Al Jazirah NewsPaper Friday  15/02/2008 G Issue 12923
الجمعة 08 صفر 1429   العدد  12923

قصة قصيرة
المراهق

 

عمار شاب نشأ وترعرع في حضن الأوهام يبلغ الثامنة عشرة من عمره ويسكن مع والده الكبير في السن ووالدته العجوز في بيت متواضع أسس على اللاغنى وتحيط به التعاسة من جميع الجهات أحب ابنة جارهم تلك الفتاة السمراء. ونتيجة لرد فعل هذه الفتاة الطيبة راح يزرع معها بذور الحب في ممرات القرية الترابية الضيقة.

أسمعها همسات حب ووفاء وعاش معها أحلام الشباب وشيد أكثر من قصر على الرمال الصفراء حول قريته ويأتي يوم ليسرح مع خياله يفكر فيما لو أنكرته هذه الفتاة وأحبت غيره إنه حتماً سيرحل عن هذا الوجود كما يدعي إلى غير رجعة وفعلاً حصل ما كان يتوقعه غابت هذه السمراء عن عينيه واختفت من حياته وفقد الأمل في رؤيتها إلى الأبد. رغم ذلك لم يقتل نفسه ولم يرحل من هذا الوجود بل ذهب بعيداً وبدأ يفتش عن حب جديد ومرة ثانية طرق الحب باب قلبه وعصف به عندما تعرف على فتاة أخرى زاعماً أنها هي التي ستجسد أحلامه وستحي طموحه وأخذت تعبث بعواطفه من جديد وهذه المرة ذهب يزرع أحلامه وأوهامه معاً في ممرات القرى المجاورة لقريتهم واستمر واهماً يعيش أعنف وأقوى قصة حب ما تزال آثارها مدمية فؤاده العليل، كان يعتقد في قرارة نفسه أنه لا يوجد في العالم إنسانة غير حبيبته تلك التي ضحى بكل شيء من أجلها لينقذ كرامته المهدرة من فتاته الأولى وكالعادة غابت هذه الفتاة عنه ليعيش كل يوم قصة حب وملحمة ضياع وفصل مراهقة جديد وبعد مدة التقى بالحبيبة الثالثة لتعيد الدفء إلى قلبه فيعود إلى واقعه الذي كان يعيشه وتسير قصة حبهما الثالث فترة ليست طويلة ليصدم حبه يوماً بصخرة التقاليد فرجع إلى نفسه خائفاً مهزوزاً وتصور أنه قد مات بعد كل ما حدث وأن الحب لم ولن يعرف قلبه بعد الآن ولكنه أحس بحاجة إلى حب جديد وإلى إنسانة وفيه تعيش وتكافح من أجل إسعاده.

وفعلاً التقى بها للمرة الرابعة كان كل ما فيها يوحي بأنها هي غايته وأنها هي حقيقته المفقودة.. الحقيقة التي لم يعثر عليها حتى الآن الفيلسوف ديوجين في أزقة روما. ولكن حبه لم يعش طويلاً ولم يرَ النور بسبب أن رجلاً آخر كان يقف بينه وبينها رجلاً اسمه الزوج القادم الذي اختارته العائلة للفتاة رغم أنفها طمعاً في مادته. هنا بدأ شريط ذكرياته يعيد كل شيء حبه الفاشل، ومغامراته الحمقى. وذات يوم وهو يسير على رصيف الشارع المحاذي لمنزله رأى قصاصة ورق لم ينتشلها عامل النظافة وهي تطفو على ظهر مستنقع من المياه. وبدافع غريزة حب الاستطلاع الموجودة عند كل إنسان اقترب من الورقة والتقطها وقرأ ما بها إنه بيت شعر قديم أعاده إلى واقعه المرير وإلى صوابه:

اليوم عندك دلَّها وحديثها

وغداً لغيرك كفها والمعصم

حقاً إن أتعس إنسان من الناس هو رجل مات قلبه ويحاول أن يزرع فيه الأمل من جديد.

عبدالعزيز سعد عبدالكريم الخراشي


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد