الكتاب:Three Victories and a Defeat
المؤلف: by Brendan Simms
الناشر: Penjuin / Allen Lane
يغطي هذا الكتاب، الذي صدر عن دار بنجوين بعنوان ثلاثة انتصارات وهزيمة، لمؤلفه بريندان سيمس، حقبة مهمة من تاريخ الإمبراطورية البريطانية شهدت توسعا كبيرا للإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. فقد واكبت هذه الفترة، التي امتدت بين عامي 1714 و1783، مرحلة الثورة الصناعية وسيطرة بريطانيا على المواد الخام من المستعمرات وإعادة إنتاجها وتصديرها إلى العالم، ما أضاف إلى رصيدها قوة هائلة استخدمتها في توسيع رقعة إمبراطوريتها بضم مناطق شاسعة في كل من أمريكا الشمالية وآسيا.
ويقول مؤلف الكتاب إن هذا التوسع الإمبراطوري البريطاني لم يتحقق بسبب القوة الهائلة للأسطول البحري البريطاني وحسب، بل ساهم فيه أيضا عدد من العوامل السياسية، من بينها السيطرة على أراضي هانوفر، التي ضمها الملك جورج الأول إلى العرش البريطاني بعد اعتلائه العرش في عام 1714. وكان جورج الأول ألماني المولد وأميرا على هانوفر، ولذلك عمل على تقوية تحالفات بريطانيا مع القارة الأوروبية، ومع الملك فريدريك الأكبر، ملك بروسيا (ألمانيا حاليا)، بصفة خاصة. وبفضل هذه التحالفات تمكنت بريطانيا من تحقيق توسع جغرافي كبير، وأصبحت لديها مملكتان، الأولى متناثرة في جميع أنحاء العالم، والثانية متصلة اتصالا مباشرا بألمانيا.
ويقول المؤلف أن تلك المستعمرات تقلصت بسبب العديد من الهزائم التي منيت بها الإمبراطورية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، ووصلت إلى ذروتها مع اندلاع الثورة الأمريكية في عام 1776. ويتناول المؤلف الأسباب السياسية والعسكرية التي أدت إلى ذلك التدهور، مشيرا إلى أن السبب الرئيس لفقدان بريطانيا لتلك الإمبراطورية الكبيرة كان سياسيا في المقام الأول. فقد فشلت بريطانيا في المحافظة على تحالفاتها الأوروبية، رغم أنها كانت تمثل آنذاك القوة العظمى الوحيدة في العالم، حيث تحقق لها ذلك عن طريق عدد من الحملات العسكرية الخاطفة نتيجة تفوق أسطولها الضخم.
ويصف المؤلف كيفية دخول أمير هانوفر جورج لودفيج - الذي أصبح اسمه فيما بعد جورج الأول - إلى الأراضي البريطانية في سبتمبر من عام 1714، ليعتلي عرش البلاد. فقد ارتبط وصوله إلى مدينة جرينيتش البريطانية بواقعة طريفة، إذ تزامن وصوله مع وصول أمير ويلز، ولأن حاشية الأخير كانت كبيرة مقارنة بحاشية الملك، فقد ظنه الجمهور المترقب مليكهم الجديد، وتوجهوا بتحيتهم إليه في المقابل تاركين الملك جورج.
ويسلط الكتاب الضوء على تلك الحقبة من التاريخ البريطاني بأحداثها المتداخلة، متناولا بصفة خاصة موضوع اعتلاء ذوي الأصول الهانوفرية على العرش البريطاني، والكيفية التي وصلوا بها إلى السلطة، واستغلالهم لما حصلوا عليه من نفوذ في تشكيل الحياة السياسية والثقافية في أوروبا، مؤكدا أن أصداء ذلك ما تزال تتردد في القارة العجوز حتى اليوم. ويتناول الكتاب بشيء من التركيز العلاقات الدبلوماسية في تلك الفترة، والمناظرات السياسية التي دارت رحاها في البرلمان البريطاني، ليعطي القارئ صورة دقيقة عن الكيفية التي كانت تدار بها الحياة السياسية في ظل العرش البريطاني في تلك الحقبة. ولا يغفل المؤلف الإشارة إلى أحد أهم العوامل التي تتحكم في صعود وهبوط الإمبراطوريات، وهو توازن القوى، وكيف أن المستعمرات البريطانية الشرقية في الهند كانت بمثابة تأسيس للاستعمار البريطاني في تلك المنطقة. ورغم ذلك لا يشير المؤلف إلى الفتوحات العسكرية والبحرية بشيء من التفصيل، بل يركز على انعكاسات ذلك في الداخل، مثل الأثر الكبير لأنشطة البحرية البريطانية على التفكير الشعبي والسياسي، ما أدى إلى تقوية نفوذ بعض أدميرالات البحر مثل أنسون وفيرنون.
ومن الحقائق التي يوردها الكتاب أن الملك جورج الثاني كان آخر ملك يقود جيشه شخصيا في أرض المعارك، ولكنه كان يرتدي الوشاح الأصفر الذي يمثل ألوان علم هانوفر أكثر من كونه رمزا لألوان العلم البريطاني، مما أحدث صدمة شعبية كبيرة آنذاك. ويحكي المؤلف واقعة الهجوم الحربي على مرتفعات أبراهام والنهاية المأساوية للجنرال جيمس وولف، الذي حقق انتصارا على الفرنسيين في معارك كندا، ونجح في تثبيت دعائم الحكم البريطاني هناك، ما أدى إلى تدهور النفوذ الفرنسي في كويبك.
ومن الشخصيات التي يعتبرها المؤلف من أبطال تلك الملحمة التاريخية الأخوان ويلبوز ودوق نيوكاسل وإيرل بيتي والبارون كاترييه واللورد نورث، بالإضافة إلى آخرين من أمثال أولئك الذين كونوا دعائم الحكم البريطاني في المستعمرات، أو قادوا الهجمات المضادة هناك. كذلك يورد المؤلف مقتطفات عن ويليام بيت وعلاقته بالأمريكي بنيامين فرانكلين، الذي كان أكثر ولاء للملك جورج الثالث من الكثير من الإنجليز.
ويتتبع المؤلف صعود الإمبراطورية البريطانية، التي وصلت إلى ذروة سطوتها أثناء حرب السنوات السبع بين فرنسا وبروسيا، وما تلاها من انحدار للإمبراطورية التي ذاقت مهانة الاستلام في يوركتاون، مستعينا في التأريخ لتلك الحقبة بعدد كبير من المراجع والسجلات، ومستشهدا بمؤرخي ذلك العصر من أمثال إسرائيل موديت، الذي قال أثناء حرب السنوات السبع أن حروب بريطانيا يجب خوضها في البحر وليس على البر، وإن ألمانيا الموحدة هي الترياق الناجع الوحيد ضد الطموحات التوسعية الفرنسية، وإنه ينبغي على بريطانيا أن تتجنب تقوية طرف على آخر، وإن التدخل في الصراعات الإقليمية قد يكون مكلفا لبريطانيا أكثر من فرنسا.
وقد وجدت بريطانيا نفسها أمام عدد من الخيارات السياسية والدبلوماسية المهمة في تلك الحقبة. ويقول المؤلف أن الصراعات الداخلية في بريطانيا، والمناقشات السياسية التي كانت تدور في البرلمان، كان لها الأثر الكبير في تحديد أولويات بريطانيا واختيارها لحلفائها في ذلك الصراع القاري على النفوذ. وكان هذا الصراع، حسبما يقول المؤلف، بمثابة النسخة التاريخية للقرن الثامن عشر للصراعات الحالية التي تدور في أوروبا بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأي الأطراف يجب تقويتها على حساب الآخر. ويعد هذا الكتاب فريدا من نوعه لمن يريد أن يستطلع دور التحالفات السياسية في صعود وهبوط الإمبراطوريات.