الكتاب: How to Talk About Books You Havenصt Read
المؤلف: Pierre Bayard
الناشر: Blackstone Audio، Inc
ما يثير الدهشة في هذا الكتاب الذي صدر عن دار بلاكستون للنشر بعنوان: كيف تتحدث عن الكتب التي لم تقرأها، بمجرد البدء في تصفحه، هو النصيحة التي يقدمها مؤلفه بيير بايارد لقارئه، وهي النصيحة التي تخالف الاعتقاد السائد بأن القراءة من الممارسات المفيدة التي ينبغي أن نحرص عليها وندرب النشء على التعود عليها، وأن العلم إنما يؤخذ من مصادره بالقراءة، وأن العقل يصدأ بعدم القراءة، وغير ذلك من الحقائق التي رسخت في أذهاننا من نعومة أظفارنا. فمؤلف هذا الكتاب يعتقد عكس ذلك، ولو أنه احتفظ باعتقاده هذا لنفسه لهان الأمر، ولكنه لم يكتف بذلك، بل كابد عناء تأليف هذا الكتاب ليقول لنا إن القراءة الكثيرة ليست في صالحك أيها القارئ العزيز. ومرد الدهشة التي تنتاب متلقي هذه النصيحة هو أنها تأتي من عالم كبير ومحلل نفسي يحمل درجة الأستاذية في الأدب الفرنسي ويعمل في أرقى جامعاتها أي جامعة السوربون. فالنصيحة إذن من رجل غارق في بحر القراءة حتى أذنيه، وعالم عركه الاطلاع حتى وصل به إلى هذا المنصب الكبير الذي يتبوؤه. فما الذي حدا به إذن ليقول على الملأ أيها الناس لا تفرطوا في القراءة؟ ما الذي جعله يقول: إن هناك أيضا فوائد لا تنكر في عدم القراءة؟ وما هي هذه الفوائد؟ وهل نعمل بنصيحته بالفعل وننصرف عن القراءة، بما في ذلك قراءة كتابه هذا؟ دعنا في البدء نؤكد أن الرجل لا يقول ما يقوله على محمل السخرية أو الهزل، بل هو صادق فيما يراه، ومبحثه هذا مليء بالأسانيد المأخوذة عن كبار العلماء والأدباء، والإحالات إلى المصادر المهمة في الأدب الفرنسي وغيره، وهاهو يثير فضولنا في مقدمة الكتاب بقوله (نحن نعيش في مجتمع يعطي القراءة نوعا من القداسة رغم ما يعانيه من تدهور). ومن أجل كسر هذه الذهنية يقول المؤلف: إنه (سوف يصر على التنبيه إلى مخاطر القراءة في هذا الكتاب، ليس بالنسبة لأولئك الذين يودون التحدث عما قرأوه، ولكن لكل من يريد الاطلاع على الكتب)، وهي المخاطر التي يرى أن الناس لا يقدرونها حق قدرها.
ويخامر قارئ هذه السطور شعور بأن بايارد فرنسي في النهاية، ولذلك فلا غرابة إذا ما لجأ هكذا إلى السخرية، أو أنه، وهو الأديب المطلع بحكم تخصصه على رواية يوليوس قيصر لشكسبير، يسير على نهج الماكر مارك أنتوني الذي يعلن في الرواية: (لقد حضرت لدفن يوليوس قيصر وليس من أجل تمجيده)، غير أنه يفعل عكس ما قال.
كل هذا ليس بصحيح فالمؤلف جاد فيما يقول، وإن كان قد قرأ يوليوس قيصر فإن ذلك بالتأكيد ليس مدعاة فخر بالنسبة له. فها هو يصر على أن الإفراط في القراءة، والتعامل معها بالتقديس والاحترام، ليست مسألة محمودة على كل حال، ولا هي ضرورية، ويورد العديد من الاقتباسات المهمة دعما لنظريته هذه. ومن أهم الأسباب التي يسوقها تأييدا لرأيه أن كميات الكتب التي ينبغي قراءتها لا حصر لها، وأن القراء الجادين (يفقدون الغابة مقابل الحصول على بعض الأشجار)، كما يورد المؤلف نقلا عن الروائي الأسترالي روبرت موسيل. ومن الاقتباسات المهمة أيضا قول المؤلف نقلا عن الشاعر الفرنسي بول فاليري إنه (لا يوجد سبب يمنعك من التحدث عن كتاب قلبته على جناح السرعة)، كما ينقل عن الأديب الفرنسي مونتين قوله (حتى لو أنك قرأت كتابا فإنك ستكون ناسيا معظم ما ورد فيه بمجرد انتهائك منه).
ولا يكتفي المؤلف بمثل هذه الاقتباسات عن كبار الكتاب، بل يقدم أفكاره الخاصة فيما يتعلق بالموضوع، مثل قوله (هناك نصيحة واحدة أستطيع أن أتوجه بها لأولئك الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى التحدث إلى مؤلف عن كتاب له لم يقرأوه: (تناول الكتاب بالثناء دون أن تخوض في التفاصيل).
ولكن أهم ما يمكن أن يقنع القارئ بنظرية المؤلف هو ما يورده في خاتمة الكتاب بقوله: (إن كل ما أرمي إليه هو الحث على الإبداع)، مؤكدا أن (المنغمسين في قراءة مؤلفات الغير لن يكتبوا مؤلفاتهم الخاصة بهم على الإطلاق، بل لن يكون في إمكانهم التفاعل الأصيل مع أعمال غيرهم. والإشكالية في مسألة القراءة في نظر المؤلف هي أن الطريق إلى فهم ذواتنا يمر في كثير من الأحيان عبر ما نقرأه، شريطة أن تبقى الأشياء التي نقرؤها مجرد وسائل وليست أهدافا في حد ذاتها. وهو يعني بذلك أن الكتب التي تمثل مسالك إلى فهم ذواتنا هي الكتب التي يبحث عنها القارئ الفطن، أي القارئ الذي يدرك أن أي كتاب إنما يحمل جزءا من ذاته، وبإمكانه الوصول إلى هذا الجزء عبر قراءته، ولكن ذلك لن يتحقق إلا إذا امتلك الحكمة التي تمنعه من إنهاء رحلة بحثه عن الذات عند هذا الحد. وعلى القارئ ألا يستغرب أن يصدر مثل هذا الحديث الموغل في التحليل النفسي من كاتب متخصص في هذا المجال، ولكن الذي يدعو إلى الاستغراب حقا أن مثل هذا الحديث الشيق عن العلاقة بين القراءة والبحث عن الذات لا يمكن أن يصدر إلا عن شخص محب للقراءة. فهل نفهم من ذلك أن حب القراءة قد امتلك وجدان كاتبنا حتى أصبح عاجزا عن الفكاك من أسره، ما جعله يوصي غيره بالابتعاد عنه حتى لا يصل إلى ما وصل إليه من إدمان؟ ربما يكون الأمر كذلك، وقد لا يكون، وكل ما نستطيع أن نقوله هنا هو أن هذا الكتاب جدير بالاطلاع، سواء اتفقت مع مؤلفه أم اختلفت معه لما يثيره من شجون وما يحمله بين دفتيه من آراء صادمة لما ظللنا نؤمن به، ونعتقد أنه من الحقائق غير القابلة للنقاش.