Al Jazirah NewsPaper Thursday  28/02/2008 G Issue 12936
الخميس 21 صفر 1429   العدد  12936
المرأة السعودية في العمل السياسي والدبلوماسي ومواقع فعالة أخرى
د. فوزية عبد الله أبو خالد

يمكن أن نستعير ليوم الاثنين الماضي 18-2-1429ه 25-2- 2008م مسمى ربيع طالبات جامعة الملك سعود والتسمية لا ترجع فقط إلى التسمية السياسية الشائعة عما كان قد أطلق عليه ب(ربيع براغ) في الستينات الميلادية أثر التحولات السياسية والانتفاضة الشعبية التي شهدتها تلك المدينة من أوروبا الشرقية لكنها مستمدة من

تاريخي الاجتماعي الشخصي فيما كان يسميه أبي سقى الله تربته ب(ربيع شعيب حريملا) حين كانت تتراجع قسوة المربعانية وأجوائها الرمادية القارسة ويعقبها مناخيا ظهور الحوى والقرقاص واشتعال أرض الشعيب بتفتح براعم زهور الصحراء التي ربما كان يبدو خلال بيات الشتاء أن لا أمل في اندلاعها بذلك الشكل الملتاع المتعدد الألوان والأطياف. فقد استضافت الجامعة بحضور طالبات وهيئة تدريس عدد من الأقسام في كل من كلية الآداب والتربية والعلوم الإدارية بمركز الدراسات الجامعية للبنات بعليشة وبمشاركة طالبات عدد من أقسام وكليات العلوم الطبيعية بالإضافة إلى العلوم الاجتماعية في يوم واحد وما ودفعة واحدة ندوتين هامتين من جهات خارج الجامعة بعد أن كانت تمضي أعوام وليس من يفتح على الجامعة الباب كما ليس من يسمح له بالاقتراب من أسوار قلعة مقر الدراسات الجامعية للبنات فيعرف أو يهتم ليعرف ما يدور في رؤوس المنتميات لتلك القلة من قلاع النساء في بلادنا.

دلالات الندوة الأولى

كانت الندوة الأولى بمبادرة من مركز الحوار الوطني الذي قرر على ما يبدو في بادرة طيبة أن يوسع دائرة الشراكة بينه وبين مؤسسات المجتمع فاختار أن يخرج من مبناه في شمال الرياض ويدخل إلى قلب المدينة ويضيف على تجاربه السابقة في محاولة الوصول إلى شرائح الشباب تجربة الانخراط في صفوفهم بدل الاكتفاء بدعوة عينات منهم إلى ندواته المعتاد عقدها في قاعات المؤتمرات. إلا أن المثير في الأمر ليس هذا الأمر بحد ذاته إذ من المتوقع من مؤسسة تنتدب للعناية بمفصل إصلاحي مهم من مفاصل أطروحة الإصلاح مثل محور الحوار أن تسعى للوصول إلى تحقيق مثل هذه الشراكة الاجتماعية وتعمل على تعدد أساليب العمل لبلوغ مثل هذا الهدف مع تثمين جهد العاملين فيها بهذا الصدد ومنهم أ. فيصل المعمر وأ. وفاء التويجري وسواهما من جنود العمل الحواري المجهولين والمعروفين على حد سواء ولكن المثير هو الطبيعة النوعية لما أبدينه طالبات الجامعة من تجاوب مع موضوع الندوة وذلك الطرح الناضج الذي طرحته الطالبات. وإذا كان لموضوع الندوة الذي يشكل قضية وطنية وقضية ضمير اجتماعي وهو موضوع (البحث في حلول البطاقة) قد يكون مما حفز الطالبات للحضور وللمشاركة في الحوار وإن جاءت الندوة تحت مسمى أكثر عمومية يتعلق في رأب الفجوة بين الخريجين وبين جهات العمل والتوظيف في القطاعين العام والخاص، فإن ذلك أيضا محمل بالدلالات ومن دلالاته أن طالبات الجامعة لدينا مثلهن مثل أغلبية طلاب الجامعات في العالم اليوم يمثلون ذلك الاتجاه الذي يخالف الاتجاهات الشبابية للقرن العشرين ونهاياته فهم ليسوا مهجوسين بالانخراط في بحث القضايا الجدالية والفلسفية والوطنية بقدر ما أنهم متمحسون ومهتمون ببحث القضايا (البراجماتية) إن صح التعبير أي تلك القضايا اليومية التي يتوقف على إيجاد حلول عملية لها مستقبلهم الشخصي ومستقبلهم الوطني. ولمساعدة القارئ على تخيل الأجواء ولإيصال صوت ذلك الطرح الناضج لمن يعنيه الأمر ولصاحب القرار تحديدا أنقل عينة من طروحات الشابات مما طرح بأصوات أنثوية واثقة لم يمنعها تحري الموضوعية والجذر من أجواء لم يعهدن فيها أن أحداً يصغي إليهن أن يعير آراءهن اهتماما بالجرأة الأدبية.

ومما قالته الطالبات أنهم لا يجدن المعلومة الدقيقة التي تقودهن لمواقع عمل قادرة على توظيفهن أو على إرشادهن لكيفية بدء مشاريع تجارية صغيرة خاصة بهن رغم انتشار المواقع الإلكترونية وتعدد وسائل الاتصال ورغم ما يشاع إعلاميا من استعداد أجهزة القطاعين العام والخاص على توفير هذه المعلومة فإنهن وفي ظل صعوبة المواصلات على كثير ممن يبحثن عن عمل وفي ظل عدم وجود أقسام مختصة بالنساء لاستقبالهن في الجهات المعنية لا يجدن سبيلا للوصول إلى المعلومة المطلوبة بل إن إحدى الطالبات قالت بسخرية مريرة حتى الهواتف في كثير من جهات العمل ليس من يرد عليها ناهيك عن الإجابة عن استفسار. ولم تكن تلك الشكوى تقتصر على طلبات العمل من قبل طالبات وخريجات كليات العلوم الإنسانية بل وأيضا قام الطالبات بالشكوى من شح الوظائف في مجالات عملية حيوية يفترض أن فراغها لم يملأ بعد بالمواطنين والمواطنات بل لا تزال شواغرها تملأ بكفاءات مستقدمة من الخارج مثل مجال العلوم الطبيعية المساعدة ومنها التمريض.

ولذلك فإنه على خلاف بطالة الشباب التي عادة ما يكون معترف بها لأنها ظاهرة للعيان بسبب إتاحة الفرصة للشباب للتردد على جهات العمل والتوظيف للبحث عن وظيفة فإن بطالة النساء تصبح تعاني من (قناع مزدوج) وتصبح في حكم الواقع (غير المرئي) رغم فداحة البطالة بين كوادر نسائية مؤهلة.

كما جرى طرح تساؤل قلق ومشروع من قبل عدد آخر من الطالبات والخريجات فيما يخص استنكار تلك الطروحات المغلوطة التي تحاول أن تبخس النساء الحق في العمل متناسية بأن العمل النزيه المنتج حق لكل مواطنة ومواطن بالقول إن الرجال أولى بقلق الحصول على فرص وظيفية باعتبار أن الرجل هو المعيل أما المرأة فإن مطلب عملها يمكن أن يؤجل لريثما توفر وظائف للرجال وقد قالت إحدى الحاضرات الشابات إن من يشك بأن كثير من النساء أصبح عليهن في مجتمع اليوم مسؤولية الإعالة داخل كثير من الأسر فإنه لا يعرف المجتمع السعودي بما فيه الكفاية ولا يعرف ما يمر به المجتمع من تحولات. إن من غير الصواب وضع المسألة في صيغة تخيرية خاطئة فإما توفير عمل للنساء أو للرجال وأيهما الأحق بالعمل فكل من النساء والرجال مواطنون ولهم الحق في عمل يعصمهم من ذل الحاجة ويحول بينهم وبين مغريات الزلل.

