Al Jazirah NewsPaper Thursday  06/03/2008 G Issue 12943
الخميس 28 صفر 1429   العدد  12943
الرحيل الصامت
عبد الله المطمي

منذ أن وعت ذاكرتي الصغيرة تعاقب الأحداث إلى أن غيّب في الثرى لم يتغيّر شكله رغم امتدادها نحو الأربعين.. قصير القامة نحيل الجسم، دقيق الساقين اللتين لا تكادان أن تحملاه.

فمه خال من الأسنان تماماً يكاد شدقاه يلتقيان من الداخل بعضها ببعض ومع هذا فقد اشتهر باسم (أبو سن).

طالما سألت وبحثت في صغري عن هذه السن بمراقبة فيه أثناء حديثه فلم أجد لها أثراً وجفَّ السؤال على لساني دون إجابة ترويه.

تغزل بديهته ردود دعابات طريفة تجبر الضحكة على السفور وتعبق ذاكرته فتنبعث حكايا السنين بشذاها القديم وعبقها المعتق جمعت الناس حوله للضحك والإيناس، تتخللها حدة في مزاجه عندما يكثر عليه الجمع فلا يزيدون إلا متعة وهو في قمة غضبه.

لم يتزوّج طيلة حياته رغم محاولة عقيمة لم يحالفها النجاح بعد أحداث في غاية الطرافة لم يفصح عنها غير لقلة.

نصاب بالذهول والعجب صغاراً من قدرته على إنجاز عمله وتحكمه في أدواته في أعمال الزراعة لأهل قريته التي لا تخلو من أثر له فيها، كنا نعزو ذلك إلى خفة وزنه التي ساعدت على الإتقان.

عندما وهن عظمه اعتزل المزارع تماماً ولم يذهب إليها مما زاد من فرص لقائه فتجمعنا العصاري والأعياد القروية بطابعها الريفي العبق فتجد الحديث منصباً نحوه من كل جانب منتظرين متلهفين تعليقاته اللاذعة والمضحكة، من حين إلى حين يتمتم بشعر يشعر هجاء من نظمه ينفس به عن همومه التي تعتريه فتتلقفه الأسماع وتنشره الأفواه ضحكاً وتندراً، هرعنا للقائه المعتاد فوجدناه واهناً يصارع المرض.

قد ذبل الكلام في شفتيه فتجمدت الضحكة على شفاهنا.. ثم رحل بصمت وطويت صفحته التي ما زلنا نقلبها بين حين وآخر.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد