Al Jazirah NewsPaper Wednesday  27/02/2008 G Issue 12935
الاربعاء 20 صفر 1429   العدد  12935
مركاز
الضوء!
حسين علي حسين

عندما شرعت قبل ربع قرن في التخطيط لبناء منزلي، كان أول ما حرصت عليه توفر الضوء في كافة الغرف والممرات، فالضوء الطبيعي يشرح الصدر، ويطرد البكتيريا، ويقلل من بقاء الروائح الناتجة عن الطهي ورش المبيدات والتدخين، وهو أيضاً يقلل من استخدام الطاقة، وهذه الاحتياطات التي لجأت إليها، عكس ما بدا سائداً في ذلك الوقت، فقد قر في الأذهان أننا بلد ذو طقس لا توسط فيه، فإما حار جداً، وإما بارد جداً، وفي مثل هكذا حالة فإن كثرة النوافذ ومحدودية الأبواب، لا معنى لهما في هكذا حالة، فالتكييف المركزي والإضاءة الذكية وغير الذكية والشفاطات في المطابخ والحمامات كل هذه الوسائل أجدى وأنفع لنا من العودة إلى الطريقة المعمارية التقليدية لدى إنسان الجزيرة العربية خصوصاً، والتي لجأ إليها، لأنه لا توجد لديه كهرباء ولا مكيفات هواء، ولأنه أيضاً يطبخ تحت الدرج وتحت ملاقف الهواء أو ما يطلق عليه (المنور) أو (الجلى) والتي من خلالها يتصاعد، أولاً بأول، دخان الخبيز ومناقد القهوة والتدفئة، لذا كانت هذه الطريقة في البناء ملائمة، أما خارج الجزيرة العربية، فإن من يسافر إلى خارج المملكة، أو من يقرأ في كتب العمارة وأدبياتها، سوف يلاحظ أن العمارة التركية والمملوكية، كانت تهتم كثيراً بمصادر الضوء والهواء اهتماماً كبيراً، وهناك بنايات ما زالت موجودة في القاهرة ودمشق وبغداد وتركيا ودول البلقان، تمتاز برحابة نوافذها وعلو سقوفها ورحابة ممراتها وسعة مناورها، حتى الحمامات المنزلية كانت ذات مساحة كافية، وكان الاحتفال بالزجاج محدوداً في النوافذ ومساقط الضوء الرأسية، وعوضاً عن ذلك تمت الاستفادة من الخشب من خلال تضليعه وتربيعه أو من خلال وضعه كشرائح متتالية رأسياً أو أفقياً، أو من خلال ما يعرف بالرواشين أو الشناشيل، فهذه الرواشين تسمح بتخلل الهواء إلى داخل المنزل، وتسمح بدخول الضوء إلى المجالس وغرف النوم، إضافة إلى كونها نافذة لربات المنزل لمراقبة ما يجري في الحي أو الشارع المواجه دون أن يرى الناظر أحداً من ساكني المنزل، وهو ما يقدمه الآن لون من ألوان الزجاج، لكن الفرق بين الزجاج والرواشين واضح جداً، فلا يمكن أن يأتي الهواء النقي أو يخرج الهواء الفاسد من خلف الزجاج، إضافة إلى أن الزجاج متعاوناً مع الألمونيوم والحديد يعتبر عائقاً أمام الهواء النقي مهما كان حاملاً للحر والسموم والصقيع!!.

المنازل في منطقة نجد لا تختلف كثيراً عن المنازل في منطقة المدينة المنورة (على سبيل المثال) مع فارق جوهري هو ميل منازل المدينة المنورة إلى الارتفاع الرأسي ومحدودية الفسحات خارج البناء (الحوش) واستخدام الحجر الصخري والرواشين، أما منازل نجد القديمة (مازال بعضها قائماً في القرى وقد شاهدتها) هذه المنازل تعتمد كثيراً على الحوش، فهو قد يشكل 60% من البناء، ونوافذها عالية وضيقة ومفتوحة (بدون شبابيك) وهي من دور واحد ومبنية من الطين والحشيش وجريد النخل والأخشاب المأخوذة من البيئة وغالباً ما يكون المنزل والحوش بدون تبليط أو تسميت إلا فيما ندر، هذه الطريقة في البناء متوائمة مع بيئة نجد، لكن الناس تركوها وكان من الممكن تطويرها كما طور قصر المربع، فهي طريقة صديقة للبيئة، وموفرة للكهرباء ومنقية للجو، لكننا بدلاً منها أصبحنا نرى عاصمة مثل الرياض تغرق منازلها ومقار مؤسساتها وشركاتها وحتى المستشفيات، أصبحنا نراها وقد تحولت إلى مجرد كتل من الحديد والأسمنت والألمونيوم أما الإضاءة فهي صناعية بامتياز مثلها مثل التهوية، فالنوافذ في المباني أصبحت صغيرة أما السقوف فواطئة، هذه المنازل لن تنكشف عوراتها إلا عندما ينقطع الضوء عنها!!

لقد انتقل عداؤنا للضوء والهواء الطبيعي إلى أبنائنا ووسائلنا الأخرى وأبرزها السيارة، فالابن أو الأبنة أو الأب لا يخرج ظهراً إلا وقد لبس نظارة سوداء يرى منها ولا يرى بحجة حماية العينين من أشعة الشمس، أما السيارة فهي مكسية على الدوام بلاصق أسود بحجة حماية درجة البرودة في السيارة وحماية من بداخلها من نظرات الفضوليين، ولذلك ولكي يكتمل الديكور فإن جهاز التكييف في السيارة لا بد أن يكون عاملاً ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاءً، مثلما هي منازلنا، حيث لا ينام أهل الدار بدون طنينها!

لقد أحكمت المنازل والسيارات ووسائل حجم الضوء والهواء العزلة علينا، خلعتنا من البيئة الطبيعية وزرعتنا في بيئة صناعية، والأضرار من ذلك كبيرة لمن يرى ويراقب ويقرأ ويخطط!!

فاكس 012054137


لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5137 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد