتها، ثم يسجل رسالة تذكيرية إلى من يهمه الأمر، أن ما تم إنجازه إنما هو خطوة في إطار خطوات تفضي إلى ما تمناه الفيصل العظيم؛ إذ قال: (أتمنى أن تكون المملكة بعد عام 2000م مصدر إشعاع للإنسانية).

ذاك هو الوعد، أم العهد فصريح واضح، أن تبقى الرحلة ماضية، تجوب البراري، وتعبر البحار والمحيطات، وتسبح في عنان السماء، يزداد حملها ولا ينقص، ويفيض عطاؤها ولا يفتر، تروي الحرث في كل مكان، وتزرع الخير بكل الألوان، وتؤسس للتقدم والرقي والازدهار موضع قدم يرفع رأس الأمة ويعلي شأنها بين سائر الأمم.

وفي غمار المعركة معركة صنع النور للبشرية وإسعادها، تقفز روعة الوفاء، من أهل الوفاء وصناعه، لمحبي البذل والعطاء، لله در خالد الفيصل ما أروعه، وما أبهاه، وما أعطره، وهو ينعى علماً رائداً فقدته الأمة في عامها الماضي، ما أعظمه وهو بنبرة الحزن يذكر بصماته في لجنة اختيار (جائزة الملك فيصل العالمية للعلوم) منذ أن بدأت الجائزة وحتى آخر نفس في عمره؛ إنه الأستاذ الدكتور محمد عبدالرزاق قدورة؛ غفر الله له ورحمه وأسكنه فسيح جناته.

ولله در خالد الفيصل ما أدق بوحه، وهو يضيء الحفل بإجابة ارتجالية مبهرة، على تساؤل رائع للصحافي الحاضر دوماً، وابن إحدى أبرز الواجهات الإعلامية محلياً وإقليمياً وعربياً؛ (جريدة الجزيرة)؛ الأخ الأستاذ صالح الفالح؛ الذي سأل قائلا: (ماذا يعني فوز خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام؟)

حينئذٍ عم الصمت قاعة الحفل، واعتدل (خالد الفيصل) في جلسته، وجال بنظره وجوه الحاضرين، ثم اتجه ببصيرته داخل ذاته لاستحضار أمر ما! كيف لا يفعل هذا، وحديثه سيكون عن شخصية عظيمة! وخالد الفيصل في قرارة نفسه لم يكتف بما قاله، قبل السؤال بوقت قليل، وهو أن (جائزة الملك فيصل العالمية) تشرفت هذا العام باقتران (جائزة خدمة الإسلام) باسم هذا الرجل العظيم! ثم بسرعة البرق عاد، وقد اشرأبّت هامة العز التي تسكن فكره وروحه وقلبه، وتعمر انتماءه لأرضه وشعبه وأمته وتاريخه الإسلامي المجيد منذ أن بُعث أفضل الخلق أجمعين رسول الله محمد بن عبدالله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، بشيراً ونذيراً للعالمين، وراح يسطر إجابته الهادئة الشافية المتزنة الوافية؛ إذ لم تكن ب(يعني) واحد فقط، بل بسبعة (يعنيات)، فماذا قال كشاجم هذا العصر؛ المفكر المبدع، والسياسي المحنك، والإداري العتيق، والفنان المبتكر، والشاعر الملهم، والخطيب المفوه؛ صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة، مدير عام مؤسسة الملك فيصل الخيرية، رئيس هيئة جائزة الملك فيصل العالمية؟

قال: (يعني أن الإسلام، والمسلمين، والقيادات الإسلامية، هي مصدر خير، ومصدر عمل دؤوب، لإسعاد هذه البشرية)، وقال: (يعني أن التوجه الإسلامي، والفكر الإسلامي، والإنسان المسلم، عوامل فاعلة في هذا العالم، وهذا الفعل الذي يتميز به الإنسان المسلم هو فعل للبشرية جمعاء).

وقال: (يعني أن قيادة هذه المملكة، وشعب هذه المملكة، وسياسة هذه المملكة، وثقافة الإنسان والمجتمع في هذه المملكة، هي ثقافة حضارية، وفكر حضاري، وعمل خيري)،

وقال: (يعني أن الوجه الحقيقي الذي يدعو للاعتدال في الإسلام، هو الوجه الذي يمثل هذه البلاد، وسياسة هذه البلاد).

وقال: (يعني أن الفكر السعودي، والثقافة السعودية، والسياسة السعودية، هي السياسة، والثقافة، والفكر الإسلامي الحقيقي الذي يدعو إلى الخير، ويدعو إلى السماحة وإلى التعاون الإنساني بين بني البشر).

وقال: (يعني أن كل من تطفل وادعى على القيادة الإسلامية بغير حق، واختطف الإسلام بغير حق، واختطف الحديث عن الإسلام بغير حق، إنما هو من الخوارج الذين لا يمتون للإسلام بصلة، وإنما هي حركات سياسية سلطوية لا تدعو أبداً لإسعاد البشرية، وإنما لهدم الحضارة البشرية).

ثم ختم قائلاً: (فوز خادم الحرمين الشريفين يدعو للاعتزاز، ويدعو للفخر، لكل إنسان في هذه البلاد، ويعني أنه على طريق الخير يمضي مع القيادة لتنال هذه البلاد المكانة الرفيعة المتألقة التي تستحقها).

لا فض فوك يا خالد الفيصل، لقد أوجزت بالأقل الأدل من خير الكلام!

الواقع أنني حاولت جهدي لألبي رغبتي في تدوين وقفتيّ وندائي وفقاً لتسلسل وقائع الحفل، إلا أن هذه (اليعنيات) ألهبت فكري وأحكمت السيطرة على كياني، فقلت لأبثها أولاً، ثم أعود إلى الوقفتين والنداء.

وهنا أعود إلى إعلان أسماء الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية لعام 1428هـ - 2008م، كما جاء على لسان سعادة الأستاذ الدكتور عبدالله الصالح العثيمين الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية، وكي لا أطيل عليك قارئي الكريم، سأتوقف فقط إزاء نص البند أولاً من إعلان أسماء الفائزين بالجائزة، وهو المتصل بفرع (خدمة الإسلام)، فقال حفظه الله: أولاً: قررت لجنة الاختيار لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام منح الجائزة، هذا العام (1428هـ - 2008م)، لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية؛ تقديراً لإنجازاته الجليلة، التي تمثلت - داخل المملكة - في تحقيق العديد من المشروعات الرائدة العظيمة؛ اقتصادياً، واجتماعياً، وفكرياً، وتعليمياً، وعمرانياً؛ وهي مشروعات تصب في مصلحة المواطنين بعامة، وذوي الدخل المحدود بخاصة. ومما شملته تلك المنجزات، في المجال الاقتصادي؛ (إنشاء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية)، و(مركز الملك عبدالله المالي)، و(صندوق الاستثمار لذوي الدخل المحدود)، وفي المجال الفكري والاجتماعي: (إنشاء هيئة حقوق الإنسان)، و(مركز الحوار الوطني)، وفي المجال التعليمي: (إنشاء الجامعات، ومن أبرزها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية)، التي يتوقع أن تكون لها مكانة عالمية رفيعة، وفي المجال العمراني: (ما أنجز في الحرمين والمشاعر المقدسة)، و(إنشاء مساكن لذوي الدخل المحدود من خلال مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لوالديه للإسكان التنموي).

أما على الصعيد الخارجي فقد تمثلت إنجازات خادم الحرمين الشريفين في (الوقوف بحزم مع الحق بالنسبة لقضايا الأمة العربية والعالم الإسلامي، وخاصة قضية فلسطين)، و(بذل كل ما يستطاع لإصلاح ذات البين بين الأشقاء من العرب والمسلمين)، و(مد يد العون السخية للمحتاجين من المسلمين وغيرهم)، و(العمل على تحقيق السلام العادل)، و(دعوته علماء المسلمين في مختلف فروع المعرفة لاجتماع في مكة وضعوا فيه خطة لنهضة المسلمين وتبناها قادة العالم الإسلامي)، و(وقوفه ضد الإرهاب أيا كان القائمون به)، و(مناداته بأهمية الحوار بين الأديان والحضارات لتعزيز التسامح والأمن بين شعوب العالم).

نعم، هكذا كان الأمر؛ عظيمة جليلة وعظيم جليل يتعانقان (جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام)، ورجل ذو إنجازات خيرة معطاءة سجل التاريخ، كما العقول والقلوب، إنها مذهلة في دقتها وشموليتها على كافة المستويات؛ المحلية والإقليمية والعربية والإسلامية والعالمية؛ هو (خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز).

