بهت الإنسان المعاصر من التطور الصاروخي للعلوم (التقنية) التي اخترقت مجالات كثيرة كالطب والصناعة والاتصال وغيرها وتقدم لبني جنسه خدمات هائلة لا تكاد تصدق ولم يكن يحلم بقليل منها إلى عهد قريب، لقد أضحت المصانع والمعامل تدار بالحواسيب الآلية والربوتات، وأصبحت الإنترنت دائرة معارف عالمية يتصفحها المرء في أي مكان من الأرض بواسطة أزرار، وكسب المتمكنون من ناصية العلم التجريبي وراء هذا التقدم التقني ثروات ضخمة سحرت القلوب وذهلت منها النفوس وطاشت العقول، وضجت وسائل الإعلام العالمية بصخب حول أهمية الثروات المعدنية في حياة الناس وتكالب القوى الكبرى عليها ولهث الصغرى وراءها.
ومن أعجب العجب أن ينبهر الناس بكل ذلك التطور ثم يغفلوا غفلة عنيفة عن أن مصدر هذه الثورة العلمية والثروة المادية هو عقل الإنسان، الذي لا تزال ماهيته تحير عقول العلماء وتقف دون إدراكها علوم العقلاء.
إن هذا المخلوق الضعيف الذي لا يكاد يحتمل حراً ولا برداً ولا جوعاً ولا عطشاً والذي غزا الفضاء وغاص في أعماق البحار والمحيطات يستكشف ويكتشف.. ويستنتج وينتج.. هذا المخلوق ذو الطاقة العقلية الجبارة.. هو أهم وأعظم ثروة في هذه الأرض والحفاظ عليه كسب لجميع الثروات الأخرى.
فكيف تغفل شعوب وأمم عن قيمة هذا الإنسان وتستخدمه كالآلة الصماء في طاحونة حياة لا تكف عن الكدح، ولا يهمها بعد أن يكدح وينتج أن ينحدر كالحيوان ويتخبط تائها في مجاهل الجهل الروحي، يدمر نفسه بنفسه بل يصبح أشد ضرراً وأعظم خطراً على حياة الناس من أفتك الأوبئة والأسلحة، إن هذا الإنسان لا حدود لنفعه إذا صلح ولا نهاية لضرره إذا فسد.. إن إنسان عصرنا الذي لا يؤمن إلا بالمادة، يرفه جسمه إلى أبعد حدود طاقته، ويقتل روحه في كل لحظة من لحظات عمره القصير.
إنه ثروة لا تقدر لو أدرك قيمة نفسه الحقيقية، وهو أقل قيمة من أتفه الآلات التي يخترعها إذا عاش حيواناً بلا خلق، وحجر صلد بلا دين، وليس يتنفع أي إنسان بعقله ولو كان من أذكى الأذكياء وأعلم العلماء إذا لم يقده عقله إلى الإيمان بخالق الكون وحده دون شريك، وإلى اتباع دينه القويم، الذي نسخ الشرائع وختم الأديان.