نزعتها كما نزعت أخواتها السالفات من قبل، لم أكترث لنزع ما قبلها من الأوراق، لكن هذه الورقة الأخيرة استوقفت يدي قبل نزعها، فوقفت معها مشاعري التي تداعت عليها الذكريات من كل حدبٍ وصوبٍ، لترحل بي عن عالمي الحاضر إلى عالم الماضي، فأنبش بذهني ما خبأته تلك الأيام في أوراقها، وأنشر ما طوته في أعماقها. |
تلك الأوراق المعدودات التي نطويها بطي الأيام، كلما أشرقت شمس يوم جديد، أشرقت ورقة منها وغربت أخرى. |
تتساقط تلك الأوراق ورقة تلو الأخرى، حتى تصبح تلك الدوحة ذات الثلاثمائة والستين ورقة دوحة جرداء، قد أوهى سيقانها وأذبل أغصانها توهج الشمس، التي ترسل أشعتها كل يوم، لتصطاد ورقة من أوراق تلك الدوحة وتحرقها. |
تذبل دوحة، وتورق أخرى، ونحن لا نتأثر ولا نبتهج، ولا نتخذ من تبدل حاليهما عظة وعبرة لنا في الدنيا، بل ننشغل عن تلك بقطف أوراقها، ليزيد رصيد حياتنا، ونتناسى أن قطف هذه الأوراق سيقطف حياتنا كذلك. |
لقد نزعت الورقة الأخيرة من الدوحة البالية، ولا مناص لها مني، بعدئذٍ صعقني سؤال داخلي: عندما يحين أجلي كما حان أجل هذه الورقة، هل ستنزع روحي من جسدي كما ينزع السفود من الصوف المبلول أم أنها ستسيل كما تسيل القطرة من في السقاء؟ - أعوذ بالله من الأولى، وأسأل الله الثانية -. |
|
كتب الله على الدنيا الزوالا |
هكذا الأيام فيها تتوالى |
كلما حط بنا عام رحالاً |
شد للبين وللظعن رحالا |
رحلة الأيام للناس عظات |
أين من أحيت له الأيام بالا؟ |
أيها المغرور بالدنيا رويداً |
لا أراها يا أخي إلا ظلالا |
كلما سُرَّ بها في الناس قوم |
دارت الدنيا فأسقتهم وبالا |
|