بل إن أطروحة الطالبات كانت من الوعي بأن تساءلت عن غياب مفهوم الإنتاجية وقلة المهارات وضبابية أخلاق العمل وفقدان منظومة واضحة لضمانات حقوقه وتقنين واجباته عند الكثير من طلاب العمل والعاملين بل وعن وعدد من جهات العمل والتوظيف، كما كان هناك اقتراحات عملية تقدم بها بعض الطالبات بحصر حاجات السوق وتصميم برامج تدريبية للراغبين في العمل من قبل جهات العمل والتوظيف تمهيداً لإحلالهم محل قوى العمل القادمة من الخارج لرفع تهمة (اللامهارة) عن الشباب والشابات السعوديين التي غالباً ما تشكل شماعة لرفض توظيف أبناء البلد خاصة لدى القطاع الخاص، وربما نضيف هنا مطلب وجود حد أدنى مجزي من الأجور في القطاعين العام والخاص خاصة لأن تدني نسبة الأجور تشكل بيئة طاردة لطلاب العمل. وتوجد مبررات لتوسيع شق البطالة الآخذ في الاتساع بين الشباب والشابات معا.

كما اختم الحديث عن الندوة الأولى باقتراحين أخيرين جرى طرحهما في ذلك اللقاء الساخن بين طالبات الجامعة وبين المشتركات من الخبيرات ومتخصصات الاقتصاد في ندوة الحوار الوطني بجامعة الملك سعود، النقطة الأولى حملت اقتراح بأن يصرف (بدل بطالة) للقادرين على العمل والراغبين فيه ممن لا يجدونه تأخذ من القطاع الخاص والقطاع الحكومي لأن دفع مثل هذا البدل قد يشكل ورقة ضغط على جهات العمل والتوظيف لخلق فرص عمل للشباب والشابات.

أما الاقتراح الثاني فقد جاء على هيئة سؤال طرح بالصيغة التالية: كيف يمكن أن نتوقع اهتماماً من جهات التوظيف والعمل بوضع بطالة طالبات الجامعات من الخريجات ناهيك عمن لا يحملن مؤهلا جامعيا على رأس قائمة جول الأعمال إذا كانت أكبر جهات التوظيف وعلى سبيل المثال وزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية لا يوجد في جهاز أي منهما الرسمي تمثيل في مواقع اتخاذ القرار للنساء إلا في أضيق الحدود وفي وظائف محدودة إن لم نقل معدومة الفعالية؟

الندوة المفاجئة ومفاجأة

ندوة الأمير تركي الفيصل

أقيمت ندوة سمو الأمير تركي الفيصل في قسم الرجال من جامعة الملك سعود إلا أنه جرى بثها عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة إلى مركز الدراسات الجامعية للبنات في نفس ذلك اليوم الحافل في حياة جامعة الملك سعود.

وقد كاد الأمير تركي أن ينجو بدبلوماسيته وهدوئه وسحر حديثه من الأسئلة الشائكة التي يمكن أن يفجرها عنوناً جريئاً كعنوان ندوته(العلاقات السعودية الأمريكية) ,هو الرجل الذي عاصر بجدارة أكثر المناصب حساسية كسفير للمملكة ببريطانيا ثم كسفير بأمريكا في وقت من أكثر الأوقات عصفاً إلا أن أصوات بعض الطالبات مرة أخرى تدخلت وغيرت مجرى المشهد.

ومن الأسئلة التي سألها بعض الطالبات لسمو الأمير تركي سؤال: متى يفتح للمرأة مجال للانخراط في العمل السياسي والدبلوماسي ومتى تشرع وزارة الخارجية في قبول الراغبات في العمل في هذا المجال والعمل على تدريبهن للانخراط في العمل كجزء من الجهاز الدبلوماسي وليس كمجرد موظفات في أعمال كتابية أو روتينية أخرى.

ومع وجود أسئلة أخرى فإنها كانت بشكل عام تنوع على مثل هذا السؤال الذي يكشف عن هاجس الشابات باستشراف مستقبل يفتح مجالات جديدة لعمل المرأة السعودية ويعلن استعدادها لدفع ضريبة المواطنة وتأدية واجباتها.

وهنا جاءت ردود سمو الأمير تركي أكثر من مشجعة إذ لم يكتفِ بأن يبدي تثميناً لما حققته المرأة السعودية في مجال التعليم بل أضاف إلى موقفه هذا موقف التأييد للمرأة السعودية في مطلب عمل يقدم للعالم الوجه الحضاري لهذه البلاد ولمواطنيها رجالاً ونساءً، وليس لنا ونحن نسمع مثل هذا الرأي المقدام من رجل في موقعه إلا أن ننتظر خيراً قريباً هكذا قال الطالبات بعد أن أقفلت المايكروفونات من جهة الرجال في قاعات الطالبات.. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5148 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد