Al Jazirah NewsPaper Friday  08/02/2008 G Issue 12916
الجمعة 02 صفر 1429   العدد  12916
(امرؤ القيس وطرفة بن العبد.. كيف هما؟)

لعل سؤالي لا يكون غريباً على فضيلتكم من حيث إنه ذو صلة بالشعر والشعراء.. لكن ما جرأني هو رحابة صدركم وقرضكم للشعر وأظنني لا أبعد عن علمكم بسياسة القضاء وتخصصكم الدقيق فيه بجانب الدراية في النفس الإنسانية.

إن سؤالي بحكم المودة أيهما ترون شعراً: امرؤ القيس.. أم طرفة بن العبد؟

وهل يتشابهان في حالة واحدة؟

د. مصطفى زيدان حامد طنطاوي.. القاهرة..

ج- لست على ذاك وقفت ولعلك استسمنت ذا ورم فأنت قد وقفت على مطلع فقط في جعبته ما عساه يؤخذ عليه وما هذا إلا لاستماحة العذر منك ومن القراء الكرام عند زلة ما أو خطأ ما أو اجتهاد لم أصب فيه لكن ذكر شيء خير من تركه على كل حال.

امرؤ القيس شاعر جيد ذو قدرات موهوبة في توظيف المفردات لتؤدي المعنى بصورة حية مرسومة رسماً كأنك ترى ما يريد ذكره بمشاهد شعرية مترابطة، وكأنك تلمس حقيقة ما يريد تقريبه إليك فقد وصف: الديار والأوابد والخيل والشوق والجبال والمواضع.. وصف ذلك تقول إنه باحث ميداني قادر من طراز ممتاز لولا أنه سفُل في بعض مشاهده الشعرية سفالاً يتجاوزه العاقل الفطن لدناءة ما ذكره سواء في المعلقة أو في سواها.. وحسب فهمي فإنه أجود من وصف بعد لبيد وحسان.

أما نفسيته الشخصية فهو ذو ميل قوي نحو اللهو فإن قلت: فيه سذاجة صدقت وإن قلت فيه طيبة قلب صدقت وإن قلت فيه نجاسة وعدم مبالاة صدقت كذلك إلا أنه يدرك أكثر من غيره أنه أراد أشياء لم يكن بمقدوره أن ينالها لضعفه تكويناً، وفيه غفلة بادية في شعره وسفرياته ولهذا تمَّ استغلاله فوقع في الفخ ثم مات بعد ذلك، فهو ليس عظيماً كما أنه ليس قديراً أعني نفسيته.. لا شعره.. ولما كان طموحاً نحو المجد كان يتنازل كثيراً عن أشياء آمن بها ليصل إلى ما يريد ففاتته كلها لأنه عمي عن الحقيقة أصلاً وظن المجد الذي يسعى سوف يناله فأدرك من استغله ذلك فيه فرفعه ثم رفعه ثم رفعه وحين قضيت الحاجة منه قتله.

فهو: رجل يشعرك حين اللقاء به بالبراءة لكنه يحمل طموحاً لا حد له، وقد يسطو بك حين تدرك خفاياه، إذاً هو: رجل لكنه ضعيف فرفعه طمعه كثيراً ليوقعه طمعه كذلك في الأتون، نال الشهرة ونال الإعجاب ونال القرامة بين الشعراء لكنه خفي عليه جداً انكشاف حقيقته بعد موته لظنه أن الناس لا يعون فإذا هم كأنهم يعيشون معه بسرياته كلها ومن هذا الباب ففيه غباء وحذر وعدم مبالاة.

أما طرفة بن العبد البكري فحسب تذوقي للشعر وقرضي له فإنه ذو وصف جزل قوي شديد الترابط النسقي تطرب له وترتاح إليه وقد تردده خصوصاً في: الأمثال.. والحِكم وأنت تقرأ معلقته بطول نفس وشدة تأنٍ وخلو بالٍ من المشاغل فإنك أمام شاعر ألمعي ذرب واضح شجاع ففي شعره الوصف وجزالة المفردة، وتوظيفها توظيفاً حسناً وقوة في طرح الحكمة والتجربة فكأنه هنا قد تجاوز الستين وهو لم يزل أو لعله لم يزل في الثالثة والعشرين.

إن قلت شاعراً فذاً فكذلك.

وإن قلت شاعراً فحلاً.

وإن قلت شاعراً في شعره دقة: صدقت..

أما حالته النفسية فهو حسب نظري كمن يحمل الحكمة، ويأتي بها قولاً لكنه حين يريدها عملاً تخونه إدراكاته للأمور إذاً فهو: شاب طموح رفيع النفس قوي الإرادة لكنه لا يتحكم بها حسب منزلتها ووزنها بميزان صحيح ولذهب به شعره كصاحبه فقتله وكم من شاعر ضاع أو مات أو سفُل وخسر فقط بسبب شعر أو بيت قاله حينما عمي عن ضربات الأحرار ودورة السنين وحينما استغله غيره ليبقى طريداً بين العالمين أبد الآباد.. إذاً هما متساويان ومختلفان.. فالتساوي هما من القمم الكبار.. شعراً ووصفاً وموهبة.. ومختلفان ففي امرئ القيس طول نفس مع جمال الإيراد وكمال الوصف اللفظي.. وطرفة فيه نزوع نحو: الحكمة وضرب المثل وقوة الإيراد.

وكم يطيب لي نظر: (عيون الأخبار) و(الشعر والشعراء) لابن قُتيبة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد