الحزن أحد القوى العاطفية والمشاعر الفطرية، وهو أمر طبيعي، واستجابة طبيعية لوفاة شخص عزيز، ولكن مشاعر الحزن قد تتفاقم وتخرج عن إطارها الطبيعي وتشتد حتى تصبح مشكلة كبيرة، وتنكسر نفس الحزين ويتحوّل إلى اكتئاب، وخصوصاً إذا لم يجد الشخص الحزين الدعم والمساندة والتعاطف من الناس من حوله.
ونتيجة للحزن، المرء قد يدخل في ردود أفعال جسمية ونفسية تعقب الفقدان، والشخص الحزين إذا كان غير قادر على أن يظهر حزنه ومشاعره خلال عملية الحزن، فمن الممكن أن يعاني من صدمة عاطفية طويلة الأجل. وأعراض الصدمة يمكن أن تتضمّن الميل إلى الإسهاب والإمعان في تذكُّر الشخص المفقود، ومشاعر عدم التصديق، والغضب، والندم الشديد، وتقلُّب المزاج، والعزلة والانسحاب من أنشطة الحياة المختلفة. والذي يعيش حالة من الحزن ربما يمر بالخبرات التالية:
كثرة البكاء، والصعوبة في التركيز، والإحساس بالغضب، والشعور بالوحدة، ولوم الذات، واضطراب النوم، وفقدان الوزن بسبب فقدان الشهية أو زيادة الوزن بسبب كثرة الأكل كحيلة دفاعية، والإرهاق ونقص الطاقة، والصداع، والشعور بآلام في أماكن مختلفة من الجسم، واضطرابات في المعدة، وتساقط الشعر، وقد تستمر هذه الاستجابات وقد تنقطع على حساب عظم المصيبة، وقد بيّن الله حال يعقوب عليه السلام بعد فقده يوسف:
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ {84} قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}{85} يوسف.
ويمكن القول إنّ هناك مراحل لعملية الحزن، وهذه المراحل ليست بالضرورة أن يمر بها الشخص الحزين كلها، أو يمر بها كل شخص، وكل شخص حالة فريدة في التعبير عن حزنه، وربما لا يلحظها الآخرون. وفهمنا لهذه المراحل يجعلنا نفهم المشاعر التي يمر بها الحزين .. هذه المراحل هي:
* الجمود: الشعور بالجمود في المشاعر يكون في الغالب ردة الفعل الأولى لخبر الوفاة، وقد تستغرق عدداً من الساعات أو الأيام، وهذا الجمود ربما يكون مساعداً للتعامل مع الموقف في ساعاته الأولى ومع إجراءات الجنازة والضغوط المختلفة للصدمة. وهذا ما نلحظه عند كثير من الناس في الساعات الأولى حيث لا يظهر عليهم أي مظاهر للحزن.
* الحزن العميق: هذا الجمود يتبدل بالحزن والحنين العميق للمتوفى، وهنا يجد الشخص صعوبة في التركيز والنوم، والإرهاق الشديد.
* الغضب: ربما يغضب الحزين من ناقل خبر الوفاة، أو من الطبيب المعالج، أو من الشخص الذي اشترك في الوفاة (في حادث مثلاً)، والبعض قد يوجه غضبه إلى الداخل ويلوم نفسه.
* الاكتئاب: تبدأ تزول مشاعر الحزن القوية تدريجياً لتحل محلها مرحلة الأسى العميق، فيدخل في أسى عميق، ويجمع بين مشاعر الحزن والشعور بالوحدة، والندم، والشعور بعدم الأهمية بعد فقدان الشخص العزيز، والصمت، ويجلس الشخص مع ذكريات المتوفى. خبرة الأسى هذه تجعل الشخص يفقد طاقته في القيام بأي نشاط، وتجعله يفقد متعة الأشياء من حوله.
* الاختبار: تبدأ المرأة تقيم وضعها في هذا العالم بعد فقدان زوجها، وهذا يتضمّن أفكاراً جديدة، وسلوك جديد، وأحياناً أسلوب حياة مختلف.
* القبول بالواقع والتكيف: الوقت لوحده غير كاف لمعالجة الجرح، وخصوصاً على المرأة من الصعب أن تنسى تلك الحياة الجميلة الطيبة، ولكن المؤمن بقضاء الله وقدره يتقبّل الوضع الجديد، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويبدأ يتكيف مع الحياة الجديدة، ويدرك أنها حقيقة الحياة، وتدريجياً يبدأ يتعامل مع مشاعره وعواطفه، ويجد له مكاناً في هذه الحياة.
وليس هناك وقت محدد لعملية الحزن وما يرتبط بها من مشاعر، وهي تختلف من شخص إلى آخر، البعض خلال أسابيع أو أشهر يستطيع أن يتعامل مع مشاعره ويتكيف مع حياته الجديدة، والبعض تستمر معه موجة الحزن لسنوات طويلة مع اختلاف في القوة والتكرار.
وكل مجتمع له عاداته في العزاء، ويكون الناس أكثر التزاماً بهذه العادات دون الاهتمام بمشاعر أهل الميت. فنلاحظ في الغالب أن الدعم والمساندة تنتهي في اليوم الثالث من العزاء في الوقت الذي تبدأ فيه مشاعر الحزن. وفي الغالب فإن كل ما نقوم به هو محاولة أن نجعل الشخص يتوقف عن البكاء، أو بطريقة أخرى نحاول أن نغطي مشاعرهم. وانسحاب الناس لا يعني أنهم غير متعاطفين مع الشخص الحزين، ولكن في الغالب لا يدركون طبيعة عملية الحزن، ولا يدركون الفترة التي تستغرقها عملية الحزن، ولأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الشخص ومع مشاعر الحزن.
من المهم أن يدرك المحيطون بالأرملة حاجاتها، وأن يحافظوا على وقفة داعمة لها، وأن تشعر أن المحيطين بها يتعاطفون معها ويشعرون بمشاعرها ويشاركونها الألم والحزن. والموت حقيقة وجزء من الحياة، والحزن لن يطيل حياة شخص أو يعيده بعد مماته .. وهنا بعض التوجيهات التي تساعد المرأة الأرملة في التغلُّب على حزنها ومعاناتها النفسية:
1 - الإكثار من الذِّكر والدعاء وتلاوة القرآن الكريم {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}
2 - الإيمان بقضاء الله وقدره، والصبر على المصيبة، ففيهما أجر
عظيم، وتخفيف من الألم ومشاعر الحزن، ومصدر للطمأنينة والرضا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}
3 - إدراك أن كل الأمور بيد الله مقاديرها، وأن نفساً لن تموت
حتى تستكمل رزقها وأجلها، والإقبال على الدنيا بشجاعة ويقين. وأن تستحضر قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين وفاة ابنه إبراهيم: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون)، واستحضار حكمة الله في الأقدار، فلا يعطي ولا يمنع إلا لحكمه، مما يهون عليها المصيبة والألم.
4 - النظر إلى الحياة بواقعية وإيجابية، والبعد عن النظرة السلبية المتشائمة، والاعتبار بالآخرين والنظر إلى من هو أسوأ حالاً.
5 - أحد العناصر المهمة للحزن النفسي - إذا صح التعبير - هي إن تسمح الأرملة لمشاعرها أن تظهر وأن تتعامل معها بواقعية، وأن تنفس عن حزنها. كبت المشاعر وتجاهلها سوف يسبب الألم حتى يتفاقم ويطيل فترة الحزن، ويصبح من الصعب الهروب منه إلا بالدواء. إن مما يساعد المرأة هو أن تتحدث عن مشاعرها وتعبِّر عنها في هذا الوقت الصعب حتى وإن كان الآخرون غير مشجعين لها أو يحاولون الحد من ردة الفعل العاطفية القوية. فلها أن تتحدث عن فقيدها وأن تخبر من حولها أن مما يحقق لها الارتياح وجزء من عملية الشفاء والخروج من المعاناة أن تخرج ما في صدرها.
6 - أن تكتب أو تتحدث عن مزايا فقيدها، وعن إنجازاته، وماذا قدم لمجتمعه، وأسرته، وأقاربه وجيرانه، وإظهار هذا الأمر للآخرين.
7 - أن تسامحه ودعو له وتطلب الدعاء له، فقد يكون أتى الموت قبل أن تأتي فرصة للاعتذار أو التسامح. وحسب المستطاع تقدم صدقات عنه، أو تنشئ مشروعاً خيرياً باسمه، أو كفالة أيتام أو ما شابه ذلك .. هذه الأمور سوف تجعلها تشعر بإيجابية وتخفف عنها الألم.
8 - الاختلاط بالناس ومعايشتهم، إذ إن العزلة تهيج الحزن وتزيد الألم، وتعزِّز تذكر المصيبة والتفكير فيها.
9 - أن تهتم بصحتها الجسدية، وأن تهتم بأكلها حتى وإن كان ذلك آخر شيء تفكر فيه، وأن تأخذ كفايتها من النوم مع الانتظام في المواعيد. هذا أمر يساعد على تخطي هذه المرحلة، والجسم عندما يكون مضطرباً ومرهقاً يكون من الصعب على الإنسان التغلُّب على أفكاره ومشاعره مما يزيد الحالة سوءاً. ومما يساعد على ذلك ما يسمى بالتلبينة وهي طعام يصنع من حساء من دقيق أو نخالة، ويوضع فيه عسل أو لبن، أو كلاهما، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن التلبينة تجم فؤاد المريض (أي تريحه)، وتذهب ببعض الحزن).
10 - أن تطلب الدعم والمساندة من الآخرين، وسوف تجد الكثير من الناس من حولها يريدون تقديم المساعدة لها، الأهل والأصدقاء، والجيران، قد تشعر أن الناس بعيدين عنها ولكن في الواقع ليسوا كذلك، وإنما لأنهم لا يعرفون ماذا تحتاج إليه، ولا يعرفون كيف يتصرفون، دعيهم يعرفون ما تحتاجين إليه، وقد يكون أكثر شيء تحتاجين إليه أذن صاغية وحضور يخفف مشاعر الوحدة.
11 - إن مما يزيد المعاناة النفسية أسئلة الأطفال حول غياب والدهم، أو حول البحث عن معنى الوفاة أو العزاء، ومن المناسب عدم تجاهل أسئلتهم أو تأجيل الإجابة عليها، ولتتذكر أن الطفل يحتاج إلى تطمين واقعي، وإلى إجابة محسوسة ومحددة، ومع كل هذا يحتاج إلى أن يشعر بالعطف والأمان. بعض الناس يميل إلى إبعاد الأطفال عن جو العزاء، ولكن من الأفضل أن نكون واضحين معهم ونشجعهم على أن يتحدثوا عما بأنفسهم.