أما الوقفتان فهانئتان مبتهجتان؛ أولاهما تخصني وحدي (وربما دون الكثير غيري)، فمما زاد من سعادتي وغبطتي وهنائي تقاطع وتزامن وتوافق اكتمال العقد الثالث لجائزة الملك فيصل العالمية، مع اكتمال العقد الثالث من وجودي وأسرتي أعزاء مكرمين على أراضي المملكة العربية السعودية، وبين أهليها الذين شملونا بحبهم وإخائهم ومشاركتهم الوجدانية الصادقة لنا في آلامنا وآهاتنا تجاه أهلينا في فلسطين المحتلة جراء ما يتعرضون له من ظلم وقهر على مدى ستة عقود من الزمن على يد العصابات الصهيونية المجرمة الحاقدة.

والوقفة الثانية أيضاً تخصني، ولكنها تشمل بلادي العزيزة فلسطين وشعبها وأرضها! نعم، أن يدخل ضمن مبررات فوز خادم الحرمين الشريفين بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، جل إنجازاته - يحفظه الله - على الصعيد الخارجي، إنما يزيد من اعتزازنا ونشوتنا نحن أبناء الشعب الفلسطيني؛ لأن ما ذكر يصب في قلب الحقيقة، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير أبداً، بل إن الكثير من الإنجاز السعودي اخترق الصعاب الجسام متحدياً قوى الشر كلها ليعود بالخير والصلاح على بلادنا الحبيبة وشعبنا المرابط الصابر هناك، فها أنذا لم أزل أسمع نداء خادم الحرمين الشريفين لقادتنا وهو يطالبهم بإيقاف نزيف الدم، ويدعوهم جميعاً إلى لقاء الحب في رحاب بيت الله الحرام، لبحث ما اختلفوا فيه بحيادية، ودون تحيز لأي طرف، ودون تدخل من أحد، وصولاً إلى حل يرضي الله - سبحانه وتعالى - ويحقق للشعب الفلسطيني آماله وتطلعاته.

وها هو شريط الذكريات يرسم أمام ناظري وفي وجداني أحداث ذلك اليوم العظيم؛ اليوم الثامن عشر من شهر المحرم لعام 1428هـ الموافق للسادس من فبراير - شباط لعام 2007م، إنه يوم صاحب القلب النابض والمعتقد الصافي والراية البيضاء قائد الأمة عظيم الهمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز؛ حيث تمكن - رعاه الله - من جمع القادة الفلسطينيين في مكة المكرمة، وبنبرة صوته الودودة الحلوة الزكية قال لهم: (لن تخرجوا من هنا حتى تتفقوا)، وبالفعل، ولله درك أبا متعب، خرج القادة الإخوة من أطهر بقاع الأرض وهم على وفاق!

ولكن هيهات أن يسلم وفاقهم ويستمر؛ فقوى الشر الآدمية القريبة والبعيدة موجودة، لا ينام لها جفن ولا يهدأ لها بال؛ فهي تدبر وتخطط ليل نهار، فضاق الخناق، وضاع الوفاق، والتفت الساق بالساق، وحدث الذي حدث في قطاع غزة الحبيب لتستمر المعاناة ويزداد التشتت والفراق.

وهنا يأتي النداء يا خادم الحرمين الشريفين؛ فاتفاق مكة المكرمة باق، والنوايا الفلسطينية الحسنة أيضاً باقية! وأنت ببهاء فكرك ونقاء قلبك باق، والشعب الفلسطيني الذي يمر الآن بأسوأ الظروف يناديك: (ننشدك الله أبا متعب أن تواصل مساعيك ونداءاتك لرجالات فلسطين ليعودوا إلى ما اتفقوا عليه، وأن تقف معهم حتى تعود اللحمة إلى الشعب الواحد والدم الواحد والأرض الواحدة)!

ومع هذا النداء نرفع أكف الضراعة إلى الله السميع العليم أن يتزامن عرس تقليد جائزة الملك فيصل العالمية للفائزين بها، مع عرس فلسطيني - سعودي شامل تمتد أفراحه من فلسطيننا الغالية إلى مملكتنا الحبيبة نبتهج فيه بتحقيق الوفاق والوحدة والتكاتف والألفة بين كافة القيادات الفلسطينية؛ ليمضوا، بحول الله، جنباً إلى جنب، ويداً بيد، نحو تحرير الأرض، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشريف، وبالسيادة الكاملة على حدودها وأجوائها ومائها، وبالحقوق الفلسطينية غير المنقوصة؛ وفي مقدمتها حق العودة للاجئين المشتتين في أصقاع الدنيا، للعيش بحرية وكرامة على تراب أرضهم الفلسطينية.

يا أبا متعب..

هذا النداء نقرنه بتمنياتنا لك بموفور الصحة والعافية، ولمملكتك وشعبك بالمزيد من الرفعة والتقدم والازدهار.



aaajoudeh@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد